عن حربنا الّتي ليست حربنا

من قلب العاصمة صنعاء يحتفل حاكمها العسكري "إيرلو" بذكرى ما تسمّى "الثورة الإسلامية في إيران"، وذلك في حضور هامشي لقيادات الميليشيا الحوثية الذين اقتصر دورهم على ترديد النشيد الإيراني، عاجزين حتى عن إظهار العلم اليمني ولو على سبيل التقية.

قبل هذا بسبع سنوات، وقبل أن يتشكّل التحالف العربي لدعم الشرعية، كان الخليج مساهماً بطريقة أو بأخرى في وصول جحافل الحوثي إلى صنعاء. وتورط في ذلك بناءً على حسابات تظهر فيها ضحالة العقل السياسي العربي وهو ينقاد دوماً لهجس اللحظة وفي افتقارٍ كليٍّ للرؤية الاستراتيجية، العَرَضين الملازمين لغياب المشروع.

من ذلك، يمكننا القول ببساطة إن دول االخليج هي من قدّمت صنعاء لطهران، الأمر الذي لن تكف الأولى تدفع ثمنه باهظاً وإلى أن تأتي لحظة نتمكن فيها، نحن اليمنيين، من إزالة هذا العار عن تاريخنا المعاصر.

وبقدر ما كانت حرباً بين اليمنيين ومشروع السلالة، وبين الجمهورية والإمامة، فقد كانت أيضاً معركة ضمن صراع إقليمي تغذيه القوى العالمية المتحكمة. ومثلما لم يكن انطلاق هذا الحرب بقرار داخلي محض، فلن يكون توقفها بمعزل عن القوى الإقليمية التي كانت فاعلاً رئيسياً فيها.

هل يعني هذا أن حربنا تخلو من أيّ بُعد وطنيٍّ؟! بالطبع لا، فهي من حيث طابعها المباشر، باعتبارها حرباً بين الإمامة والجمهورية، التيارين اللذين لن يكفّا يتباريان حتى يفوز أحدهما على الآخر بشكل حاسم ونهائي، تكتسب القيمة التي تجعل منها حرباً وطنية، وهذا ما ظلّ يدفع لخوضها بأقصى حماسة ممكنة. لكن هذا الطابع المباشر لا يزعزع حقيقة أنها حرب تدور أيضاً بين جهتين إقليميتين تقف وراءهما قوى أكبر منهما.

في هذا العالم، لا أسوأ من أن تكون ضعيفاً، سواءً كنت فرداً أو كياناً جمعيّاً. الضعيف لا يمكنه إلا أن يكون مطية، عرضة لاستغلال كل من هو أكثر قوّة، طموحاً ومكراً. نعيش في عالم يعج بمشاريع كبيرة، مشاريع لن تكفّ تتغوّل، ولن تتوانى في طريقها لتحقيق ذاتها في أن تلقف كل ما هو دونها قوّة، تبتلعه ساعيةً لهضمه وجعله جزءاً من قوّتها الذاتيّة.

نحن، هذا الجيل الذي تعيّن عليه دفع فاتورة أجيال من الفساد والضعف والتشوهات، والّذي حاول، ولا يزال، أن يصحح وأن يثِب، ربما لا نتحمّل أدنى مسؤولية في كلّ هذا الانطحان الذي نعانيه، إننا فقط ضحايا آثام من سبقوا، لكن لن يجدينا النواح في شيء. إنّ الدرس اللائق بنا أخذه من هذه الوصمة هو بؤس الضّعف وكيف أن هذا العالم لا يتحرك بضمير أخلاقي وإنما بمنطق القوّة.

سنخوض هذه الحرب حتى نهايتها التي ليس بوسعنا إزاءها حالياً سوى التخمين، سنخوضها إن بإرادتنا أو فقط رضوخاً عند إرادات من أشعلوها، لكن مسؤوليتنا الأولى نحن جيل هذه المرحلة هي أوّلاً في أن نعي ما نحن عليه من ضعف، أن نستوعب ضعفنا هذا ونفهمه ونتقصى مسبباته، وأن نتقزز كما يجب من كلّ الخزي الّذي رافقه. هذا الإدراك، بما هو عليه من أهميّة وقسوة، هو خطوتنا الأولى نحو قيامة لائقة، نحن الشعب الذي رفض أن يقوم كما يليق ربّما منذ سيل العرم.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك