قيس سعيّد ... أن تكون رئيساً لا يطيق نظامه

التعقيدات التونسية الحالية أكبر من أن تُختصر بشخص واحد أو بسبب حصري. لكن بما أن رئيس الجمهورية هو رأس الحكم، ويحتفظ بصلاحيات قد تعطّل، على قلّتها، عمل السلطة التنفيذية، بموجب دستور 2014 الذي صيغ بكفاءات حقيقية، فإن التوقف عند سلوك قيس سعيّد ومواقفه، منذ وصوله إلى الرئاسة قبل عام وأربعة أشهر، يصبح ضرورياً لفهم جانب رئيسي من الصورة.

لقد تداخلت الأزمة الاقتصادية ــ الاجتماعية مع تردّد الأحزاب والقوى في تأليف المحكمة الدستورية منذ 2014 لكي تفصل في الخلاف بين المؤسسات الدستورية وتفسّر القوانين. ثم تماهى فقدان طيف واسع من المواطنين الثقة بساستهم وبفكرة الأحزاب (وهذا من تعريف الشعبوية)، مع التسامح الكبير حيال كيانات سياسية تجاهر بكرهها النظام الديمقراطي، وتتفاخر بتمجيدها النظام المخلوع، وقد أخذت على عاتقها إيصال الانقسام التونسي إلى مرتبة الاقتتال إن أمكن. وأخيراً، لم يعد سهلاً الفصل بين أخطاء بالجملة ارتكبتها ولا تزال ترتكبها حركة النهضة، مع مفاجأة انتخاب قيس سعيّد، الآتي من دون تاريخ حزبي ولا دور فاعل في الثورة، ولا في مناهضة النظام السابق، بغالبية شعبية وازنة، كتعبير عن يأس عام من الأحزاب. ومنذ وصوله إلى منصبه، لم يقدّم الرجل هوية سياسية. ظل الخطاب الفضفاض العام، الإنشائي الذي لا يقول شيئاً، مرافقاً لإطلالاته الجامدة. 

التبرم من النظام البرلماني ملازم ليومياته. لم يجهد في إخفاء استعراضه الشعبوي، ولم يخبئ رغبته بفرض وصايةٍ لا يعطيه إياها الدستور على الحياة السياسية. وعندما ازدحمت شوارع البلد بالمحتجين، تناسى الرجل الذي لم يبتسم يوماً أمام الكاميرا، أنه رئيس للجمهورية، وارتدى سريعاً ثوب المعارضة ودعم الناس في وجه السلطة، أي أنه وقف ضد نفسه! والعجيب أن رئيس الجمهورية، أستاذ القانون الدستوري، لا يطيق ما يذكّره بالدستور الحالي للنظام البرلماني: لا يكنّ أي ودّ للأحزاب، وفي رصيده هجاء دسم بحقها. يعطي لنفسه الحق بإصدار حُكم بفساد وزراء، من دون تحديد أسماء هؤلاء حتى يتحرّى القضاء والبرلمان حول صحة الادعاء أو زيفه. يعطي النواب ثقتهم للوزراء فيرفضهم الرئيس. يسمّي رؤساء حكومات من دون استشارة قادة الأحزاب الممثلة في البرلمان. يتفنن في خسارة رجاله، ومنهم هشام المشيشي نفسه الذي أتى به سعيّد رئيساً للحكومة، فلم يحتمل الأخير تحويله وزيراً أول أكثر من أسابيع قبل أن يكسر الجرّة مع من أوصله إلى منصبه. 

يظن أنه يكفيه جعل هتاف "الشعب يريد" شعاراً لرئاسته لكي يرتاح ضميره إلى أنه يرأس البلد العربي الديمقراطي الوحيد، مع أنه يعرف تجارب "ضع الشعب على لسانك وافعل ما شئت". يعرقل عمل الحكومة بحجج الحرص على صلاحيات الرئيس، فيطعن بذلك في دستور النظام البرلماني. 

هو نظام لا يستسيغه الرجل الحالم بنمط الحكم الرئاسي. وما يحلم به شأنه الخاص، لكن أن يُنتخب رئيساً وفق هذين النظام والدستور، وأن يقرّر الالتفاف عليهما، فإن ذلك يتجاوز المزاج، ويجعله من المسؤولين الأساسيين عن الأزمة التي تهدد الديمقراطية التونسية.

كتب قيس سعيّد، مساء الاثنين، بياناً بخط يده تصعب قراءته من شدة اللعب بحروفه (ما العبرة من كتابة بيان رئاسي رسمي بخط اليد بالضبط؟). أراد أن يعلّق على إقالة هشام المشيشي وزراء محسوبين على الرئيس، رداً على عرقلة سعيّد عمل الحكومة من خلال رفض أداء اليمين الدستورية لوزراء قرّر، وحده، أن شبهات فساد تحوم حولهم. 

كتب بخط يده ما حرفيته أن "اليمين (الدستورية) لا تقاس بمقاييس الإجراءات الشكلية أو الجوهرية، بل بالالتزام بما ورد في نص القسم وبالآثار التي ستُرتب عليه لا في الحياة الدنيا فقط ولكن حين يقف من أدّاها بين يدي أعدل العادلين". 

انتظر التونسيون والحريصون من غير التونسيين، مبادرة مطلوبة من الرئيس، فما كان منه إلا إدخالهم في متاهات السفسطة والإنشاء والهروب إلى روحانيات دينية لا مكان لها من إعراب الأزمة ولا الدستور.

*عن موقع العربي الجديد


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك