بين جنبات السوق.. رزقٌ غير مأمون!

بين جنبات السوق.. رزقٌ غير مأمون!
عاصم الخضمي

"اشتري مني ليم، ادعمنا" بهذه الكلمات كان يقابل الطفل محمد (9 أعوام) وأشقاؤه الثلاثة كل متسوق يصادفونه بسوق مدينة التربة بمحافظة تعز (جنوب غرب اليمن).

امتهن الأشقاء الأربعة لقرابة ثلاثة أعوام مهنة البيع في السوق، وقبل 3 أشهر أجبر ارتفاع أسعار الليمون وقلة مكسبه على عودتهم إلى المنزل وترك العمل في محاكاة للمثل الشهير "رب ضارة نافعة".

أربعة جدران

تحت سقف منزل صغير بالإيجار مكون من غرفة واحدة تنبعث إليها روائح مقلب نفايات مدينة التربة الذي يقع جوار المنازل، يسكن الأطفال الأربعة مع أخت وأب وأم، منذ نزوحهم بداية عام 2015 من ريف محافظة إب (وسط اليمن) بسبب قلة فرص العمل حسب حديث والدهم.

يتكئ والدهم الثلاثيني على جدار الغرفة متحدثا عن سبب دفع أبنائه للعمل قائلا" منذ 3 أعوام أصبت بمرض تضخم القلب المزمن وأصبحت لا أقدر على العمل، ومن قبل شهرين توقف أطفالي عن العمل بسبب غلاء أسعار الليمون وتكفل أحد الأقارب بمساعدتي ببعض المصاريف".

ساعات عمل طويلة

كان عمل الأشقاء الأربعة الذين يبلغ أكبرهم 12 عاما وأصغرهم 8 أعوام، في السوق يمتد لساعات طويلة، تبدأ من الصباح الباكر بعد تجهيز والدهم عددًا كبيرًا من أكياس الليمون وحتى وقت ذهابهم للمدرسة في الظهيرة وبعد انتهاء الحصص الدراسية يعودون مجددا للسوق حتى أذان المغرب.

"حق علي وحق لهم" بهذه الجملة أجاب والدهم عن حق أطفاله في التعليم وأنه من حقهم اللعب وليس العمل، لكن وضعه الصحي الذي يحتاج لعلاجات شهرية وأجبره على ترك العمل في السوق وعدم توفر مصاريف للأسرة؛ دفعه لتوجيه أطفاله للعمل.

قبل نزوحهم من إب قبل الحرب، كان والدهم يعمل في الفلاحة والحجر والطين ويسافر أحيانا إلى محافظة شبوة (شرق اليمن) للعمل في نفس المهنة، وبعد نزوحهم عمل في مهنة البيع بسوق التربة لمدة عامين حتى أصيب بالمرض وفقا لحديثه.

وعي مجتمعي

مشاهدة المواطنين للأشقاء الأربعة في السوق، دفع كثيرًا منهم لتوجيه سهام الغضب والعتب على والدهم لماذا يجعل أطفاله يعملون في هذه السن المبكرة، ويجبب على سؤالنا كيف ينظر لعمل أطفاله في السوق معبرًا بقوله: " أحزن وأتألم حين أرى أطفالي يعملون في السوق لكني مضطر".

فكرة الانضمام لجبهات الحرب في اليمن لأجل الحصول على راتب شهري مغري، راودت والدهم كثيرا لأجل أن يتوقف أطفاله عن العمل، لكن تلك الفكرة جوبهت بالرفض من قبل أسرته وأقربائه خشية أن يعود جثة هامدة حسب تعبيره.

بنظرات شاردة يشير في لقائنا معه بمنزله أن ما ضاعف من معاناته كثيرًا منذ عامين هو توقف المنظمات عن توزيع المساعدات التي كان يتلقاها منذ بداية نزوحه، وأن قيمة العلاجات يتكفل بها أحد أقاربه منذ مرضه؛ بسبب أن كل ما كان يجمعه أطفاله من العمل لا يتجاوز باليوم 1500 ريال (2 دولار تقريبًا) وبالكاد يغطي تكاليف الطعام والشراب.

أثناء وجودنا في المنزل لاحظنا على وجوه الأطفال سعادة غامرة ومرح، خلافًا لما كنا نجدهم عليه في السوق من بؤس وشقاء ومعاناة لا تطاق وبابتسامة خفيفة يتمنى عبدالملك (11عاما) أن يصبح دكتورًا وأن لا يعود للسوق مرة أخرى.

حلم السوق

أثر العمل في السوق على حياتهم حتى أصبح حلم محمد وسعد (12عاما) بعد إكمالهما التعليم، أن يصيرا تجارًا في السوق ويملكون محالا تجارية، متمنين في الوقت الحالي أن لا يعودا مجددًا للعمل في السوق وأن يمارسا حقهما في اللعب.

يلفت والدهم أن المساعدات التي يتلقاها من أحد أقربائه بالكاد تكفي مصاريف العيش البسيطة، وأنه في حال استمرار انهيار العملة وغلاء الأسعار وعدم تلقيه مساعدات من المنظمات، سيدفع أطفاله مجددا للعمل في السوق ببيع الماء بدلا عن الليمون.

تضاعف الأعداد

يشير رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة أحمد القرشي في "تصريح خاص " أن معدلات عمالة الأطفال زادت في اليمن خصوصًا خلال الحرب المستمرة منذ عام2014 إلى أكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بما كانت عليه سابقا حسب تقديرات منظمته.

موضحا إلى أن توقف صرف مرتبات موظفي الدولة وفقدان مئات الألاف من الأسر اليمنية مصادر دخلها، خصوصا ذوي الدخل المحدود وحالة النزوح التي تتجاوز الثلاثة مليون نازح غالبيتهم من الأطفال والنساء، وعدم قيام الدولة بمسؤولياتها وانهيار منظومة التعليم وغيرها من الأسباب الجوهرية؛ تسببت جميعها في انخراط الأطفال في أسوأ أشكال العمالة.

تهديد واستغلال

لافتًا إلى أن انخراطهم في أسوأ أشكال العمالة يعرض حياتهم إلى الكثير من المخاطر والاستغلال، بما في ذلك الاستغلال الجنسي وإفقادهم الحق في الأمان والتعليم وغيرها من الحقوق الأساسية للطفل.

ويقول القرشي: إن انهيار منظومة عدالة الأطفال وازدياد معدلات الفقر والبطالة في صفوف العائلين إضافة إلى الفساد والتلاعب الذي أهدر الكثير من المساعدات الإنسانية الطارئة ولم يمكن مستحقيها من الحصول عليها، ويرى أن من أهم أسباب الانخراط في أسوأ أشكال عمالة الأطفال ومنه تجنيد وإشراك الأطفال في النزاع المسلح وكذلك العمل في المهن والأعمال الخطرة والتي تمثل تهديدًا على صحة وسلامه الطفل.

مشيرا إلى أن عمل الأطفال يخالف اتفاقية منظمة العمل الدولية التي صادقت عليها الجمهورية اليمنية ويخالف اتفاقية حقوق الطفل والقانون اليمني، وأنه في ظل انعدام دور المؤسسات الحكومية والمنظمات غير الحكومية المعنية بحمايه الأطفال بسبب توقف دعم برامج الحماية بشكل واضح، فإن هذه الظاهرة ستزداد بشكل مخيف ومقلق، وتمثل تهديدا مباشرا لحالة السلم والأمن حاليا ومستقبلا بعد وقف إطلاق النار وبعد انتهاء فترة الحرب التي نعيشها حاليا.

جهود المنظمات الدولية

تبذل المنظمات الدولية جهدا كبيرا للإستجابة الطارئة للحالة الانسانية في اليمن رغم قلة التمويل المطلوب خصوصا مع تفشي فيروس كورونا الذي أثر على الإقتصاد العالمي وقلص تحويلات المغتربين إلى الداخل اليمني ما أدى إلى الإنهيار العملة الوطنية وزيادة نسب الفقر وتردي الأوضاع المعيشية.

وتلعب المساعدات الانسانية التي تقدمها منظمات الأمم المتحدة دورا كبيرا في الحد من عمالة الاطفال والتحاقهم بالمدارس، كون اغلب أطفال العمالة بالكاد يوفرون لقمة العيش التي تقف حاجزا أمام الموت بسبب الجوع.

وتقدر اليونسيف ان عدد الأطفال الذين تركوا مقاعدهم الدراسية بأكثر من مليوني طفل _ما يعادل ثلث أطفال اليمن، ويبقى مصير حياة الأطفال اليمنيين مجهولا مالم تضع الحرب أوزارها في بلد يشهد اسوأ أزمة عالمية منذ سنوات ويعيش أطفاله وضعا مترديا منذ ما قبل الحرب الدائرة منذ خمسة أعوام.

" تم إنتاج هذه المادة من قبل شبكة إعلاميون من أجل طفولة آمنة التي يديرها مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي وبتمويل من اليونيسف (منظمة الطفولة)".

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك