اليمن القديم من مصدرين: النقوش ورواية الإخباريين

من المؤكد أن المعرفة المستنبطة حديثاً من الآثار والنقوش عن تاريخ اليمن القديم، أوثق وأضمن من تلك المعرفة المستفادة من مؤلفات الإخباريين والنسابين الموضوعة في العصر الإسلامي.

فنحن مثلاً، وبفضل الاكتشافات الأثرية والنقوش، نعرف الملك السبئي كرب ال وتر، وحملاته التوحيدية (السياسية والدينية) في القرن السابع قبل الميلاد التي انطلقت من مارب وشملت جنوب الجزيرة العربية.

فقد أمر بتسجيل وقائعها بالتفصيل في نقش النصر العظيم (RES 3945)، الذي اكتُشف في صرواح قبل أكثر من قرن، ويبدأ بهذا الاستهلال الملكي الفخم: "هذا ما أمر بتسطيره كرب إيل وتر بن ذمر علي مكرب سبأ عندما صار ملكاً، وذلك لإلهه المقه ولشعبه شعب سبأ".

حسب علمي، لا وجود إطلاقاً لملك بهذا الاسم وبهذه المكانة، في كل كتب الإخباريين والنسابين القدامى، بما في ذلك كتاب الإكليل.

وبفضل الدراسات المبنية على النقوش عرفنا طبقة "المكاربة" ثم الطبقة الملكية، وميزنا بين الدور التاريخي السبئي الأقدم والدور الحميري الريداني الأحدث، وعرفنا شذرات متفرقة عن ممالك يمنية قديمة ليس لها ذكر أبداً عند الإخباريين العرب (معين وقتبان وأوسان وذي ريدان).

في مدونات العصر الإسلامي اسم "حمير" هو الحاضر الأكبر. فالملوك كلهم إنما هم ملوك حمير، رغم أن القرآن لم يذكر إلا سبأ، ويُفهم من الإسم أرض وقبيلة ومملكة، وأصبح سبأ عند النسابين والإخباريين العرب اسماً لرجل [وأحياناً ملك] هو عبد شمس يقولون إنه أولد حمير وكهلان، ثم جعلوا حمير إسماً سياسياً وجغرافياً جامعاً لكل ممالك وأزمنة اليمن قبل الإسلام.

ومع ذلك، ما يزال التاريخ المستخرج من النقوش والآثار ناقصاً، تغطيه الكثير من الفجوات، ويفتقر إلى الترابط والاتساق، في حين أضفى الخيال على روايات المؤرخين والنسابة في العصر الإسلامي، نوعاً من الاتساق والترابط المصطنع.

فلدينا إذاً مستويان من المعرفة التاريخية:

مستوى أرشيفي معاصر للأحداث (النقوش) وهو دقيق، لكنه مجزأ، ومستوى إخباري (أسطوري) متصل البنية، لكن إسناده ضعيف، أو بلا إسناد من الأساس.

خلال القرن الماضي، ظهرت سلسلة كبيرة من الأبحاث والدراسات حاول أصحابها -يمنيين وعرب ومستشرقين- الجمع والتوفيق بصعوبة بالغة بين المأثور في كتب الاخباريين والمقروء حديثاً في النصوص المسندية، ونبّهوا أحياناً إلى مواضع الاتفاق والاختلاف بين روايات الإخباريين وإشارات النقوش.

ومن حسن الحظ أن الطبقة الحديثة من الكتابة التاريخية -المستندة إلى النقوش والكشوف الاثرية- أُنتجت على يد عمالقة كبار في مناخ عام صحي تسوده الرغبة في الاستنارة والعلم انطلاقاً من أرضية أخلاقية وطنية توحيدية.

صحيح لم تكن الكتابة التاريخية معزولة عن أسئلة الحاضر وشواغله، لكن الأفق حينها كان ينزع إلى تركيب صورة كلية لليمن، وإدماج الماضي القريب والبعيد، بكل ما فيه من الوحدة أو التباين، في قصة واحدة ممتدة.

والنتيجة هي إمّا كتابة تميل إلى الدقة والصرامة المنهجية، أو كتابة ذات نفس عاطفي تمجيدي، أو كتابة هجينة تلتقي فيها جنباً إلى جنب الصرامة العلمية مع اللغة الوجدانية الشاعرة.

في جميع الأحوال كانت الثمرة طيبة: فالكتابة التي تطفح بالعاطفة لها مفعول نافع وحميد، لأنها عاطفة تأليفية تجميعية.

والكتابة الملتزمة بشروط التحقيق التاريخي المنهجي لها مفعول نافع وحميد أيضاً، فالحقيقة لا تجرح إلا إذا قيلت بنيّة الأذى والجرح.

ولكم أن تتخيلوا ماذا سيحدث لو لم تنجز المهمة في ذلك الوقت؟

ماذا لو تأجل كل شيء إلى مثل هذا الجو الإنقسامي الملوث والفاسد الذي نختنق به اليوم؟

* (المصدر أونلاين)


شارك الخبر


طباعةإرسال