المصدر أونلاين – خاص:
في عدن، يتحول الصيف إلى اختبار قاس لقدرة السكان على الصبر والتحمل، في ظل انعدام شبه كامل لخدمة الكهرباء، وارتفاع قياسي في دراجات الحرارة والرطوبة، يصاحبها عجز في الطاقة يصل الى أكثر من 70%.
لا تبدو أزمة الكهرباء مجرد حدث عابر ولا طقس صيفي، بل أصبحت واقعاً طويل الأمد، وعنواناً لمعاناة ممتدة منذ سنوات الإنقلاب والحرب.
أزمة وقود لا تتوقف، وبنية تحتية متهالكة، وفشل سياسي وإداري متراكم منذ سنوات، ساهم ولا يزال في إبقاء ملف الكهرباء عصياً على الحل، وأغرق العاصمة المؤقتة للدولة في الكثير من الأزمات، ومعها عرض حياة السكان للكثير من المخاطر.
مصادر طبية تحدثت للمصدر أونلاين عن تزايد في حالات الإجهاد الحراري والإغماءات بين كبار السن والأطفال والمرضى، مع تسجيل حالات إصابة بأمراض جلدية وضيق تنفس في أوساط الأطفال بسبب الرطوبة وغياب التبريد.

القطاع الصحي على حافة الإنهيار، ومراكز الغسيل الكلوي مهددة بالتوقف. وحضانات الأطفال، وأجهزة العناية المركزة تواجه هي الأخرى ذات المصير بسبب الانقطاعات الطويلة للكهرباء، بحسب ذات المصادر.
مئوية الكهرباء
عدن التي عرفت النور قبل أكثر من قرن، وعرفت حينها بـ"لؤلوة الجزيرة"، تحولت خلال السنوات الماضية الى "عاصمة الظلام"، وبساعات انقطاع يومية تصل إلى 18 ساعة بحدها الأدني، تستقبل عدن الذكرى المئوية لدخول خدمة الكهرباء.
المدينة التي كانت تسبق عصرها، باتت تتسول الكهرباء وتستجدي الدعم، في مشهد يلخص إلى حد كبير حكاية بلد مزقته الصراعات ودمرته الأحقاد.
تقول "أم أحمد" (معلمة)، إن المئوية الحقيقية التي يجب الاحتفاء بها في عدن ليس للكهرباء، بل للصبر العدني الذي تعايش مع واقع متأزم وتجاوز حدود الاستطاعة والمقدرة.
ويؤكد عبدالله قرو (سائق)، أن ما تعيشه عدن ليس مجرد أزمة خدمات، بل عقاب جماعي يبلغ ذروته في موسم الصيف، حيث تموت المدينة بصمت، والحياة تحتضر.
ويعلق "عبدالرحمن خان" (موظف) على الذكرى المئوية للكهرباء بالقول "كان يفترض أن عدن تصدر للعالم خبراتها في الطاقة وتجاربها في التطوير، لا في الفساد والتخلف".
ويضيف متحسراً، "ما نعانيه في عدن ليس أزمة في الكهرباء، بل وفرة في اللصوص".
انفراجة مؤقتة
مع بداية العام الجاري وعقب فرض الترتيبات الجديدة التي تلت تمرد قوات المجلس الإنتقالي (المنحل) شهدت أزمة الكهرباء في عدن بداية انفراجة وتحسناً ملحوظاً، حيث تراجعت ساعات الانقطاع الى أقل من عشر ساعات يوميا مقابل 14 تشغيل، في سابقة هي الأولى من نوعها لم تشهد عدن مثلها ربما منذ الحرب التي عاشتها المدينة إبان تعرضها لهجوم تحالف مليشيا الحوثي وصالح في 2015.
التحسن الخدمي لم يتوقف عند الكهرباء فقط، بل امتد إلى أغلب القطاعات وخاصة الأمنية والعسكرية، مع انسحاب الإمارات من الملف اليمني، وتفكك المجلس الانتقالي الذي فرض سيطرته على عدن والمحافظات الجنوبية وأدارها خارج إطار الدولة طيلة السنوات العشر الماضية، وخلف تركة ثقيلة من الفساد والفشل والإخفاق في كافة المجالات، وفق ما أكدت تقارير محلية ودولية.
ومع حلول موسم الصيف، يتضاعف عجز الطاقة في عدن من 40 - 70%، ومعها تتضاعف معاناة المدينة حيث تتحول الحياة إلى ما يشبه الجحيم.
يعود هذا الملف الشائك والمعقد إلى واجهة الأحداث، ومعه تعود الاحتجاجات الشعبية للتنديد بالأزمة بوصفها أحد أكثر ملفات الفساد تعقيداً في اليمن.
وبحسب تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ومصادر حكومية، فإن ملف "الكهرباء" في عدن، ليس مجرد أزمة فنية، بل نزيف مالي منظم، وفساد مهول".
الخلافات حول عائدات النفط وتوزيع الوقود بين المركز والمحافظات النفطية، زادت من تعقيد الأزمة خلال صيف هذا العام، وكشفت هشاشة العلاقة بين السلطات.
مافيا الكهرباء
التقارير الرسمية وغير الرسمية تتحدث عن تجاوزات في مناقصات الوقود، وصفقات استئجار محطات عائمة لم تدخل الخدمة بكامل طاقتها رغم دفع مئات الملايين.
وطبقاً لمسؤولين حكوميين ومختصين في الشأن الاقتصادي فإن كلفة "الطاقة المشتراة" وما رافقها من فساد مالي تجاوزت 8 مليار دولار طيلة العشر السنوات الماضية، ساهمت في تعقيد الازمة بدلا من حلها.
وطبقا لتقرير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة والذي صدر حول الفترة (2015 إلى أغسطس 2018)، فإن مئات الملايين تنصرف على عقود مباشرة وشركات وهمية، وسط تأكيدات رسمية أن الأزمة لم تعد فنية، بل تحولت لشبكات ابتزاز للمواطنين وصراع على عائدات الطاقة.
وبين معاناة معيشية لم تنته وصيف يشتد قسوة، تستمر المعاناة يوما بعد يوم، ومعها تستمر الحكومة في حلول غير مجدية، لا تقي المواطن شدة الحر، ولا تحفظ له حياة كريمة.

مدير الإعلام بوزارة الكهرباء "محمد المسبحي"، قال إن الفساد المستشري في قطاع الكهرباء هو السبب الرئيسي في الوصول إلى هذا الوضع المتردي.
وأضاف المسؤول الحكومي في منشورات على صفحته في منصة فيس بوك: "لا يمكن الحديث عن إصلاح الكهرباء أو تحسين الخدمات أو وقف هذا الانهيار دون إجراء تغييرات شاملة وحقيقية تطال كل مواقع الخلل، ومواجهة مراكز النفوذ التي تعيش على استمرار الفشل".
وفيما طالب بقرارات جريئة وإصلاحات حقيقية ومحاسبة للفاسدين، أكد "أن كل يوم يمر بلا معالجات حقيقية هو إمعان جديد في استنزاف ما تبقى من صبر الناس".
أزمة إدارة
ووصفت لجنة تحقيق برلمانية ملف الكهرباء ب "الثقب الأسود لابتلاع المال العام"، واصفة الاختلالات في هذا القطاع الحيوي بـ "العبث المهول الذي لم يسبق أن ارتكبته الحكومات المتعاقبة".
اللجنة وفي تقرير لها أصدرته في أغسطس 2023 وفجر خلافات بين البرلمان والحكومة، قالت صراحة إن "الكهرباء صارت ماكينة فساد بسبب تفشي الاختلالات والفساد".
وجاء في التقرير: "من خلال الدعم المقدم لقطاع الكهرباء تأكد أن أزمة الكهرباء في عدن ليست أزمة موارد، بل أزمة إدارة الموارد المتاحة خارج الأولويات الحيوية"، مؤكدا أن "المشكلة إدارية وفساد أكثر من كونها فنية أو نقص تمويل".

التقرير البرلماني أكد أن "الاختلالات والمخالفات والعبث الذي اتسم به أداء الأجهزة والجهات ذات العلاقة جاء بحجم مهول، وتسبب بآثار خطيرة على حياة الناس والمال العام".
كشف التقرير البرلماني عن تحول قطاع الكهرباء في عدن إلى "ثقب أسود" يبتلع المال العام، مشيراً إلى أن حجم الفساد والهدر في هذا القطاع تجاوز 1.8 تريليون ريال.
وقد أرجع التقرير تفاقم الأزمة إلى سوء الإدارة، والصفقات المشبوهة للطاقة المشتراة، واحتكار استيراد الوقود.

أبرز محاور الفساد والاختلالات التي رصدها التقرير البرلماني:
- عقود الطاقة المشتراة: أبرمت الحكومة عقوداً وصفت بأنها الأعلى تكلفة والأكثر مخالفة للمعايير والقوانين اليمنية، حيث تضمنت بنوداً مجحفة أهدرت مئات الملايين من الدولارات.
- غياب المناقصات: تعاقدت الجهات الرسمية مع شركات لتوليد الطاقة (مثل العقد الخاص بالسفينة العائمة) دون إعلان مناقصات عامة، إضافة إلى دفع دفعات مالية ضخمة للشركات دون ضمانات بنكية.
- احتكار استيراد الوقود: أدى قرار سحب مهمة استيراد المشتقات النفطية من "شركة مصافي عدن" وإسنادها لشركات تجارية إلى احتكار الاستيراد، التلاعب بالأسعار، والتهرب من تسديد الرسوم.
- الاعتماد على الوقود عالي التكلفة: عطلت الحكومة تشغيل محطات التوليد الحكومية التي تعمل بالنفط الخام أو الغاز (مثل محطة الرئيس بترومسيلة)، واستمرت بالاعتماد على محطات الطاقة المشتراة باهظة التكلفة.

- التوصيات البرلمانية:
ألزم مجلس النواب الحكومة بإجراء إصلاحات عاجلة تشمل وقف حالة الهدر، والتحول نحو مصادر إنتاج طاقة منخفضة التكلفة، وإلغاء عقود الطاقة المشتراة المخالفة، وفتح تحقيق شفاف في صفقات الوقود.
فساد منظم
مصادر فنية وإدارية في مؤسسة الكهرباء عزت الأسباب الحقيقة لأزمة الكهرباء إلى ما وصفته بالفساد المنظم الذي يمارس لصالح شركات خاصة وجهات نافذة في السلطة، ولوبيات الفساد في قطاع الكهرباء.
ومن أبرز أوجه الفساد في قطاع الكهرباء في عدن، عقود "الطاقة المشتراة" التي استنزفت 8 مليار دولار خلال العشر السنوات الماضية، كانت تذهب لصالح متنفذين وفاسدين، وفق تأكيدات مصادر خاصة في وزارة ومؤسسة الكهرباء.
المصادر ذاتها أكدت أن التكلفة الإجمالية للطاقة المشتراة "كانت كفيلة ببناء 3 محطات حكومية عملاقة".
وأشارت المصادر إلى نوع ثالث من فساد الكهرباء في عدن، يتمثل في الوقود، باعتباره الثقب الأسود لابتلاع ملايين الدولارات سنويا لصالح متنفذين وفاسدين.
وعن فساد الديزل تقول المصادر: "تخرج الشحنة من المصافي لتغذية المحطات، لكن الكمية التي تصل فعلياً لا تتطابق مع الأوراق". لافتة الى وجود "سوق سوداء نشطة تتغذى على ديزل الكهرباء".
وأكدت المصادر أن "الإصرار على استخدام الديزل الأغلى بدل المازوت أو الغاز يعتبر فساداً بحد ذاته"، متهمة جهات نافذة بأخذ جبايات غير قانونية عن كل لتر ديزل مستورد، في إشارة إلى المجلس الانتقالي (المنحل) الذي كان يفرض جبايات (10 ريال يمني عن كل لتر).

فساد الانتقالي، وطبقا لتقارير حكومية، لم يتوقف عند الجبايات بل امتد إلى المحطات التجارية واستيراد الوقود وخدمات الصيانة.
واتهمت مصادر حكومية، قيادات في المجلس الانتقالي باحتكار وقود الطاقة والسيطرة على عقود الاستيراد عبر شركات خاصة وبصفقات مشبوهة لا تلتزم بالمواصفات ولا تخضع للجنة المناقصات، متهمة قيادات فنية وإدارية في وزارة ومؤسسة الكهرباء على صلة بالانتقالي، بالتورط في إبرام عقود صيانة (غير مطابقة للمواصفات) بمبالغ ضخمة لصالح شركات أو جهات "مجهولة"، في ظل غياب الرقابة وانعدام المحاسبة.
الخطوط الساخنة
وكشف مدير عام الإعلام بوزارة الكهرباء "محمد المسبحي"، عن نوع آخر من فساد المجلس الانتقالي (المنحل) في قطاع الكهرباء، ما أسماه بسياسة "الخطوط الساخنة".
وأكد المسبحي أن "الخطوط الساخنة" جرى تنفيذها في عهد وزير الكهرباء السابق "مانع بن يمين" حين كان المجلس الانتقالي (المنحل) يسيطر على كل مفاصل قطاع الكهرباء ويتحكم بقراراته".
وأضاف: "كانت سياسات الانتقالي تصنع تمييزاً واضحاً بين قيادات تحصل على الكهرباء دون انقطاع، ومواطن يعيش معظم يومه في الظلام".
وقد حذر المهندسون والخبراء مراراً من خطورة هذه السياسة، ووصفوها بأنها أشبه بانتحار فني، ينذر بعواقب وخيمة على المدى القريب والبعيد.
وقال المسبحي: "في الوقت الذي تصل فيه ساعات الانقطاع إلى 20 ساعة يوميا، وتكافح محطات التوليد لإنتاج ما لا يتجاوز 200 ميجاوات، وعجز توليد يقدر بـ 450 ميجاوات، تبرز ظاهرة الخطوط الساخنة كدليل صارخ على خلل إداري وفني يتجاهل أبسط قواعد إدارة وسلامة الشبكة الكهربائية".
وأكد أن "هذه السياسة الخاطئة تمثل استنزافاً لما تبقى من قدرة الشبكة المتهالكة على الصمود، ويضاعف من ساعات الانطفاءات الكهربائية".
تخريب متعمد
في صيف 2019، وبعد سنتين فقط من التشغيل، توقفت المحطة القطربة بشكل مفاجئ، وذهبت في رحلة صيانة طويلة إلى هولندا، ولاتزال عالقة هناك بسبب تضاعف تكلفة الصيانة (30 مليون دولار).
تضاربت الروايات حول أسباب توقف المحطة (60 ميجاوات) التي أنشأتها دولة قطر في (مايو 2017) كمنحة إنسانية قالت إنها تهدف إلى التخفيف من معاناة أزمة الكهرباء في عدن.
غير أن الظروف السياسية التي رافقت تلك الفترة أثارت الكثير من الشكوك حول الأسباب الحقيقية للتوقف، وتركت أسئلة بلا إجابة: "هل تعطلت المحطة فعلاً أم تم تعطيلها؟.
المحطة القطرية كانت نواةً لمشروع أكبر، كما قيل في بيان التدشين حينها، حيث كان من المقرر توسعتها لاحقاً إلى 280 ميجاوات.
كان التصميم الأصلي لعمل المحطة على الغاز، لكنها اشتغلت مؤقتاً بالديزل لحين استكمال بنية الغاز، غير أن استخدام وقود رديء في التشغيل تسبب في تلف بالغ بالتربينات، وضاعف من كلفة الصيانة، بحسب ما أفاد صندوق قطر للتنمية.
وبحسب مصادر متطابقة، فإن التوقف المفاجئ للمحطة القطرية، لا يمكن قراءته بعيداً عن تضارب المصالح والأجندات الخليجية في إطار التحالف العربي لدعم الشرعية، الذي بدأ بانسحاب قطر، وامتد لاحقا الى تقويض سلطة الشرعية (المعترف بها دوليا) في العاصمة المؤقتة عدن، لصالح مليشيا مسلحة تدين بالولاء الكامل والمطلق لدولة الامارات عبر انقلاب، تم شرعنته لاحقا عبر ما سمي باتفاق الرياض، في سيناريو مشابه تماما لانقلاب الحوثيين في صنعاء، ومعه تكشفت الأهداف الحقيقية للتدخل الإماراتي في اليمن، وخارطة الأطماع.
وتؤكد مصادر فنية في المؤسسة العامة للكهرباء أن المحطة القطرية تعرضت للتعطيل المتعمد بأياد أثمة تعمل لصالح جهات نافذة ولوبيهات فساد، مؤكدة أن هذا العمل التخريبي كان مجرد غطاء لتمرير واحد من أكبر مشاريع الفساد في قطاع الكهرباء، في إشارة الى مشروع الطاقة المشتراة (المحطات المستأجرة).
حاميها حراميها
خمس شركات تجارية سيطرت على ملف الطاقة المشتراة في عدن (أغلبها مملوكة بشكل مباشر أو غير مباشر) للمجلس الانتقالي (المنحل) أو لقيادات عليا فيه.
فساد الطاقة المشتراة، ظل لسنوات مثار خلاف بين الحكومة والمجلس الانتقالي، وبلغ ذروته خلال عامي (2024- 2025)، وانتهي بالإطاحة برئيسي الحكومة (معين عبدالملك، وأحمد بن مبارك) خلال عام واحد، بعد أن كشف الأول بالأرقام عن حجم فساد المحطات التجارية، ونجح الثاني في مكافحة هذا الفساد وتجفيف منابعه، بدءً بتشكيل لجنة مناقصات مركزية لشراء الوقود، وانتهاءً بإلغاء عقود المحطات التجارية، قبل نحو شهرين ونصف من إقالته من رئاسة الحكومة.
وباعتراف الحكومة نفسها، وعلى لسان رئيسها الأسبق الدكتور معين عبد الملك، فإن 8 مليار دولار من ميزانية الحكومة ذهبت لشراء الطاقة خلال العشر السنوات الماضية (من 2015 - 2025)، وهو الاعتراف الذي أطاح به من رئاسة الحكومة بعد مسيرة امتدت خمس سنوات ونصف.
طاقة مستأجرة الأغلى عالميا..
وبلغة الأرقام والمؤشرات العالمية، فإن إجمالي ما أنفقته اليمن على شراء الطاقة للعاصمة المؤقتة عدن خلال العشرية الأولى من عمر الحرب، يبلغ 24 ضعفا مقارنة بسعر الإيجار عالميا.
وطبقا لتقارير حكومية، بلغ الانفاق السنوي لشراء الطاقة التجارية (61 ميجاوات)، 800 مليون دولار بما يعادل (13.1 مليون دولار سنوياً لكل ميجاوات).
وهي أغلى سعر طاقة مستأجرة على مستوى العالم، وفقا لمؤشرات( IEA) و (EIA)
والشركات التجارية التي استفادت من مليارات الطاقة المشتراة هي:
1. مجموعة السعدي التجارية (10 ميجاوات).
2. شركة الأهرام طاقة (30 ميجاوات).
3. شركة العليان للطاقة (40 ميجاوات)، موزعة على 3 مواقع:
- عليان (الملعب): 10 ميجاوات
- عليان (الصعدي): 20 ميجاوات
- عليان (حجيف): 10 ميجاوات
4. شركة باجرش (30 ميجاوات).
5. شركة مسلمين إنرجي، ورد اسمها ضمن قرار إنهاء العقد، ولم تحددت قدرتها بالوثائق المنشورة.
وفي حين أظهرت الوثائق الرسمية أن الإجمالي التعاقدي للطاقة المشتراة تصل إلى (110 ميجاوات)، غير الإجمالي الفعلي للتوليد لا يتجاوز (61 ميجاوات فقط) - حسب ما أكدته مصادر فنية.
ويصف مدير عام الإعلام بوزارة الكهرباء "محمد المسبحي" ملف الطاقة المشتراة بالنزيف المالي والعبث الاقتصادي، ويؤكد أن المحطات الحكومية (لو تم إصلاحها) قادرة على توليد أضعاف ما تنتجه المحطات المستأجرة وبتكلفة إجمالية أقل من 1% من التي تنصرف سنوياً على التجاري"، مؤكداً أن محطة الرئيس وحدها ممكن تنتج 256 ميجاوات بـ 7 مليون دولار.
في فبراير 2025، أقرت الحكومة إنهاء عقود هذه الشركات كلها بشكل فوري، ضمن ما وصفته بـ"خطة إصلاحية" لتقليل الاعتماد على الطاقة المشتراة وخفض التكاليف، غير أن السبب الرئيس، طبقاً لمصادر حكومية، كان لمواجهة الأزمة المالية التي تواجهها الحكومة وعجزها عن دفع فاتورة مرتبات الموظفين وتأمين المتطلبات الخدمية.

الطاقة النظيفة
في منتصف يوليو 2024، دشن العمل بمحطة الطاقة الشمسية في عدن بقدرة توليدية تصل إلى 120 ميجاوات، في واحدة من أكبر مشاريع الطاقة المتجددة في اليمن.
المشروع الممول إماراتيا هدف إلى تحسين ساعات التشغيل النهاري وتقليل الانقطاعات في عدن، خاصة مع توقف أكثر من 70% من محطات التوليد التقليدية بسبب نقص الوقود.
وفي مايو 2025، تم توقيع اتفاقية في أبوظبي لإضافة 120 ميجاوات جديدة للقدرة الإنتاجية، تشمل تركيب منظومة تخزين ليلي بقدرة 30 ميجاوات، لكن تنفيذ الاتفاقية تعثر بسبب الأحداث الأمنية التي شهدتها المحافظات الشرقية أواخر العام الماضي، وانتهت بانسحاب كامل للإمارات من اليمن بطلب من الرئاسة اليمنية.
وعلى الرغم من أهمية المشروع المنفذ، إلا أنه لايزال محاطاً بالكثير من الأسرار، ويكتنفه الكثير من الغموض، بعد أن كشفت مصادر فنية في الوزارة عن التزامات مالية تدفعها الحكومة اليمنية (مليوني دولار شهريا) مقابل أعمال تشغيل وصيانة، بموجب اتفاقية غير معلنة أبرمتها قيادة الوزارة السابقة المحسوبة على المجلس الانتقالي (المنحل) لصالح شركة إماراتية مجهولة.

وأثار مدير الإعلام بوزارة الكهرباء "محمد المسبحي" تساؤلات عن طبيعة العقود الموقعة في مشروع المحطة الشمسية، والالتزامات المترتبة عليها، وما إذا كانت منحة خالصة أم مشروعاً استثمارياً.
وقال: "للأسف بدأنا نشعر أن المحطة الشمسية تسير في الاتجاه نفسه الذي سارت فيه محطات الطاقة المشتراة"، في إشارة الى الفساد المالي الذي رافق فترة تشغيل تلك المحطات.
وأضاف المسبحي: "حان الوقت لنشر اتفاقيات الطاقة الشمسية أبو مليوني دولار شهريا، ووضعها أمام الرأي العام بكل شفافية"، مطالباً قيادات الصف الأول بقطاع الكهرباء للخروج عن الصمت، ومصارحة الرأي العام بالحقيقة كاملة".
المشروع الذي أقيم على مساحة 1.6 مليون متر مربع، تصمن أكثر من 211 ألف لوح شمسي، يواجه الكثير من الصعوبات والتحديات أبرزها الإنخفاض في إنتاج المحطة بسبب الغبار والغيوم، والذي قد يصل إلى 40% بحسب تقديرات فنية، إضافة إلى فاقد التيار الذي قد يصل إلى 34% بسبب قدم وتهالك شبكة الربط، التي تكون غير قادرة على تحمل الكهرباء الشمسية باعتباره تيار متقطع.
إضافة الى الأضرار التي تطال المحطة بفعل الرصاص الراجع الذي تسبب في إعطاب أكثر من 198 لوحاً شمسياً، بحسب بيان صادر عن الشركة المشغلة للمحطة.
الواقع الرقمي
وطبقا للمؤسسة العامة للكهرباء في عدن، فإن الاحتياج الفعلي للطاقة يتجاوز في ذروة الصيف (630 ميجاوات) ويتراجع إلى الضعف في موسم الشتاء.
القدرة التوليدية الحالية لا تتجاوز (191 ميجاوات) ليلاً و(257 ميجاوات) نهاراً بوجود المحطة الشمسية، وتغطي ثلث الاحتياج اليومي فقط.
وطبقا للمؤسسة، فإن العجز في التوليد يصل إلى 70% صيفا، ويتراجع في الشتاء إلى 40%، في حين يتجاوز فاقد التيار 34% بسبب الربط العشوائي وتهالك إمدادات التوصيل.
وتعمل منظومة الطاقة الوطنية في عدن بخمس محطات، يعود تاريخ أقدمها إلى ما قبل مائة عام (فبراير 1926).
- محطة الرئيس (بترومسيلة): وتعد أهم محطات التوليد في عدن، وتعتبر بمثابة العمود الفقري لمنظومة الطاقة.
تبلغ قدرتها الكاملة 265 ميجاوات. وتعمل حاليا بقدرة 60 ميجاوات، بسبب نقص إمدادات الوقود الخام.

ولكي تعمل بكامل طاقتها، تحتاج إلى نحو 25-30 شاحنة صهريج يومياً.
- محطة المنصورة المركزية، أنشئت عام 1980، مخصصة للتوليد بالمازوت والديزل، وقدرتها التوليدية (40 إلى 60 ميجاوات)، وتعمل بأقل من طاقتها بكثير بسبب أعطال فنية متكررة وتهالك التوربينات.
- محطة خورمكسر، أنشئت عام 1970م بقدرة 34 ميجاوات، وتعمل حاليا بأقل من ثلث طاقتها نظراً لقدمها وحاجتها للصيانة.
- محطة الحسوة الكهروحرارية، دخلت الخدمة في عام 1986م، وقدرتها الفعلية 211 ميجاوات (تضم التوربينات البخارية والصينية). وتعمل بقدرة منخفضة جداً (نحو 30 ميجاوات تقريباً) نظراً لقدم المحطة واستهلاكها العالي للوقود.
التمويل السعودي
وبالحديث عن الحلول والمعالجات التي اتخذت لمواجهة أزمة الكهرباء في اليمن طيلة السنوات الماضية، لا يمكن إغفال الجهود السعودية بوصفها الداعم الرئيسي لصمود منظومة الطاقة.
أكثر من 1,35 مليار دولار، إجمالي الدعم السعودي الذي صرف على هيئة منح نفطية متتالية خلال السنوات الأخيرة لتشغيل محطات عدن ومحافظات أخرى، إضافة إلى 1.9 مليار ريال سعودي أعلن عنها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في يناير 2026، ضمن خطة دعم تنموي طويل الأمد، شملت 28 مشروعاً، أبرزها إنشاء محطة كهربائية بقدرة 200 ميجاوات في حضرموت، وأخرى في عدن بقدرة 100 ميجاوات، وثالثة في تعز بقدرة 30 ميجاوات.
وحسب بيانات المؤسسة العامة للكهرباء والبرنامج السعودي، فإن 80% من الدعم السعودي يغطي 60 - 70% من فاتورة وقود تشغيل محطات الطاقة في عدن، التي تحرق تقريباً 30 قاطرة نفط خام يومياً للعمل بكامل طاقتها (القاطرة الواحدة تكلف 25-30 ألف دولار، يعني 750 ألف - 900 ألف دولار يومياً) فيما لو كانت المحطات شغالة 100٪.
فيما خصص 15% من الدعم السعودي لأعمال الصيانة وإعادة تأهيل المحطات، و5% خصص لتغطية رواتب 11 ألف موظف في مؤسسة الكهرباء، وتكاليف النقل والتشغيل اليومي.
وطبقا لمصادر فنية في وزارة الكهرباء، فإن ما تدفعه السعودية لتغطية عجز الوقود كل 4-5 أشهر (100 مليون دولار)، كفيل ببناء مشاريع استراتيجية في قطاع الطاقة لو استثمر في محطات طاقة شمسية أو تأهيل محطات حكومية، لكنه ذهب طيلة السنوات الماضية لفساد ما سمي بالمحطات المستأجرة.
....................




