ورحل أخو البلبل قائلا للحياة: خلّي يديّ

ورحل أخو البلبل قائلا للحياة: خلّي يديّ

في وداع أستاذي الأديب والمفكر العربي عبد الله عيسى السلامة

أيها البلبلُ إنّا أخوانْ

بيدَ أنّا، يا أخي، مختلفانْ

أنت تحيا لتغنّي، وأنا

أجرع الصبرَ وأجترّ الهوانْ

قلبك الورديُّ لحنٌ ساحرٌ

وفؤادي فيه نارٌ ودخانْ

وإذا ما غاب في جوف الثرى

جسدانا، وتخطّانا الزمانْ

صرتَ ذكرى أو ترابًا أو نسيمًا

أو صدًى يتهادى في الجنانْ

وأخوك البَرُّ في أكفانه

يمضغ الآلام آنًا بعد آنْ

ثم ماذا؟ آه، من ماذا إذا

عادت الروح وجاء الملكانْ!

كتب الأستاذ عبد الله عيسى السلامة هذه الأبيات وهو يحاور البلبل ويتأمل الموت ومصير الإنسان. وها هو يغادرنا صباح الجمعة إلى المصير الذي طالما تأمله في شعره، فإذا بالقصيدة بعد رحيله تبدو رثاء مبكرا لنفسه، ورسالة تركها لنا قبل أن يمضي.

يصعب عليّ أن أنعى أستاذا كبيرا وصديقا عزيزا عرفته منذ نحو أربعة عقود. أشعر الآن أنني أرثي زمنا من الصحبة واللقاءات والرسائل، وفصلا عزيزا من عمري.

غادرنا الشاعر والأديب والروائي والمفكر عبد الله عيسى السلامة الزبيدي القحطاني، ابن منبج، المدينة التي ارتبط اسمها بالشعر؛ فخرج منها البحتري وعمر أبو ريشة ومحمد منلا غزيل، ونُسب إليها دوقلة المنبجي، وارتبط بها أبو فراس الحمداني أميرا وشاعرا. نشأ السلامة في رحاب هذا الميراث، وحمل جزالة اللغة وكبرياء الكلمة وحرارة الموقف.

عرفت أبا ياسر مطلع عام 1987 في عمّان، حين اصطحبني إليه صديقي الأديب الأستاذ علي أبو النصر. التقينا في بيته، وتوثقت علاقتي به منذ تلك الجلسة. كنت كلما نزلت عمّان أعرج على شقته في حي الهاشمي الشمالي، فيلقاني متهللا، وعيناه تشعان بالمحبة، ويقول مبتسما: "أهلا باليماني.. فأنا قحطاني مثلك، وأنتسب إلى قبيلة زبيد اليمانية".

كانت عبارته تختصر قربه مني، وتفتح بيننا باب الألفة قبل أن يبدأ الحديث. لم يكن استقباله مجاملة عابرة، فقد كان يفرح بضيفه حقا، ويمنحه من وده ما يجعله يشعر أنه في بيت واحد من أهله، لا في منزل أديب كبير.

كانت (سهرة الأربعاء) في منزله مجلسا عامرا بالفكر والسياسة والأدب. تعرّفت فيها إلى نخبة رصينة من العلماء والمفكرين والأدباء والشعراء والسياسيين من سورية والأردن، وإلى ضيوف عرب كانوا يزورون أبا ياسر ويتبادلون معه الرؤى والأفكار.

ظل بيته في الهاشمي الشمالي من الأماكن التي ارتبطت في ذاكرتي بعمّان. كنت أخرج منه وقد حملت حديثا أو موقفا أو بيتا من الشعر. وكان أبو ياسر حاضر البديهة، سريع السخرية من الطغاة والمتصدرين، رقيق القلب في علاقاته الإنسانية.

لمست معدن الرجل يوم توفيت والدتي، عليها رحمات الله وغفرانه، وأنا أخوض امتحانات الفصل الأخير في جامعة اليرموك. كان الخبر مزلزلا، فانقطعت عن الناس أسابيع ولم أعد أطيق لقاء أحد. افتقدني أبو ياسر وسأل عني، وحين عرف بما أصابني بعث إليّ رسالة عزاء ومواساة لم تكن أداء لواجب اجتماعي. كانت قطعة أدبية دافئة أعادت إلى روحي الحزينة بعض الطمأنينة، وظل أثرها في قلبي حتى اليوم.

أتذكر تلك الرسالة الآن وأنا أحاول أن أكتب عنه. هو الذي واساني يوم انكسر قلبي، وأنا اليوم أبحث عن كلمات تليق بوداعه، فلا أجد ما يفيه حقه.

عاش عبد الله عيسى السلامة (أبو ياسر) حياة المنفي الذي أُخرج من داره مظلوما مقهورا. بدأت رحلة تشرده في أوائل الثمانينيات، وتقاذفته عواصم المنافي، وذاق مرارة البعد والحرمان من الاستقرار وراحة البال. ترك المنفى أثره في شعره ورواياته وقصصه، وفي الحزن الذي كان يطل من عبارته مهما حاول أن يستره بالصبر أو السخرية.

تقلب بين (الظل والحرور)، وبحث عن (واحة في التيه)، وكشف (ثآليل في جبهة السامري)، ورفض (المعاذير) أمام الاستبداد، وركب (أمواجا بارقية) طلبا لشاطئ آمن. لم تكن هذه عناوين لدواوينه فقط؛ فقد اختصرت شيئا من سيرته، ومن صراعه بين وطن يسكنه ومنفى يثقله.

ظل وفيا لقيمه، منحازا إلى المظلومين، رافضا النظام الذي سحق سورية ودفع أبناءها إلى السجون والمنافي. قاومه بالكلمة والموقف، ولم يساوم على حق الناس في الحرية والكرامة.

غادر وقد رأى سورية تتحرر من قبضة العهد الأسدي الطائفي المجرم، لكنه رحل قبل أن يطمئن إلى استقرار الوطن الذي حلم به: وطنا حرا كريما مستقلا قويا، يحتضن جميع أبنائه، ويصون حقوقهم، وينصف الثوار الأوائل الذين أدركوا مبكرا طبيعة النظام البوليسي ورفعوا راية مقاومته.

كتب عبد الله السلامة الشعر والرواية والقصة والمقالة، وظل الأدب عنده موقفا أخلاقيا. استخدم الحكاية لكشف الاستبداد وما يفعله الخوف والسجن والتشرد بالإنسان.

لم يقتصر انشغاله بالسجون والاستبداد على كتاباته. أذكر أنني زرته أثناء دراستي الجامعية، وكنت أعد بحثا لمتطلب مادة اللغة العربية عن تطور أدب السجون في مرحلتي الاستعمار والاستقلال، متخذا مصر وسورية نموذجا. أعجبه الموضوع، وأصر على أن يرافقني إلى وسط عمّان، حيث تنتشر المكتبات ودور النشر بالقرب من الجامع الحسيني الكبير.

طاف بي على عدد من المكتبات، ودلني على كتب تتصل بموضوع البحث، وشجعني على أن أوسعه لاحقا وأخرجه في كتاب. كانت معرفتي يومها بعمّان ومكتباتها محدودة، وكانت ميزانيتي، كطالب جامعي، لا تسمح بشراء كل ما أحتاج إليه. لم يكتف أبو ياسر بالنصح، واشترى لي بعض الكتب من ماله. بقي ذلك الموقف في ذاكرتي شاهدا على أديب لم يبخل بعلمه ولا بوقته ولا بماله.

أتذكر على نحو خاص روايته (الثعابيني)التي كتبت عنها عند صدورها عام 1986. فكك فيها عالم الانقلابات العسكرية، وجعل الثعبان رمزا للبطش والخوف والشر الذي يتغذى من السلطة. مضت أعوام طويلة وبقي معنى الرواية حاضرا، لأن أنظمة القمع تغيّر جلدها ولا تغيّر طبيعتها.

رحل أبو ياسر بعدما أنفق قلبه في الشعر، وعاش عمره بين وطن حُرم منه ومنفى أثقله. وكأنه كان يودّع الحياة قبل أن تودّعه حين قال:

خلّي يديَّ فلستُ من أسراكِ

أنا يا حياةُ علوتُ فوق علاكِ

لا تضربي قيدًا على حريتي

رحبٌ أنا كمدارج الأفلاكِ

مضى حرا كما عاش، ولم تستطع المنافي ولا سنوات القهر أن تنال من كبرياء روحه. وبقي صوته في كتبه، وبقيت صورته في ذاكرتي وهو يستقبلني مبتسما ويقول: "أهلا باليماني".

وبقي صدى بيته الشعري:

صرتَ ذكرى أو ترابًا أو نسيمًا

أو صدًى يتهادى في الجنانْ

كيف أنعى الرجل الذي واساني يوم رحيل أمي؟ وكيف أرد إليه بعض ما منحني من سكينة، وقد غادر ولم يعد في وسعي أن أطرق بابه في الهاشمي الشمالي، أو أجلس في سهرته مساء الأربعاء، أو أسمعه يرحب بي على طريقته القديمة؟

أفهم اليوم معنى أن ينعى المرء شيئا من نفسه. فقد رحل الأستاذ والصديق، ورحل معه زمن لا يعود.

نم قرير العين، أبا ياسر. لقد أتعبتك المنافي وطال عليك الانتظار. أسأل الله أن يرحمك ويغفر لك، ويعفو عنك، ويكرم نزلك، ويوسع مدخلك.

خالص العزاء لأشقائه وأنجاله وأسرته وتلاميذه وأصدقائه ومحبيه.

إنّا لله وإنّا إليه راجعون.

المصدر أونلاين


شارك الخبر


طباعةإرسال