الوصايا النبوية الأخيرة.. حقائق المقاصد الرسالية وأباطيل التأويل السلالية

في اللحظات الأخيرة من حياة النبي ﷺ، لم تتجه وصاياه ـ بحسب ما تنقله الروايات الصحيحة والمشهورة ـ إلى تأسيس امتيازات سلالية ذات علاقة بتوريث السلطة بقدر ما اتجهت إلى تحصين النسيج الاجتماعي وحماية الفئات الأكثر عرضة للضعف أو التهميش بعد رحيله كالنساء والعبيد والأرامل والأيتام وأزواجه أهل بيته وعترته والأنصار. وتبدو هذه الوصايا، عند قراءتها في سياقها الكلي والإنساني، أقرب إلى أن تكون ميثاقًا أخلاقيًا واجتماعيًا لاستدامة قيم العدل والرحمة منها إلى مشروع لتأسيس امتيازات سياسية أو عائلية.

ويُظهر التتبع النقدي للروايات أن أكثر الوصايا النبوية ثبوتًا وانتشارًا في مرض الوفاة وفي حجة الوداع تدور حول حقوق الناس بعضهم على بعض، وحول حماية المستضعفين وصيانة كرامة الإنسان. كما أن هذه الوصايا تنسجم مع الصورة العامة للرسالة الإسلامية التي جعلت من إقامة العدل ورعاية الضعفاء مقصدًا أصيلًا من مقاصدها الكبرى.

هداية الرعاية وتفكيك مفهوم الامتياز

عند جمع الوصايا النبوية المتأخرة في سياق واحد، يلاحظ أنها تتجه نحو دوائر اجتماعية محددة يجمع بينها عامل مشترك، هو قابليتها للتعرض للتهميش أو ضعف الحماية بعد وفاة النبي ﷺ.

أولًا: حماية الفئات الهشة

تكررت الوصية بالنساء في أكثر من موطن، ففي حجة الوداع قال النبي ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرًا»، كما وردت عنه في مرضه الأخير وصايا متقاربة المعنى تدعو إلى تقوى الله بالنساء والإحسان إليهن. "اتقوا الله في النساء اتقوا الله في النساء واستوصوا في النساء خيراً ".

ولم تكن هذه الوصية منفصلة عن واقع اجتماعي كانت المرأة فيه عرضة لأشكال متعددة من الهيمنة الذكورية والانتقاص، فجاءت لتؤكد أن معيار الكرامة في المجتمع الإسلامي لا يقوم على القوة أو المكانة الاجتماعية، وإنما على الحقوق التي كفلها الشرع لكل إنسان.

وفي السياق نفسه جاءت وصيته المشهورة: «الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم»، حيث قرن أعظم شعائر الإسلام العملية بالعناية بفئة كانت تحتل أدنى درجات السلم الاجتماعي آنذاك. ويكشف هذا الربط عن دلالة أخلاقية عميقة؛ إذ يجعل رعاية المستضعفين جزءًا من التدين العملي لا مجرد فضيلة هامشية. وقد ورد في روايات أخرى أن آخر ما قاله قبل وفاته "أوصيكم في ما ملكت أيمانكم".

كما رويت عنه وصايا تتعلق بالأرامل والأيتام والضعفاء عمومًا، ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك: «اتقوا الله في الضعيفين: المرأة الأرملة والصبي اليتيم». وهذه الوصية تعكس بوضوح روح ومقاصد بقية الوصايا في حماية المستضعفين وانحياز الرسالة الإسلامية إلى حماية من لا يملكون أدوات الدفاع عن حقوقهم.

ومن اللافت أن بعض الروايات تصف الأيام الأخيرة للنبي ﷺ بأنه أعتق من بقي عنده من المماليك، وتصدق بما تبقى لديه من مال في تجسيد عملي لدعوته لرعاية المستضعفين.

ثانيًا: الوفاء للحاضنة الاجتماعية الأولى

ومن أبرز الوصايا المتأخرة وصيته ﷺ بالأنصار، إذ قال: "أوصيكم بالأنصار"، وقال أيضًا: "اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم".

وقد تضمنت بعض الروايات تعليلًا لهذه الوصية، إذ وصفهم بأنهم أدوا ما عليهم وبقي لهم حق الوفاء والتقدير، كما ورد عنه قوله: "إنكم يا معشر المهاجرين تزيدون والأنصار لا يزيدون".

وتكشف هذه الوصية عن حس اجتماعي عميق؛ فالأنصار كانوا الحاضنة الأولى للمجتمع الإسلامي والدولة الناشئة، لكنهم مع اتساع رقعة الإسلام وتزايد الداخلين فيه أصبحوا معرضين لفقدان مكانتهم الرمزية أمام القوى الاجتماعية الجديدة. ومن ثم يمكن فهم الوصية باعتبارها حماية لفئة صاحبة فضل تاريخي من أن يطويها النسيان أو التهميش.

ثالثًا: الوصايا العشر وميثاق التأسيس الأخلاقي

وتتويجًا لهذا النسق الأخلاقي، يبرز ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه فليقرأ: قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم... آيات الأنعام 151-153".

وتتضمن هذه الآيات منظومة متكاملة من المبادئ المؤسسة للمجتمع العادل؛ بدءًا من التوحيد الذي يحرر الإنسان من الخضوع لغير الله، ومرورًا ببر الوالدين، وحماية حق الحياة، وصيانة أموال اليتامى، وإقامة العدل في الأقوال والمعاملات، وانتهاءً بالوفاء بالعهود وسلوك الصراط المستقيم.

ومن ثم يمكن النظر إلى هذه الآيات باعتبارها الميثاق الأخلاقي الجامع الذي تندرج تحته بقية الوصايا النبوية التفصيلية، باعتبارها تطبيقات عملية لقيم العدل والرحمة والوفاء.

رابعًا: المساواة الإنسانية والإعلان الحقوقي الجامع

وتُمثل خطبة الوداع ذروة البيان النبوي في تأسيس مبدأ المساواة الإنسانية، حين أعلن النبي ﷺ أمام الحشود الكبرى:

"يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى".

لقد كانت هذه الكلمات إعلانًا تأسيسيًا لمبدأ المساواة في التصور الإسلامي؛ إذ تنزع الشرعية عن جميع أشكال التمييز القائمة على العرق أو النسب أو الانتماء القبلي، وتعيد تعريف معيار الكرامة الإنسانية على أساس التقوى والعمل الصالح.

ومن هذه القاعدة الكلية يمكن فهم بقية الوصايا النبوية؛ فحماية الفقراء لا تستند إلى الشفقة وحدها دون الاعتراف بمساواتهم الإنسانية. والوصية بالنساء لا تقوم على التفضل عليهن دون تثبيت حقوقهن بوصفهن شقائق الرجال في الكرامة الإنسانية. كما أن الوصية بالأنصار وأهل البيت والجار تنطلق من مبدأ الوفاء بالحقوق لا من منح امتيازات موروثة.

وبذلك تحولت التقوى من مفهوم تعبدي فردي إلى معيار أخلاقي واجتماعي يتعلق بمدى التزام الإنسان بالعدل وأداء الحقوق واحترام كرامة الآخرين.

خامسًا: الوصية بحقوق الجار وترسيخ التعايش الحضاري

ولم تقتصر الوصايا على دوائر القرابة أو الصحبة، فقد امتدت إلى الفضاء المجتمعي الأوسع من خلال الوصية المتكررة بالجار قبل الوداع الأخير

فقد قال بعض الصحابة: "ما زال رسول الله ﷺ يوصي بالجار حتى ظننا أنه سيورثه".

وتعكس هذه الوصية رؤية حضارية تجعل التعايش والإحسان المتبادل أساسًا للاستقرار الاجتماعي. فالجار هنا ليس مجرد شخص يجاورك في السكن فهو شريك في بناء السلم الأهلي والأمن المجتمعي، ولذلك ارتقت الوصية به إلى منزلة دفعت الصحابة إلى الظن بأنه سيجعل له نصيبًا من الميراث.

سادسًا: الوصية بأهل البيت... منطق الرعاية لا منطق الامتياز

ومن الوصايا التي حظيت باهتمام واسع في الوعي الإسلامي وصيته ﷺ بأهل بيته، كما في قوله: "أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ".

ورغم أن هذه التوصية جاءت في نفس سياق التوصية بالنساء والأرامل والأيتام و ملك اليمين فقد أصبحت لاحقًا محل قراءات سياسية ومذهبية متعددة أخرجتها من سياقها الإنساني والإجتماعي غير أن قراءتها ضمن السياق العام للوصايا النبوية تفتح أفقًا مختلفًا للفهم.

فأهل البيت في لحظة الوفاة النبوية لم يكونوا طبقة حاكمة، بل دائرة قرابة ستفقد بوفاة النبي ﷺ سندها الأعظم ومكانتها المرتبطة بشخصه الكريم. وإذا كانت الوصية بالأنصار قد جاءت وفاءً لأهل السابقة والنصرة، فإن الوصية بأهل البيت يمكن فهمها باعتبارها وفاءً لأهل القربى وحفظًا لحقوق الرحم والمودة ولا سيما أمهات المؤمنين وأبناء فاطمة وغيرهم ممن يدخل في هذه الدائرة التي يتعرض موقفها لهشاشة إنسانية تستوجب الرعاية.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا حين توضع هذه الوصية إلى جانب الوصية بالنساء والأنصار والفقراء والمستضعفين؛ إذ يجمعها جميعًا خيط واحد هو حماية الحقوق وصيانة الكرامة والوفاء لأهل السابقة والقرب، لا إنشاء امتيازات سياسية دائمة أو استحقاقات وراثية.

ملاحظة أخيرة: أولوية ترتيب أوضاع المجتمع على ترتيب السلطة

إن المفارقة اللافتة في مجموع هذه الوصايا هي أن الخطاب النبوي انصرف إلى حماية الفئات الأضعف، وصيانة الروابط الاجتماعية، وترسيخ قيم العدل والرحمة والوفاء، أكثر مما انصرف إلى تفصيل ترتيبات الحكم أو آليات انتقال السلطة، فالمجتمع ثابت والسلطة تتغير وتتجدد حسب التطورات التاريخية. ولهذا كانت الأولوية الظاهرة في هذه الوصايا لحماية المجتمع من التفكك الأخلاقي والاجتماعي، وبناء الضمير الجمعي للأمة على أسس من العدالة والتكافل وترسيخ قيم المساواة والأخوة الإسلامية.

وقد حاول التأويل السياسي لبعض الوصايا أن ينحرف بمسارها بصورة كلية من رعاية الفئات المستضعفة إلى وصايا تحاول تكريس طبقة نفوذ جديدة تفرض وصايتها على المجتمع الإسلامي بصورة تتعارض مع جوهر الوصايا النبوية الحقيقة المتعلقة بحقوق الإنسان والضعفاء والوفاء الاجتماعي للفئات المستضعفة. ومن ثم فإن إعادة قراءة الوصايا النبوية الأخيرة باعتبارها ميثاقًا للحماية الاجتماعية ليست مجرد مراجعة للتاريخ بقدر ما هو استدعاءٌ لمقاصد الرسالة في أكثر لحظاتها وضوحًا وصدقًا.

إن الوصايا النبوية الأخيرة لم تكن مجرد كلمات قيلت في سياق الوداع، فقد كانت تلخيصًا مكثفًا للقيم التي أراد النبي ﷺ أن تبقى حية بعد رحيله. فكلما ابتعدت الأمة عن جوهر هذه الوصايا في حماية الضعيف، وصيانة الكرامة الإنسانية، وإقامة العدل بين الناس، اقتربت من دوائر التنازع التي تستنزف طاقتها وتبدد رسالتها.

ولعل الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من هذه الوصايا أن بقاء الأمة لا يتحقق بتوارث النفوذ، وإنما بتوارث القيم؛ وأن أعظم ما تركه النبي ﷺ لأمته لم يكن امتيازًا لفئة ولكنه ترك ميثاقًا أخلاقيًا مفتوحًا لكل من أراد أن يحمل أمانة العدل والرحمة بين الناس.

* (المصدر أونلاين)


شارك الخبر


طباعةإرسال