قرارات للتنفيذ أم للمساومة والضغط؟! قراءة في تعاطي الدولة مع الانتقالي بعد نصف عام من تمرده العسكري

قرارات للتنفيذ أم للمساومة والضغط؟! قراءة في تعاطي الدولة مع الانتقالي بعد نصف عام من تمرده العسكري

المصدر أونلاين - خاص 

بعد يومين فقط من مطالبة الحكومة مجلس الأمن الدولي بإدراج رئيس المجلس الانتقالي (المنحل) عيدروس الزبيدي ضمن قائمة العقوبات، كانت قيادة المجلس في أبوظبي تقر برنامجاً تصعيدياً جديداً يبدأ بمسيرات جماهيرية تحت شعار "رفض الوصاية السعودية ومناهضة الاحتلال"، وينتهي بالعصيان المدني الشامل.

بدا المشهد وكأنه يلخص حصيلة ستة أشهر كاملة من القرارات "المترددة" التي صدرت بحق المجلس وقياداته، بينما ظل حضوره وتحركاته على الأرض يبدو أن أقرب إلى ما كانا عليه قبل تلك القرارات، ما يفتح الباب أمام سؤال ظل يتكرر منذ بداية الأزمة، ماذا حققت كل تلك القرارات على الأرض؟ وأين انعكس أثرها على مستوى فرض القانون، وإنهاء مراكز النفوذ الموازية، واستعادة هيبة الدولة؟

منذ تمرد المجلس الإنتقالي في ديسمبر 2025، بدعم إماراتي والتي انتهت بالسيطرة على حضرموت والمهرة بالقوة، توالت الإجراءات الرسمية. أصدر مجلس القيادة الرئاسي قرارات بإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي وإحالته إلى التحقيق، وإقالة مسؤولين محسوبين على المجلس، وشُكلت لجان للتحقيق، وبعد نحو ستة أشهر، انتقلت الحكومة إلى مطالبة مجلس الأمن بفرض عقوبات على الزبيدي، وأعلنت توجيهات بالتحفظ على الأموال المنسوبة للمجلس، غير أن الأثر التنفيذي لهذه الإجراءات ظل غائباً في الواقع.

وربما كانت أكثر مفارقات هذا الملف إثارة، أن الانتقالي نفسه أعلن، في التاسع من يناير، على لسان أمينه العام عبدالرحمن الصبيحي، وبحضور عدد من قياداته العليا عن حل المجلس وكافة هيئاته وإلغاء مكاتبه استجابة للمبادرة السعودية للحوار، وكان ذلك يوفر فرصة سياسية وقانونية لترجمة هذا الإعلان إلى واقع إداري ومؤسسي، غير أن الأشهر التالية انتهت إلى مشهد مغاير؛ إذ بقي المجلس يمارس نشاطه السياسي والتنظيمي، ويصدر البيانات، ويدعو إلى التظاهر، ويعلن برامج تصعيدية جديدة، وكأن إعلان الحل لم يترك أثراً عملياً.

كما ظلت الدولة وعلى رأسها مجلس القيادة الرئاسي، تبدو وكأنها تمتلك قرارات كبيرة، لكنها تتقدم بخطوات صغيرة في الواقع، فكلما صدر إجراء بدا حاسماً في عنوانه، جاء تنفيذه مهزوزاً وغير جاد أو غير مكتمل في أحسن الأحوال، لترسخ صورة أن المشكلة لا تكمن في غياب القرارات، بقدر ما تكمن في أسلوب إدارتها، وفي سياسة التدرج والتردد التي رافقت تنفيذها.

ولعل أحدث مثال على ذلك ما حدث خلال الأيام الأخيرة، فبعد مرور نحو ستة أشهر على الأحداث التي وصفتها الحكومة بأنها تمرد يهدد وحدة البلاد وسلامة أراضيها، وأحالت على إثرها الزبيدي إلى التحقيق بتهم تبدأ بالخيانة العظمى وتمتد ـ وفق البيانات الحكومية ـ إلى تقويض مؤسسات الدولة، وعرقلة العملية السياسية، وتشكيل مجاميع مسلحة، والإضرار بالمركز السياسي والاقتصادي والعسكري للدولة، ظلت إجراءاتها تراوح مكانها على الأرض دون أي فعل حقيقي ينهي الخطر، واحتاجت الحكومة لنحو ستة أشهر حتى ترسل طلباً لمجلس الأمن بإدراج الزبيدي ضمن قائمة العقوبات، وأيضا نفس الفترة لتصدر توجيهات بالحجز التحفظي على الأموال والحسابات المنسوبة للمجلس.

التساؤل هنا ليس حول مشروعية هذه الخطوات، وإنما حول توقيتها، فإذا كانت الدولة قد بنت موقفها القانوني منذ يناير، فلماذا انتظرت حتى منتصف يونيو لنقل الملف إلى مجلس الأمن؟ وإذا كانت ترى أن هناك أموالاً منهوبة من المال العام، يونبغي التحفظ عليها، فلماذا لم يُتخذ هذا الإجراء منذ بداية الأزمة، عندما يكون أكثر قدرة على تحقيق غايته؟، فهل يعقل أن المجلس سيترك الأموال في البنوك منذ ذلك الحين!.

إضافة إلى ذلك فإن الإعلان عن قرار الحجز أثار بدوره كثيراً من علامات الاستفهام، إذ وعلى غير العادة، لم تُنشر حتى الآن وثيقة القرار أو تتسرب صورة منها كما يحدث عادة في مثل هذه القضايا، كما لم تُعرف تفاصيل الأصول أو الحسابات المشمولة بالحجز، ولا حجم الأموال التي شملها القرار، وهو ما يجعل الإعلان يبدو أقرب إلى رسالة سياسية منه إلى إجراء تنفيذي واضح المعالم.

المشهد نفسه تكرر مع لجان التحقيق التي شُكلت عقب القرارات الأولى، فقد أعلن عنها باعتبارها بداية لمسار قضائي، لكن الأشهر مضت دون نتائج معلنة، أو إحالات إلى القضاء، أو أوامر ضبط، أو بيانات توضح للرأي العام أين وصلت تلك التحقيقات، ولم يسلم بعضها من اعتداء من قبل عناصر المجلس كما حدث في سقطرى حين احتجز قضاة من اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، واعتقل نشطاء أثناء استماع اللجنة إلى إفاداتهم أواخر يناير الماضي. ولاحقاً، اختفت اللجان، وبقيت الملفات معلقة، وكأن الغاية كانت الإعلان عن تشكيلها أكثر من الوصول إلى نتائج.

وإذا كانت الدولة تعتبر أن المجلس الانتقالي كيان تمرد على مؤسساتها، فإن كثيراً من المظاهر التي كانت قائمة قبل ستة أشهر ما تزال حاضرة حتى اليوم، فالمباني الحكومية أو الخاصة التي سطى عليها الإنتقالي وحولها إلى مقرات له أعلن أكثر من مرة عن استعادتها من سيطرة المجلس، كانت تعود في كل مرة للعمل بعد احتجاجات محدودة أو ضغوط سياسية وأحياناً بعد منشورات على منصات التواصل الاجتماعي، ما أعطى انطباعاً بأن قرارات الدولة عرضة للإلغاء عند أول اختبار، وأن إنفاذ القانون يخضع لحسابات المساومة وردود الأفعال أكثر مما يخضع لرغبة الدولة في فرض حضورها وتثبيت الإستقرا.

ولم تقتصر حالة التردد على هذه الملفات، إذ امتدت أيضاً إلى ملفات أخرى أساسية في أي مسار تصحيح يراد له النجاح، فحتى الآن ما تزال ملفات الإخفاء القسري والاغتيالات وانتهاكات حقوق الإنسان التي شغلت الرأي العام خلال العقد الأسود دون أي تقدم، ولم تُعلن نتائج تحقيقات أو مساءلات بحق المسؤولين عن تلك الجرائم، وهذا مسار خطر فتح الباب للمزيد من الانتهاكات في العاصمة المؤقتة، التي شهدت نتيجة لذلك، عودة عمليات الاغتيال والإرهاب التي كان أبرزها اغتيال التربوي والقيادي في حزب الإصلاح د. عبدالرحمن الشاعر أواخر أبريل، أعقبه اغتيال مدير الصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قايد في مايو.

وكانت الأجهزة الأمنية في عدن وأبين قد تحركت عقب اغتيال الدكتور الشاعر، تحت ضغط شعبي واسع، وألقت القبض على عدد من المتهمين بالجريمة، وكشفت التحقيقات الأولية أسماء آخرين فارين من وجه العدالة، بما فيهم المسؤول الأول الفار في جمهورية مصر، ونشرت حينها أخبار عن إلقاء القبض عليه، غير أن مصادر مطلعة أشارت إلى أنه أفرج عنه لاحقاً من قبل أجهزة الأمن المصرية بسبب عدم استكمال الإجراءات القانونية اللازمة، أو صدور أوامر قضائية من قبل الجانب اليمني، فيما لم يصدر أي توضيح رسمي لهذه المعلومات، وهو ما يترك الباب مفتوحاً أمام التساؤلات ويزيد من حالة الشك حول جدية متابعة هذه القضايا.

ولا يبدو هذا التباين بين حجم القرارات وحجم تنفيذها مرتبطاً بعامل واحد، بل بمجموعة من الاعتبارات السياسية والإقليمية والمؤسسية التي تداخلت طوال الأشهر الماضية، وأنتجت مساراً اتسم بكثرة القرارات وبطء التنفيذ.

وتمثل المقاربة الإقليمية للملف أحد أبرز هذه العوامل، إذ تشير التقديرات إلى أن الرياض، وهي المعني الأول بالملف منذ فتحه، لا تتجه نحو تفكيك كامل البنية العسكرية والأمنية التي نشأت خلال سنوات النفوذ الإماراتي، بقدر ما تعمل على استيعابها وإعادة توجيهها ضمن ترتيبات جديدة، ويعزز هذا الانطباع أن الإجراءات انصبت بصورة رئيسية على شخص عيدروس الزبيدي ودائرة محدودة حوله، بينما لم تمتد بالزخم نفسه إلى بقية البنية السياسية والعسكرية والإدارية التي نشأت خلال سنوات سيطرة المجلس وتم برمجتها لتحقيق أجندات تخدم طرفاً آخر.

لكن المقاربة الإقليمية لا تفسر كل شيء بالطبع، فإلى جوارها ما يزال جانب كبير من الرخاوة السائدة يمكن تفسيره بعجز مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الذين يتعاملون مع الملف وكأنهم غير معنيين به، إضافة إلى طبيعة مؤسسات الدولة نفسها، فإصدار القرارات لا يمثل سوى الحلقة الأولى، بينما يحتاج تنفيذها إلى أجهزة أمنية وقضائية وإدارية متماسكة، وهي فجوة ضخمة تنعكس في التأخر بين الإعلان عن الإجراءات وبين ترجمتها إلى وقائع عملية على الأرض، وذاك أمر ما تزال الدولة تعمل على استعادته بعد سنوات الحرب والانقسام وفق متابعين متفائلين، أو هو ما تحتاج أن تسعى إلى استعادته وفق آخرين.

ووفقا لأصحاب التفاؤل، فإن الدولة فضلت إدارة الأزمة بصورة متدرجة، سعياً إلى تجنب صدام واسع داخل المحافظات المحررة، والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار، وهو ما جعلها تميل إلى احتواء الأزمات أكثر من حسمها، غير أن هذه المقاربة، بحسب منتقديها، منحت الأطراف المستهدفة وقتاً كافياً لإعادة ترتيب أوضاعها، وأضعفت الأثر الردعي للقرارات.

ويضاف إلى ذلك أن بعض الإجراءات بدت وكأنها تتحرك بالتوازي مع المسارات السياسية والتفاوضية، بما يوحي بأنها تستخدم كورقة ضغط لتحسين شروط التفاوض أكثر من المضي فيها كمسار قانوني متصل ينتهي بتنفيذ كامل لمقتضياته.

وبغض النظر عن التفسير الأقرب للواقع، فإن النتيجة التي أفرزتها الأشهر الستة الماضية تبدو أكثر وضوحاً من أسبابها؛ إذ بقيت الفجوة قائمة بين القرارات والواقع، واستمرت مراكز النفوذ في ممارسة جزء كبير من نشاطها، بينما ظلت الدولة تبحث عن معادلة تجمع بين استعادة سلطتها وتجنب كلفة المواجهة الشاملة.

وبين مشهد الحكومة وهي تطلب عقوبات دولية، ومشهد الانتقالي (المنحل) وهو يدعو إلى التظاهر والعصيان المدني، تختصر الصورة حصيلة نصف عام كامل؛ قرارات كثيرة، دون حسم، وحكومة تنسى أن الاستقرار لا يبنى بتأجيل المواجهات أو إدارة مراكز النفوذ، وإنما بدولة تحتكر وحدها القرار والسلاح، وتنفذ قراراتها بنفس الحماس الذي تصدرها به، كما تنسى أو ربما تتناسى أن الدولة التي تؤجل الحسم إنما تؤجل الاستقرار أيضاً.


شارك الخبر


طباعةإرسال