الدس الروائي الشيعي لتحريف دلالة آيات القرآن الكريم

من أخطر وسائل تحريف معاني آيات القرآن الكريم صرفُ دلالاتها عن مقاصدها التي يدل عليها السياق وتقتضيها اللغة، وذلك من خلال اختلاق روايات تُنسب إلى النبي ﷺ، ثم تقديمها على أنها البيان الحاكم والتفسير الملزم للقرآن، بما يؤدي إلى حمل الآيات على معانٍ لم يدل عليها ظاهرها ولا سياقها.

وبهذه الآلية لم تعد الآية القرآنية هي التي توجِّه الرواية، وإنما أصبحت الرواية هي التي تُعيد تشكيل دلالة الآية بما يخدم تصورات مذهبية مسبقة. وأول من استخدم هذا الأسلوب في تحريف دلالة الآيات هم الشيعة، ثم توسعوا فيه بشكل كبير، فبنوا عليه كثيرًا من أصول مذهبهم، وجعلوا عددًا من الآيات العامة أو الواضحة في سياقها خاصةً بأشخاص معينين أو دالةً على معانٍ لم يدل عليها ظاهر القرآن ولا سياقه.

وقد استخدم الشيعة إلى جانب ذلك أسلوبًا آخر، وهو التفسير الباطني للقرآن، وهو أيضًا نوع من تحريف كتاب الله، لكنه لم ينجح في التاريخ الإسلامي بالقدر الذي نجح به الأسلوب الأول. أما الأسلوب الروائي فقد استطاع أن ينخر في فهم المسلمين للقرآن، ولا سيما بعد أن تسربت كثير من هذه الروايات إلى كتب الحديث عند أهل السنة، فأصبحت تُتداول على أنها من السنة النبوية.

واكتشاف هذه الروايات ليس أمرًا عسيرًا لمن يعظّم كتاب الله ويجعله الأصل الحاكم؛ فإنك تجد الآية واضحة الدلالة، بينة المعنى، يفهمها كل عربي من سياقها ولغتها، ثم تأتي رواية فتنقلها إلى معنى آخر بعيد، لا يساعد عليه اللفظ، ولا السياق، ولا مقاصد الآية، ثم يقال لك: هذه هي السنة! وهل تخالف السنة؟

وهكذا نجح هذا الأسلوب في تحريف دلالة القرآن، حتى بدا وكأن النبي ﷺ جاء ليخالف القرآن، وكأن رسالته شيء، وتفسيره شيء آخر يناقضه! فكانت تلك من أكبر الخدع في تحريف كتاب الله تعالى.

وأضرب لذلك ثلاثة أمثلة واضحة:

المثال الأول: سورة الأحزاب: 33

يقول تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

تأمل معي سياق هذه الآيات ودلالتها الواضحة والبسيطة. فالآيات جاءت ضمن سياق واحد يتحدث عن نساء النبي ﷺ، ومن يقرأ القرآن يجد ذلك في غاية الوضوح.

فالآيات قبلها تقول:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، ثم يقول: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾، ثم: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾، ثم: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾، ثم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾، ثم: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.

ثم تأتي آية التطهير تعقيبًا على هذه التوجيهات كلها، وتعليلًا لهذه الأحكام الخاصة بنساء النبي، ولِمَ شُدِّد عليهن بمضاعفة العذاب، ووُعِدن بمضاعفة الأجر، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

أي إن هذه التكاليف والتوجيهات إنما هي لتطهير بيت النبي ﷺ.

ثم يستمر السياق مباشرة فيقول: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾.

فهل بعد هذا السياق المتصل من وضوح؟

ولهذا كان عكرمة -كما يُروى عنه- يخرج فينادي أن هذه الآية نزلت في نساء النبي ﷺ، ولعل ذلك كان ردًّا على الرواية التي بدأت بتحريف دلالة الآية إلى غير سياقها.

والقرآن مليء بالشواهد التي يُطلق فيها لفظ الأهل ويراد به الزوجة.

ففي قصة موسى عليه السلام قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ سَارَ بِأَهْلِهِ﴾، والمقصود زوجته.

وفي قصة إبراهيم عليه السلام: ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، والمقصود زوجته.

وفي قصة أيوب عليه السلام: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾، أي رُدَّت إليه زوجته وأُعيد له أهله.

وفي قصة امرأة العزيز: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾، والمقصود بها زوجته.

وهذا الاستعمال معروف في القرآن الكريم وفي لسان العرب.

وكذلك جاء التعبير بصيغة التذكير في خطاب الزوجة، كما في قوله تعالى عن موسى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾، مع أن المخاطَب زوجته، وقال: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ ولم يقل: "سآتيكن"، لأن لفظ الأهل يُعامل معاملة المذكر في العربية.

فهذه كلها قرائن قرآنية ولغوية واضحة تؤكد أن المراد بأهل البيت في سياق آية الأحزاب هو نساء النبي ﷺ، وأن السياق لا يحتمل إخراج الآية عن هذا المعنى.

لكن هنا تأتي الرواية لتصرف هذا المعنى الظاهر إلى اتجاه آخر، وهي رواية الكساء الواردة عند مسلم، وفيها أن النبي ﷺ دعا عليًا وفاطمة والحسن والحسين، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

وصار معنى الآية تقول: يا نساء النبي، إن فعلتن الفاحشة ضوعف العذاب، وإن أطعتن فلكُن الأجر مرتين… لماذا؟ لكي يطهّر الله عليًا وفاطمة والحسن والحسين!

ثم يقال بعد ذلك: إن هذه الرواية هي التي تفسر الآية، أو تخصصها، أو تبين المراد منها. وهذا ليس سوى تحريف لمعنى الآية وصرفًا لها عن سياقها.

الرواية الثانية:

تأمل معي أيضًا الرواية الثانية الواردة في صحيح مسلم، فهي تفسر أهل بيت النبي بمعنى آخر أوسع ولكنه يخرج نساء النبي ﷺ أيضا.

جاء في الرواية عن زيد بن أرقم: «وأهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي، أذكِّركم الله في أهل بيتي». فقال له حصين: «ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟».

فأجاب زيد –بحسب بعض ألفاظ الرواية–: «نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِّمت عليهم الصدقة بعده».

وعندما قرأت هذه الرواية شعرت أن عبارة: «نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته…» فيها اضطراب من جهة الصياغة، وكأن فيها نقصًا أو سقطًا، لأن ظاهرها يجمع بين إثبات الزوجات ضمن أهل البيت، ثم ينتقل مباشرة إلى حصر أهل البيت فيمن حُرِّمت عليهم الصدقة.

فلما بحثت في ألفاظ الرواية وجدت أن بعض الشروح تذكر اللفظ بصيغة: «ليس نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حُرِّمت عليهم الصدقة»، وهي صيغة تبدو أكثر اتساقًا مع بقية جواب زيد، وإن كانت تثير سؤالًا آخر يتعلق باختلاف ألفاظ الرواية.

ويؤيد ذلك أن الرواية التي تليها مباشرة في صحيح مسلم جاء فيها التصريح بالسؤال نفسه: «من أهل بيته؟ نساؤه؟» فقال: «لا».

ويبدو أن بعض النُّسَّاخ، أو بعض رواة الحديث من أهل السنة، استشعروا حرجًا من إخراج زوجات النبي ﷺ من مدلول الرواية بصراحة، فحُذفت لفظة «ليس»، بينما بقيت مثبتة في بعض الشروح، وفي الرواية التالية عند مسلم.

وبهذا انتهت الرواية إلى قصر مفهوم أهل البيت على من حُرِّمت عليهم الصدقة من آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس، مع أن الآية وردت في سياقٍ يتحدث عن زوجات النبي ﷺ قبلها وبعدها.

وهذا ليس سوى تحريف لمعنى الآية وصرفًا لها عن سياقها.

المثال الثاني: في سورة آل عمران:61

قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ، وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ، وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾.

هذه الآية جاءت في سياق مجادلة وفد نصارى نجران حول حقيقة عيسى عليه السلام، ولذلك فإن دلالة الآية تتجه إلى المؤمنين في مقابل النصارى، فجاء التعبير بصيغ الجمع: أبناؤنا، ونساؤنا، وأنفسنا، في مقابل: أبنائكم، ونسائكم، وأنفسكم. والمقصود بهذا الجمع جماعة المؤمنين وأهلهم، لا أشخاصًا محددين بأعيانهم، وهو أسلوب يقصد به إظهار الجدية والهيبة واستحضار الجميع للمباهلة.

لكن الرواية جاءت لتصرف هذا المعنى الظاهر إلى أفراد معينين، فتحولت ألفاظ الجمع إلى مفردات بلا قرينة من السياق؛ فأصبح المقصود بـ ﴿أبناؤنا﴾ الحسن والحسين فقط، و﴿نساءنا﴾ فاطمة وحدها، مع أن لفظ النساء في الاستعمال العربي ينصرف ابتداءً إلى الزوجات لا إلى البنات، وأصبح المقصود بـ ﴿أنفسنا﴾ علي بن أبي طالب، فتحول اللفظ من معناه الظاهر، وهو ذات الإنسان أو جماعته، إلى شخص معين.

وهذه المعاني لا تنسجم مع ظاهر الآية، ولا مع سياقها، ولا مع قواعد العربية في استعمال ألفاظ الجمع.

والرواية التي يُستدل بها على هذا التفسير عند مسلم تذكر أنه لما نزلت الآية دعا رسول الله ﷺ عليًا وفاطمة والحسن والحسين، ثم قال: «اللهم هؤلاء أهلي».

فالرواية أزاحت المعنى الظاهر لآية المباهلة، ثم انتهت إلى حصر أهل بيت النبي ﷺ في أولئك، مع إخراج زوجاته من مفهوم أهل البيت، رغم أن سياق الآيات يدل على خلاف ذلك.

المثال الثالث: آية المائدة: 55

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾.

هذه الآية مفهومة في سياقها ودلالتها الظاهرة، فهي تتحدث عن الولاية بمعنى النصرة والموالاة بين المؤمنين. فالله سبحانه هو ولي المؤمنين وناصرهم، ورسوله ﷺ وليهم، وكذلك المؤمنون بعضهم أولياء بعض، الذين من صفاتهم أنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون، أي خاضعون لله سبحانه وتعالى. فالآية –بحسب ظاهرها– عامة في جميع المؤمنين الذين اتصفوا بهذه الصفات.

لكن جاءت الرواية لتجعل المقصود بالآية شخصًا واحدًا، وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بدعوى أنه تصدق بخاتمه وهو راكع في الصلاة.

وهذه الرواية ضعيفة، ويَرِدُ عليها إشكالٌ من جهة المتن؛ إذ إن فعل التصدق أثناء الصلاة يتنافى مع الخشوع فيها، كما أن الآية تتحدث عن إيتاء الزكاة، لا عن الصدقة.

ومع ذلك، فقد استحوذت هذه الرواية على مساحة واسعة في كتب التفسير، ثم جاء الاتجاه الشيعي فبالغ في توظيفها، وحمّلها من الدلالات ما لا يحتمله ظاهر الآية، كما فعل مع آيات أخرى، حتى أصبحت أصلًا لإثبات ولاية خاصة وسلطة سياسية لعلي رضي الله عنه، ثم بُنيت عليها منظومة الإمامة بأكملها.

ومن هنا نرى أن جعل الرواية حاكمة على ظاهر القرآن، وصرف دلالة الآية العامة إلى معنى خاص لا يدل عليه السياق، هو أحد الأمثلة على إخضاع النص القرآني لتفسيرات مذهبية مسبقة، وهو نوع من تحريف دلالة القرآن عن ظاهرها.

ثم بعد ذلك تُسمى هذه الروايات "سنة"، فإذا رددتها لأنها تخالف ظاهر القرآن، قيل لك: أنت ترد السنة!

ويحاول بعضهم الدفاع عن هذه الروايات بالقول: إنها من باب التخصيص، أو التقييد، أو البيان.

وهذا الاستدلال غير سديد؛ لأن التخصيص والتقييد والبيان لا يقتضي تغيير الدلالة الظاهرة للآية، ولا يصح أن يكون لخبر الآحاد الظني سلطة على صرف كتاب الله عن ظاهره متى كانت دلالة الآية واضحة. وإلا أدى ذلك إلى تغيير دلالة الآيات وانحراف معانيها، وكأننا ننسب إلى النبي ﷺ أنه جاء بمعانٍ تخالف ما بلّغه في القرآن الكريم.

من أراد تعظيم كتاب الله فليجعل القرآن هو الأصل الذي تُعرض عليه الروايات، فما وافقه قُبل، وما ناقض دلالته المحكمة رُدَّ، ولا يمكن أن يكون النبي ﷺ قد جاء ليخالف القرآن الذي أُنزل عليه، وإنما المخالفة إنما تكون من الروايات المكذوبة أو الواهية التي نُسبت إليه زورًا.

كانت هذه إجابةً موسعةً لتوضيح مقصودي في المنشور السابق، بعد أن حاول بعضهم التشغيب على عبارتي، وبيانًا لسبب دعوتي إلى الاحتكام إلى كتاب الله في أصول الدين، والنظر في دلالات آياته الواضحة، دون صرفها عن ظاهرها بأخبارٍ وُضعت لتحريف معاني القرآن وتوجيهها لخدمة أغراض مذهبية.


شارك الخبر


طباعةإرسال