خواطر عن التعذيب في اليمن

عندما خرج الصحفي عبد الخالق عمران ورفقاؤه الصحفيين من سجن مليشيا الحوثي، ظن كثيرون أن قصته انتهت. لكن الحقيقة أن القصة الحقيقية بدأت لحظة خروجه. فالسجن لم يبق خلفه. خرج معه في جسد أنهكته سنوات الاحتجاز، وفي ذاكرة مثقلة بالخوف والانتظار، وفي سؤال أكبر من رجل واحد ومن زنزانة واحدة: ماذا يحدث لوطن يصبح فيه الخوف أكثر حضوراً من القانون؟

هذا السؤال لا يخص عبد الخالق وحده. إنه سؤال يمر عبر قصص آلاف المعتقلين والمخفيين قسراً والناجين من التعذيب في اليمن. وهو أيضاً السؤال الذي يختبئ خلف قصة انتصار الحمادي وغيرها من القضايا التي تحولت فيها أجساد الأفراد وحرياتهم إلى ساحات تمارس فوقها السلطة قوتها. فهذه القصص، على اختلاف تفاصيلها، لا تحكي فقط عن ضحايا، بل عن شيء أكبر بكثير: عن دولة تتراجع، وعن زنزانة تتقدم لتحل محلها.

في السادس والعشرين من يونيو، اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، لا يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً في اليمن هو ما إذا كان التعذيب موجوداً أم لا. فالإجابة أصبحت معروفة وموثقة ومؤلمة. السؤال الحقيقي هو كيف تحول التعذيب من انتهاك استثنائي إلى جزء من المشهد السياسي والاجتماعي العام. كيف أصبحت الزنزانة، في بلد مزقته الحرب والانقسامات، إحدى أكثر المؤسسات انتظاماً واستمراراً؟

خلال العقد الماضي تنافست أطراف الصراع على المدن والموانئ والمعسكرات والموارد. لكن ثمة تنافس آخر جرى بعيدا عن الأضواء: التنافس على احتكار الخوف، فكل سلطة سعت إلى امتلاك أدواتها الخاصة للردع والإخضاع والسيطرة. ومع كل منطقة نفوذ جديدة ظهرت أماكن احتجاز جديدة، وسجون معلنة وأخرى سرية، وروايات مختلفة لتبرير الشيء نفسه: استخدام القوة ضد الإنسان حين يغيب القانون.

ولهذا لا يمكن فهم التعذيب في اليمن باعتباره مجرد تجاوزات فردية أو أخطاء معزولة، إنه تعبير مباشر عن أزمة وانهيار الدولة نفسها، فحين تنهار المؤسسات التي يفترض أن تحمي المواطنين، تتقدم القوة المجردة لتحل محلها. وحين يضعف القضاء، وتتفكك الرقابة، وتتعدد مراكز القرار، تصبح الزنزانة بديلا عن المحكمة، والخوف بديلا عن الثقة، والصمت بديلا عن المشاركة.

التعذيب في اليمن جوهره ليس اعتداء على الجسد فقط، بل محاولة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والسلطة. فالضحية لا تُعذب فقط للحصول على معلومة أو اعتراف، بل لإيصال رسالة أوسع إلى المجتمع كله، رسالة تقول إن القانون لم يعد المرجع النهائي، وإن الحماية ليست حقاً مضموناً، وإن القوة قادرة على الوصول إلى الفرد متى أرادت. ولهذا فإن التعذيب لا ينتج المعلومات بقدر ما ينتج الصمت، ولا يبني الأمن بقدر ما يبني الخوف.

ولا تقف خطورة التعذيب عند الألم الذي يُلحق بجسد الضحية داخل الزنزانة. فحين يغيب القانون، ويُمنع المحامي، وتُحرم الأسرة من السؤال، يتحول التعذيب إلى حلقة ضمن سلسلة أوسع تبدأ بالاعتقال خارج القانون، ثم الإخفاء والإنكار، وقد تنتهي بوفاة لا يعرف أحد حقيقتها. في هذه السلسلة لا يبقى المعتقل وحده ضحية؛ فالأم التي تبحث عن ابنها، والزوجة التي تنتظر خبراً، والأطفال الذين يكبرون على غياب لا تفسير له، يتحولون جميعاً إلى سجناء خارج السجن. إنهم لا يتعرضون للتعذيب الجسدي نفسه، لكنهم يعيشون عذابه اليومي: الانتظار، والشك، والخوف، والعجز عن الحداد أو الاطمئنان. بهذا المعنى يصبح الإخفاء القسري الوجه الممتد للتعذيب؛ لا يسلب حرية الضحية وحدها، بل يسلب أسرته الحق في الحقيقة، ويعلّق حياتها بين احتمالين قاسيين: أن يكون حياً يتألم في مكان مجهول، أو ميتاً بلا قبر.

الإخفاء القسري لا يحرم الإنسان من حريته فقط، بل يحوله إلى سؤال مفتوح. إنه يضع الأسرة في منطقة معلقة بين الأمل واليأس. والمفارقة المؤلمة أن الموت، على قسوته، يمنح الأسرة يقيناً حزيناً، بينما يحرمها الإخفاء القسري حتى من هذا اليقين. ولهذا لا يعد الإخفاء مجرد انتهاك إضافي، بل شكلاً ممتداً من التعذيب النفسي والاجتماعي.

وعندما يموت شخص تحت التعذيب تبلغ الجريمة ذروتها. فالموت هنا ليس نهاية طبيعية لحياة، بل إعلان عن فشل كل الضمانات التي يفترض أن تحمي الإنسان وهو في قبضة السلطة، وإذا مُنعت الأسرة من رؤية الجثمان أو معرفة ظروف الوفاة أو دفنه بكرامة، فإن التعذيب لا ينتهي عند لحظة الموت، إنه ينتقل من الضحية إلى الذاكرة. من الجسد إلى الأسرة. من الزنزانة إلى المجتمع.

لهذا جاء الحظر المطلق للتعذيب في القانون الدولي. فلا الحرب تبرره، ولا مكافحة الإرهاب، ولا الأمن القومي، ولا أي ظرف استثنائي آخر. والسبب بسيط وعميق في الوقت نفسه: لأن التعذيب لا يعتدي على جسد الإنسان فقط، بل يعتدي على الفكرة التي قامت عليها حقوق الإنسان نفسها، وهي أن للإنسان كرامة لا يجوز انتهاكها مهما كانت الظروف.

عرف اليمن انتهاكات وتعذيبا قبل الحرب، لكن ما حدث بعد عام 2014 نقل الظاهرة إلى مستوى مختلف. فقد أدى انهيار الدولة وتعدد السلطات وتفكك المؤسسات إلى خلق بيئة مثالية للإفلات من العقاب. ومع كل سلطة جديدة ظهرت منظومات جديدة للاحتجاز والرقابة والسيطرة. وهكذا لم يعد هناك جلاد واحد أو سجن واحد أو رواية واحدة، بل تعددت جميعها مع تعدد مراكز القوة.

وفي كل الحالات تقريبا تتكرر القصة ذاتها: غرفة مغلقة، وضحية معزولة، وسلطة لا تخضع للمساءلة، ثم رواية جاهزة للإنكار. لكن شهادات الناجين، وصور الإصابات، وروايات الأسر، والتقارير الحقوقية، ظلت تكشف أن المشكلة ليست في حوادث منفردة، بل في نمط متكرر أنتجته بيئة سياسية وأمنية مختلة.

ومع ذلك فإن السؤال لا يتعلق بالجلاد وحده، فالمجتمعات لا تعيش على أفعال الأفراد فقط، بل على المناخ الذي يسمح لتلك الأفعال بالاستمرار. وهنا يبرز سؤال نادرا ما يُطرح: كيف يتعايش المجتمع مع التعذيب؟

الجواب يكمن في أن الحرب الطويلة لا تقتل الناس فقط، بل تعيد تشكيل حساسيتهم تجاه العنف. فمع مرور الوقت يصبح بعض الناس أكثر استعدادا لتبرير الانتهاكات إذا كانت تستهدف خصومهم السياسيين أو المذهبيين أو الجغرافيين. ويتحول الخوف من الاعتراض إلى وسيلة للبقاء. وتصبح السلامة الشخصية أهم من الدفاع عن المبادئ العامة، كما في صنعاء وعدن وحضرموت ومارب، تجد من يبرر التعذيب للسلطة التي تسيطر هنا او هناك، وهكذا ينجح التعذيب في تحقيق أخطر أهدافه: ليس إخافة الضحية فقط، بل دفع المجتمع إلى التكيف مع وجوده.

ولا تقتصر مشكلة التعذيب في اليمن على الجلادين والسجون وحدها، بل تمتد أحيانا إلى الطريقة التي يُتعامل بها مع الضحايا أنفسهم. فحين يصبح موقف بعض المنظمات والناشطين من التعذيب مرتبطا بهوية الضحية أو بالجهة المسؤولة عن الجريمة، تفقد القضية أحد أهم أسسها الأخلاقية. فالتعذيب لا يصبح أقل فظاعة لأن مرتكبه ينتمي إلى الطرف الذي نؤيده، ولا تصبح الضحية أقل استحقاقا للعدالة لأنها تنتمي إلى الطرف الذي نختلف معه.

إن الانتقائية في إدانة التعذيب تحمي الجريمة. فحين يُرفع الصوت في حالة ويُخفض في حالة أخرى، أو تُستخدم معاناة الضحايا أداة للصراع السياسي والإعلامي، يتحول الخطاب الحقوقي من وسيلة لمواجهة الإفلات من العقاب إلى جزء من المشكلة ذاتها. والأسوأ من ذلك أن الضحية تشعر بأنها تعرضت للتعذيب مرتين: مرة داخل الزنزانة، ومرة حين تُقاس قيمتها الإنسانية بمعايير الانتماء السياسي أو الجغرافي أو الأيديولوجي.

ولهذا فإن المنظمة الحقوقية الحقيقية لا تنحاز إلى سلطة ولا إلى حزب ولا إلى جماعة مسلحة، بل تنحاز إلى الإنسان. ووظيفتها ليست توزيع البراءة والإدانة وفق الاصطفافات السياسية، بل الدفاع عن المبدأ نفسه أينما انتُهك. فكل بيان يتجاهل ضحية لأن الجاني قريب سياسيا أو أيديولوجيا من كاتبه، لا يختلف كثيرا في أثره عن جدار الصمت الذي يحاول الجلاد بناءه حول جريمته. وقد لا يمارس هذا البيان التعذيب بصورة مباشرة، لكنه يسهم في توفير البيئة التي تسمح باستمراره، لأنه يرسل رسالة خطيرة مفادها أن بعض الضحايا يستحقون التضامن أكثر من غيرهم.

وفي المجتمعات المنقسمة، يصبح الدفاع الانتقائي عن حقوق الإنسان شكلا آخر من أشكال الإفلات من العقاب. فالعدالة التي تُجزأ تفقد معناها، والحقوق التي تُمنح وفق الهوية السياسية تتحول إلى امتيازات لا إلى حقوق. ولهذا فإن المعركة ضد التعذيب تبدأ من الاعتراف بحقيقة بسيطة: لا يوجد تعذيب جيد وتعذيب سيئ، ولا ضحية كاملة الإنسانية وأخرى أقل استحقاقاً للحماية. فإما أن تكون الكرامة الإنسانية حقاً للجميع، أو أنها لن تكون حقاً لأحد.

وهذا ما يجعل القضية أكبر من مجرد ملف حقوقي. فالتعذيب لا يغير مصير الأفراد فقط، بل يغير سلوك المجتمع كله. المواطن الذي يسمع يومياً عن الاعتقالات والإخفاء والوفاة تحت التعذيب يتعلم درساً سياسياً عميقاً: الصمت أكثر أمناً من الكلام. وعندما ينتشر هذا الشعور، تنكمش السياسة، وتتراجع الثقة، وتضعف المبادرة، ويصبح الخوف دستوراً غير مكتوب يحكم العلاقات العامة.

ويبدأ التعذيب من استهداف الصحفيين. فالإعلام الحر بطبيعته عدو للتعذيب لأنه يفتح الأبواب المغلقة وينقل ما تحاول السلطة إخفاءه. ولذلك لم يكن استهداف الصحفيين مجرد استهداف لأفراد، بل محاولة للسيطرة على الرواية نفسها. فكل صحفي يُعذب أو يُعتقل أو يُهدد يحمل رسالة إلى الآخرين بأن الحقيقة قد تكون مكلفة.

كما ان ضعف مؤسسة القضاء، وتسيسها يساهم في انقسامها واصابتها بالضعف والخوف. وفي مناطق كثيرة، صمت القضاء، لم يعد قادراً على الوصول إلى أماكن الاحتجاز أو مساءلة المتورطين أو حماية الشهود، بل الأكثر وجعا ان يتحول ساحات المحاكم فصلاً في كتاب التعذيب، حيث لا وجود لمحاكمة عادلة إذا كان الاعتراف منتزعا تحت التعذيب. ولا معنى لدولة القانون إذا كانت المحكمة تصل متأخرة دائما عن الزنزانة.

وربما يكون أخطر ما يفعله التعذيب أنه لا يترك آثاره في الضحايا وحدهم، بل في الأجيال التي تأتي بعدهم. فهناك جيل يمني كامل نشأ في ظل الحرب. جيل عرف أسماء السجون أكثر مما عرف أسماء المكتبات. وسمع عن المختفين أكثر مما سمع عن العلماء والمبدعين. وتابع أخبار المعتقلات أكثر مما تابع أخبار الجامعات. هذه ليست مجرد ذاكرة فردية، بل إعادة تشكيل للوعي الجمعي.

ولهذا تكتسب عملية التوثيق أهمية تتجاوز مجرد حفظ المعلومات. فكل شهادة تُكتب، وكل اسم يُوثق، وكل صورة تُحفظ، هي مقاومة للنسيان. والتوثيق لا يعيد الضحايا إلى الحياة، لكنه يمنع دفن الحقيقة معهم. وهو أيضاً استثمار في العدالة القادمة، لأن المجتمعات التي تنسى جرائمها غالباً ما تعيد إنتاجها.

لكن حتى العدالة نفسها لا تكتمل بالتوثيق وحده. فالكثير من الضحايا يخرجون من السجون ليبدأوا معركة جديدة مع آثار التعذيب النفسية والاجتماعية والاقتصادية. وفي كثير من الأحيان تنتهي التغطية الإعلامية عند لحظة الإفراج، بينما تبدأ المعاناة الحقيقية بعد ذلك. كيف يعود الضحية إلى عمله؟ كيف يستعيد ثقته بالناس؟ كيف تنجو الأسرة من آثار سنوات الانتظار والخوف؟

ولهذا فإن التعافي ليس عملا خيريا ولا ترفا مؤجلا إلى ما بعد السلام. إنه جزء من العدالة نفسها. ويشمل العلاج النفسي والطبي، والدعم الاجتماعي والاقتصادي، ورد الاعتبار، وإزالة الوصمة، والاعتراف الرسمي بالانتهاكات. فالإفراج عن الضحية لا يعني انتهاء الجريمة إذا ظلت آثارها حاضرة في حياته وحياة أسرته.

ولهذا لا يمكن فصل قضية التعذيب عن قضية العدالة الانتقالية. فالحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات ليست ملفات منفصلة عن السلام، بل شروط أساسية لنجاحه. فلا يمكن بناء دولة فوق سجون سرية، ولا مصالحة فوق مختفين قسراً، ولا استقرار فوق ذاكرة مثقلة بالخوف.

غير أن العدالة الانتقالية نفسها لن تتحول إلى واقع ما لم يخرج ملف التعذيب من إطاره الحقوقي الضيق إلى المجال الوطني الأوسع. فإحدى مشكلات هذا الملف في اليمن أنه ظل يُنظر إليه بوصفه قضية تخص الضحايا والمنظمات الحقوقية، بينما هو في الحقيقة قضية تتعلق بمستقبل الدولة والمجتمع معاً.

فالتعذيب لا يدمر الضحية وحدها، بل يفسد المؤسسات التي تسمح به، ويقوض الثقة بالقانون، ويعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الخوف بدلا من الحقوق. ولهذا فإن تحويل التعذيب إلى قضية وطنية عامة لا يقل أهمية عن توثيق الانتهاكات نفسها.

كما أن استمرار التعذيب يرتبط بغياب الكلفة السياسية. ولهذا لا يمكن للأحزاب والقوى السياسية أن تتعامل معه باعتباره قضية هامشية أو مؤجلة. فالسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجه كل مشروع سياسي في اليمن ليس فقط كيف سيحكم، بل كيف سيمنع أجهزة الحكم من التحول إلى أدوات للقمع. وأي قوة سياسية تدافع عن الديمقراطية أو الدولة أو المواطنة المتساوية ثم تصمت عن التعذيب، إنما تنقض الأساس الأخلاقي الذي تقوم عليه تلك الشعارات.

أما موقف الدولة اليمنية نفسها، ورغم ما يحيط بهذا الملف من حساسية بسبب اتهامات طالت أجهزة وتشكيلات متعددة، ما يزال مخجلاً، ويجب عليها تجاوز خجلها، فمصلحتها الحقيقية كدولة لا تكمن في الإنكار أو التجاهل، بل في تبني القضية بوصفها جزءً من عملية استعادة الشرعية والثقة العامة، وعلى وزاراتها ومؤسساتها ان تكون اكثر فاعلية بصورة مجردة ضد التعذيب كجريمة ترتكب هنا اوهنا، فالدول لا تستعيد احترام مواطنيها بإخفاء الأخطاء، بل بالاعتراف بها ومعالجتها.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم في اليمن من سيحكم البلاد بعد الحرب، بل كيف سيُعامل اليمنيون حين يعارضون من يحكمهم. فالدول لا تُقاس بعدد المعسكرات التي تسيطر عليها، ولا بحجم الشعارات التي ترفعها، بل بقدرتها على حماية الإنسان عندما يكون ضعيفاً ومعتقلاً ووحيداً وبلا صوت.

* (المصدر أونلاين)


شارك الخبر


طباعةإرسال