المصدر أونلاين - خاص
يقف عبدالله عاجزاً ومكسوراً أمام أطفاله الثلاثة وهم يرون زملاءهم يتوجهون إلى المدارس، بينما يظلون هم في المنزل لسبب لا يستوعبه عقل طفل.
"لا أدري ماذا أقول ولا ما أفعل أمام عجزي عن توفير متطلبات بدء العام الدراسي لأولادي" يصف عبدالله (عامل بالأجر اليومي) في حديثه لـ"المصدر أونلاين" معاناته بسبب الأسعار الباهظة التي فرضتها مليشيا الحوثي كقيمة للمنهج التعليمي المطبوع بـ "المؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي" والذي حولته إلى مورد جباية يدر لها المليارات من الريالات بدلاً من توزيعه مجاناً.
بصوت مليء بالحسرة والألم، يصف "عبدالله" جحيم الوضع المعيشي لأسرته بالقول "نحن نعيش في وضع نموت فيه كل يوم لشراء كسرة خبز تسد رمق أطفالنا، أقطع شوارع مدينة إب متنقلا في حراج العمال وعلى الأرصفة بحثاً عن أي أعمال شاقة، لكن كما ترى فإن غالبية الأيام ارجع بأيادي فارغة، لشحة فرص الأعمال بسبب الجبايات التي تفرضها مليشيا الحوثي على رجال المال والأعمال، الأمر الذي انعكس على توقف غالبية الأعمال".
وتابع "يطالبونني بدفع نحو 10 ألف ريال يمني لشراء المنهج لكل طفل، أي ما إجماليه 30 ألف ريال لثلاثة طلاب دون رسوم القيد والتسجيل وشراء بقية المستلزمات المدرسية من دفاتر وأقلام وحقائب، هذا المبلغ، في ظل انعدام فرص العمل وانقطاع الرواتب، يعادل قوت أسرتي لأسابيع".
استثمار وتكسّب
ففي الوقت الذي يبحث فيه ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة عن كسرة خبز تسد رمق أطفالهم، تحولت المناهج التعليمية إلى تجارة رابحة تدر مليارات الريالات على حساب تجهيل الأجيال وتفخيخ عقول الأطفال.
ولم يعد التعليم مجانيا أو متاحا، بل أصبح تجارة استثمارية لتمويل الأفكار الطائفية وتجهيل الأجيال، عبر فرض مبالغ باهظة لبيع الكتب المدرسية "الملغومة" والتي تطبعها المليشيا في "المؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي" الحكومية الخاضعة لسيطرتها، حيث تباع في السوق السوداء وعلى أرصفة الشوارع وأمام بوابات المدارس بأسعار رسمية وغير رسمية تتراوح بين 4,000 إلى 12,000 ريال يمني للحزمة الواحدة بحسب المرحلة الدراسية، كما يتراوح سعر الكتاب الواحد بين 500 ريال إلى 1200 ريال، على حسب مدى توفير الكتاب وانعدامه.
لا تتوقف المعاناة عند قيمة الكتب، بل تفرض المليشيا إتاوات إضافية تحت مسمى "مساهمة مجتمعية لدعم التعليم"، وهي اشتراك شهري إجباري يدفعه أولياء الأمور يتراوح بين 1,000 إلى 2,000 ريال عن كل طالب، بذريعة دفع جزء من رواتب المعلمين المقطوعة، وهو ما يشكل عائقاً إضافياً فوق كاهل المواطن الذي يفتقر لأبسط مقومات الحياة.
قلوب تعتصر دماً على عتبات المدارس
وكما هو حال ولي الأمر عبدالله، فإن "أم يزن" (39 عاماً) هي الأخرى عجزت عن الحاق أطفالها الأربعة كلهم في المدرسة هذا العام واكتفت بالحاق اثنين منهم لعدم قدرتها على توفير المال الكافي لدفع رسوم التسجيل وشراء الكتب المدرسية والزي والحقائب.
لم تكن أم يزن التي تقف على الرصيف وسط مدينة إب تمد يديها للمارة بحاجة إلى الكثير من الكلمات لتلخص مأساة جيل كامل، فجسدها النحيل المجهد وسط حرارة شمس الظهيرة اختصر حكاية القهر والفقر في زمن المليشيا.
من خلال حديثها لـ "المصدر أونلاين" تقول "أم يزن" إن أطفالي يقفون على عتبة الباب يراقبون جيرانهم وهم يرتدون زيهم المدرسي، بينما قلبي يعتصر دما لأنني عجزت عن تسجيلهم، المدارس الحكومية لم تعد للفقراء يطالبوننا برسوم تسجيل باهظة، وقيمة المنهج الدراسي وحده لكل طفل تحتاج إلى ميزانية تعجز عنها الجبال، ناهيك عن أسعار الدفاتر والأقلام والحقائب التي أصبحت كالمستحيل بالنسبة لنا".
وزادت "زوجي يعمل بالأجر اليومي، يخرج من الفجر ويبحث في الشوارع عن أي عمل، ويعود إلينا منكسر الخاطر، بيدين فارغتين وجيوب خاوية، لعدم توفر الأعمال، الأمر الذي اضطررت فيه للنزول إلى الشارع أمد يدي للناس من أجل توفير كسرة الخبز لأطفالنا".
مليارات تجنيها المليشيا من جيوب الجائعين
في إطار سياسة "تسييج التعليم" وتحويله إلى قطاع استثماري خاص، تكشف لغة الأرقام عن حجم الجبايات المهول الذي تحصده الجماعة من وراء هذه العملية. وبحسبة اقتصادية بسيطة تستهدف الجماعة كحد أدنى نحو مليون طالب وطالبة في المدارس الواقعة بمناطق سيطرتها. ومع اعتماد متوسط تقديري يبلغ 8 آلاف ريال يمني لقيمة المنهج الدراسي للمستويات التعليمية المختلفة، فإن الحصيلة التقديرية المباشرة التي تجنيها المليشيا تصل إلى 8 مليارات ريال يمني.
وتمثل هذه المليارات العوائد المتأتية من قيمة بيع المناهج المدرسية فقط، دون احتساب الرسوم الدراسية الإجبارية والجبايات الأخرى التي تُفرض بشكل دوري على الأهالي، مما يحول العملية التعليمية من خدمة عامة إلى تجارة طائفية تتربح على أنقاض الجوع اليمني.
سياسة تجهيل وافقار متعمدة
صالح الجمال وهو اسم مستعار لمسؤول تربوي، يقول إن "ما تشهده العملية التعليمية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين ليس مجرد أزمة اقتصادية، بل عملية تجهيل وتطييف ممنهجة تهدف إلى تدمير النظام التعليمي اليمني من جذوره".
في تصريح لـ "المصدر أونلاين" يضيف الجمال أن "تحويل الكتاب المدرسي إلى سلعة تباع في السوق السوداء بأسعار خيالية تصل إلى 12 ألف ريال للطالب الواحد، في ظل قطع رواتب المعلمين لسنوات، هو طرد قسري لملايين الأطفال من فصول الدراسة".
وأكد أن هذه الجماعة لا تكتفي بملء المناهج بأفكار مسمومة تدعو إلى العنف والكراهية، بل تضع عوائق مالية تعجيزية أمام الأسر الفقيرة لتدفع بالأطفال خارج المدارس، ومن ثم سهولة استقطابهم وتحويلهم إلى وقود للمعارك وجبهات القتال".
ويرى الجمال أن التعليم في فكر هذه المليشيا تحول من حق إنساني مكفول دستورياً ومجاناً، إلى أداة للتربح المالي وغسيل عقول الأجيال". مستدركاً بالقول "إننا أمام كارثة تربوية وحقوقية غير مسبوقة ستدفع ثمنها الأجيال القادمة، ونحمل المليشيا الحوثية المسؤولية الكاملة عن هذا التدمير الممنهج".
وأشار المسؤول التربوي إلى أن الأغلبية الساحقة من الأسر مخيرين اليوم بين إطعام أطفالهم ليبقوا على قيد الحياة، أو تركهم للجوع مقابل شراء كتب لا تعلمهم سوى الكراهية والقتال.
اقتصاد الجباية
وفي السياق ذاته حذر الصحفي والمحلل الاقتصادي، محمد الجماعي، من خطورة تحويل التعليم الأساسي من خدمة عامة تكفلها القوانين والدساتير إلى سلعة تجارية احتكارية باهظة الثمن.
في حديث لـ "المصدر أونلاين" يقول الجماعي إن "تحويل التعليم الأساسي من خدمة عامة تكفلها القوانين والدساتير إلى سلعة تجارية احتكارية باهظة الثمن، هو تجسيد صارخ لسياسة "خصخصة الجباية وتجارة الحروب" التي تنتهجها جماعة الحوثي لتمويل شبكات نفوذها على حساب أجساد وبطون ملايين اليمنيين الباحثين عن البقاء".
وحسب الجماعي فإن هذه الرسوم الباهظة تعني عمليًا نقل عبء تمويل التعليم إلى كاهل الأسر الأكثر هشاشة، وهي جزء من اقتصاد الجباية الذي أصبحت فيه الموارد تُستخرج من المجتمع نفسه بدلًا من تُقديم الخدمات له، والتي من أيسرها الاعفاء من رسوم الدراسة والمناهج، في ظل انهيار الدخول، وقطع الرواتب، واتساع رقعة الفقر، وليس الدفع المضاعف لقيمة المنهج الذي يطبع في مطابع الدولة، وتحويل التعليم من حق عام إلى مورد مصدره الفقراء وأبناؤهم.
وأكد أن هذه المبالغ تمثل عبئاً قاصماً لظهور الأسر التي تعيش بلا رواتب منذ سنوات، وتحت خط فقر مدقع، مما يجعل اقتناء المنهج المدرسي ترفاً يعجز عنه رب الأسرة الذي يصارع يومياً لتوفير وجبة طعام واحدة.
ويفسر الجماعي استثمار الحوثيين بالمناهج التعليمية رغم نهبهم للإيرادات ورواتب الموظفين منذ 10 سنوات، بأنه استغلال لما تبقى للمواطن في مناطق سيطرتهم من التحويلات التي يضخها المغتربون من الخارج والتي (تتراوح بين ٨ الى ٩ مليارات دولار حسب تقرير البنك المركزي ٢٠٢٥) حيث يتركز غالبية المغتربين في مناطق سيطرة الحوثي الذي لا تعجزه الحيلة عن اختراع أوعية لنهب أرزاق اليمنيين، والضغط على مصادر دخلهم".
وتابع "كل طفل يغادر المدرسة يصبح أكثر عرضة للاستقطاب المليشاوي أو التعبوي، كلما أصبح الذهاب إلى المدرسة مكلفًا، تصبح الجبهات أو المعسكرات أكثر جذبا للأسف الشديد".
وختم المحلل الاقتصادي الجماعي حديثه بالقول "من أخطر النتائج طويلة الأجل، ارتفاع مستوى التسرب من مدارس التعليم الاساسي، لأنه ينعكس طرديا على مراحل التعليم اللاحقة، وبالتالي ضياع أهم عنصر في النمو الاقتصادي، وهو العنصر البشري، أي أننا لا سمح الله لن نخسر طلابًا فقط، بل أطباء ومهندسين ومعلمين ورواد أعمال، ليصبح جيل أكثر هشاشة وأقل تأهيلا ومهارة، زيادة الفقر والبطالة والفقر".
تجريف ممنهج للهوية الوطنية
وبشأن تداعيات المناهج التعليمية الملغومة بالطائفية على عقول الأطفال، حذر رئيس منظمة سياج لحماية الطفولة "أحمد القرشي" من خطورة هذه المناهج، وقال إن ما يتعرض له الأطفال في مناطق سيطرة الحوثي ليس مجرد "تعديل في المناهج"، بل عملية تجريف ممنهجة للهوية الوطنية، وتلغيم فكري مباشر لعقول جيل بأكمله.
وأضاف القرشي في تصريح لـ "المصدر أونلاين" أن "تحويل المدارس من حواضن للعلم إلى منصات للتعبئة الأيديولوجية القائمة على فرز مجتمعي طائفي، يمثل هدمًا للبنية النفسية والعقلية للطفل"، مشيرا إلى أن هذا الشحن يزرع قيم العنف والعداء بدلاً من قيم التسامح والقبول بالآخر، وهو ما حذرت منه تقارير ومواقف منظمة سياج لحماية الطفولة منذ وقت مبكر 2015 وما بعدها.
وعن مخاطر مخرجات هذا التعليم على مستقبل السلم الأهلي، يقول القرشي إن "هذه المناهج لا تنتج خريجين مؤهلين لبناء الاقتصاد والتنمية، بل تنتج "قنابل موقوتة" تهدد نسيج المجتمع اليمني لعقود قادمة، وعندما يتشرب الطفل فكرة أن المخالف له في الرأي أو المذهب هو عدو كافر منافق حلال الدم والمال والعرض يستحق السحق فإننا أمام صناعة جيل مشبع بأسباب الحرب الأهلية الدائمة.
وحول النسبة التقديرية للأطفال المتسربين من المدارس إلى الجبهات يضيف القرشي أن "غياب الشفافية والقبضة الأمنية الصارمة، لدى الجماعة يصعب إعطاء رقم إحصائي قطعي محدد كنسبة مئوية للمتسربين بدافع المنهج وحده، لكن المؤشرات والتقارير الحقوقية (بما فيها تقارير منظمة سياج وفريق الخبراء البارزين التابع للأمم المتحدة سابقاً) تكشف عن أرقام مفزعة".
وعن التصنيف القانوني والحقوقي في تطييف الحوثيين للمناهج التعليمية وفيما تعد جرائم حرب، يتابع القرشي "من المنظور القانوني والحقوقي الدولي، فإن إدخال مضامين تدعو إلى القتال والعنف وتُمجّد الحروب في مناهج الأطفال، يُعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقية حقوق الطفل الدولية (CRC) التي صادق عليها اليمن".
تحذيرات أممية: جيل خارج أسوار التعليم
تأتي هذه الجبايات الحوثية في وقت تطلق فيه المنظمات الدولية صيحات التحذير الأخيرة بشأن الوضع الإنساني في اليمن، وتشير تقارير اليونيسف والمنظمات الأممية إلى أن أكثر من 2.4 مليون طفل يمني باتوا خارج المدرسة، وهو رقم مرشح للانفجار هذا العام بسبب الخصخصة الحوثية للتعليم.
وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) -في تقرير لها عام 2025- إن عدد الأطفال غير الملتحقين بالمدارس ممن تتراوح أعمارهم 5 و17 عاما في اليمن عام 2024 بلغ 3.7 ملايين طفل، منهم 1.2 مليون طفل في سن التعليم الأساسي.
وأشارت المنظمة الأممية إلى أن جودة التعليم النظامي تزداد تدهورا بسبب عدم صرف الرواتب الشهرية لأكثر من 193 ألف معلم ومعلمة (في إشارة إلى مناطق سيطرة جماعة الحوثي)، وهو ما يمثل 65% من إجمالي المعلمين في اليمن منذ 2016، مما اضطر العديد منهم للبحث عن مصادر دخل بديلة لإعالة أسرهم.
وحذر برنامج الأغذية العالمي من أن اليمن يعيش واحدة من أسوأ أزمات الجوع في العالم، حيث يواجه أكثر من نصف السكان انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، ما يعني أن إجبار الأسر على دفع مبالغ للمناهج هو حكم مباشر بالمجاعة على أطفالهم.




