مبادرة عمّان تجرّد الحوثي من لافتة "الحصار".. تشغيل مطار صنعاء ملف إنساني أم ذريعة للتصعيد؟

مبادرة عمّان تجرّد الحوثي من لافتة "الحصار".. تشغيل مطار صنعاء ملف إنساني أم ذريعة للتصعيد؟

وضع إعلان الأردن تسيير رحلات منتظمة بين عمّان وصنعاء الخطاب الحوثي أمام اختبار مباشر، وكشف خلال ساعات أن التصعيد الذي غلفته الجماعة بشعارات فتح المطار وتسهيل سفر المواطنين يتصل بمطالب أوسع، في مقدمتها إيجاد المبرر لإشعال الحرب في اليمن ومحيطها وتخفيف الضغط على إيران.

كما أظهر الإعلان تبايناً لافتاً بين موقفين صدرا عن الجماعة في اليوم ذاته، الأول جاء بلغة تفاوضية أقل حدة حاولت ترك الباب مفتوحاً أمام تشغيل الرحلات، والثاني صدر من داخل صنعاء بلغة أكثر تصعيدا وصفت إعلانات شركات الطيران بـ"المزايدات التافهة"، ونقلت الحديث من المطار إلى ما سمته "انتزاع كامل الحقوق"، وهي لغة تتواءم والتوجه الذي أظهره زعيم الميليشيا في خطابه الخميس، والحشود التي حشدها لتفويضه أمس الجمعة.

وكانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، أعلنت أمس الجمعة، أن الخطوط الجوية الملكية الأردنية تستكمل الإجراءات الفنية واللوجستية اللازمة لتسيير رحلات منتظمة من عمّان إلى صنعاء، استجابة للاحتياجات الإنسانية لليمنيين، ودعماً للجهود السعودية ومسار السلام، وتنفيذاً لتفاهمات سابقة بشأن الرحلات التجارية بين الأردن واليمن.

الإعلان أفشل ذريعة الحملة الحوثية التي قدمت التطورات الأخيرة باعتبارها استهدافاً لمطار صنعاء وحرماناً للمواطنين من السفر، ورفعت لافتة الجانب الإنساني، فالرحلات المدنية لا مانع من استئنافها في الواقع، وشركة عربية تعلن استعدادها لتشغيل خط منتظم إلى صنعاء، فيما سبق أن أكدت الحكومة اليمنية حرصها على استمرار الرحلات عبر الخطوط الجوية اليمنية والناقلات المعتمدة ووفق الترتيبات المنظمة لحركة الطيران.

وعقب البيان الأردني، رحبت الحكومة اليمنية بشكل رسمي في بيان لوزارة الخارجية بالخطوة، مؤكدة توفير التسهيلات لإنجاحها وتخفيف معاناة المواطنين، ومحذرة مليشيا الحوثي من تفويت الفرصة والاستمرار في مغامرات طائشة تخدم مشروع إيران.

ويأتي ذلك بعد الأزمة التي أثارتها رحلات شركة "ماهان إير" الإيرانية خلال يوليو الجاري، إذ أقلعت طائرة تابعة للشركة من صنعاء في الثالث من يوليو وعلى متنها وفد حوثي متجه إلى طهران، ثم حاولت رحلة ثانية إعادة الوفد إلى صنعاء في الثالث عشر من الشهر نفسه، قبل أن تستهدف القوات المسلحة مدرج المطار ويتعذر هبوط الطائرة، فتغير مسارها إلى الحديدة.

وخلال الأزمة عرضت الحكومة اليمنية تأمين عودة الوفد عبر طائرة تستأجرها شركة الخطوط الجوية اليمنية، وتمسكت الجماعة وإيران بتشغيل الرحلة عبر "ماهان إير" الشركة ذات التاريخ الأسود والتي رافقت الحرس الثوري الإيراني في مختلف حروبه بالمنطقة، بالتزامن مع تصريحات حوثية تحدثت عن استمرار مسار صنعاء–طهران، من أجل "فك الحصار" وفق توصيفها.

وهنا اكتسب إعلان عمّان أهميته، إذ فصل بين تشغيل مطار صنعاء لخدمة المسافرين وبين مسعى الجماعة، المدرجة أمريكياً في قائمة المنظمات الإرهابية، لفتح جميع الوجهات وإدارة الرحلات الدولية من طرف واحد، كما ضيّق مساحة استخدام المعاناة الإنسانية غطاء للتصعيد، ووضع مطالب الحوثيين أمام سؤال واضح: ما الذي يمنع قبول رحلات منتظمة تخدم المدنيين، ما دام فتح المطار هو القضية؟

جاء الرد الأول من مصدر في الوفد التفاوضي الحوثي الذي يقوده محمد عبدالسلام، واعتبر الإعلان عن استئناف بعض الرحلات "محاولة التفاف" على مطلب فتح المطار أمام جميع الوجهات، مضيفاً أن تشغيل الرحلات يمكن الترحيب به ضمن اتفاق مع الجهات التابعة للجماعة في صنعاء، مع تمسكه بفتح المطار "دون قيد أو شرط"، وتوسيعه قائمة المطالب لتشمل الرواتب وبقية الملفات التي تصفها الجماعة بالإنسانية.

ورغم وصف الخطوة بالالتفاف، احتفظ التصريح بمساحة للتعامل معها، وربط تشغيل الرحلات باتفاق مع سلطات الجماعة، وبدا الموقف واضحاً يحمل لغة الوفد التفاوضي المقيم في سلطنة عمان، الذي يدير الاتصالات مع الوسطاء ويعمل في بيئة تدفع نحو إبقاء قنوات التفاوض مفتوحة وتجنب انفجار عسكري واسع في الوقت الحالي.

بعد ساعات، جاء الموقف الثاني من داخل صنعاء ليحمل رسالة أكثر حدة، ووصف نائب وزير الخارجية في حكومة الحوثيين، عبدالواحد أبو راس، إعلانات شركات الطيران عن استئناف رحلاتها إلى مطار صنعاء بأنها "مزايدات تافهة في ظرف حساس"، وأضاف أن الجماعة تتجه إلى "انتزاع كامل الحقوق، وليس الرحلات الجوية فقط، ومن دون استجداء من أحد"، وفق تعبيره.

جاء تصريح أبو راس ليعكس مزاج مركز القرار الداخلي للميليشيا، ومنسجماً مع الأجواء التعبوية التي صنعتها الجماعة خلال اليومين الماضيين، إذ ألقى عبدالملك الحوثي خطاباً تصعيدياً رفع فيه سقف التهديد، في أعقاب أحاديث عن توجيهات إيرانية للجماعة بإغلاق مضيق باب المندب إذا استهدفت الولايات المتحدة محطات الكهرباء الإيرانية، ثم دفعت الجماعة بحشود كبيرة إلى ميدان السبعين في صنعاء، ضمن مسار يقدم المرحلة باعتبارها مواجهة مفتوحة تتجاوز ملف المطار.

وبينما تحدث وفد مسقط عن إمكانية تشغيل الرحلات ضمن اتفاق، تعامل موقف صنعاء معها باعتبارها أمراً هامشياً، وفيما ربط التصريح الأول المطار بحزمة التفاهمات الإنسانية، نقل أبو راس القضية إلى لغة "انتزاع الحقوق"، وهي عبارة تفتح الباب أمام خطاب تصعيدي يتضمن سلسلة مطالب بلا سقف محدد.

ويشير تسلسل الموقفين إلى وجود اختلاف في المقاربة بين الفريق التفاوضي الموجود خارج اليمن الذي ربما يدفع من جهات ذات صلة بملفات التفاوض إلى تجنب التصعيد، فيترك هامشاً للمبادرات والوساطات، وبين مركز الجماعة في صنعاء وصعدة الذي يدفع باتجاه رفع السقف والحفاظ على الزخم الذي صنعه خطاب عبدالملك الحوثي والحشد الجماهيري.

ويظل القرار النهائي داخل الجماعة بيد زعيم الميليشيا ومن يحيط به من مستشارين، وهم من يصلهم الموقف الإيراني والمطلوب منهم تنفيذه لتخفيف الضغط عن طهران، التي تعيش تحت وطأة سلسلة عمليات أمريكية جديدة تستهدفها منذ أسبوع، فيما يمكن القول إن الموقف الصادر من صنعاء هو التعبير الأقرب عن ذلك الاتجاه المسيطر في اللحظة الراهنة.

وهنا يمكن القول، إن إعلان عمّان قدم حلاً عملياً لمشكلة سفر المواطنين والتخفيف من المعاناة الإنسانية لهم، بينما قدم البيانان الحوثيان دليلاً على أن الأزمة الحقيقية تقع في خط طهران–صنعاء، والقرار السيادي على الأجواء، وسعي الجماعة إلى استخدام الجانب الإنساني غطاء لمسار تصعيدي يتجاوز المطار واليمن معاً، ليزج بالبلاد في خضم معارك إيران التي تسعى لإدخال باب المندب ضمن نقاط الضغط التي تستخدمها في حربها مع الولايات المتحدة.


شارك الخبر


طباعةإرسال