في البداية، عبد الملك الحوثي من خلال التقارير التي ترفع له من المختصين والدائرة المحيطة به يظن أنه سيكسب الحرب إن اندلعت.. وهو على قناعة تامة بأنه يمتلك القوات الكافية التي تؤهله لإخضاع كافة المناطق التي تحت سيطرة الشرعية في مأرب وشبوة والمخا والجوف وتعز وحتى عدن.
فخلال 11 سنة لم يتوانَ الحوثي في الإعداد للحرب وهو حين يوافق على الهُدَن ويوقع على الاتفاقيات يفعل ذلك كي يستعد لنقضها. وعنده من العقيدة والفتاوى المرجعية ما يحل له نقض أي اتفاق ما دام هو اتفاق مع كفار بـ"الولاية". وأي اتفاق مع كفار -بحسب عقيدته- فيجب نقضه والغدر به حال اقتضت الحاجة وتوفرت الفرصة السانحة.. وخلال 11 سنة ظل الحوثيون يعملون لتحقيق هذه الغاية في عدة محاور:
المحور الأول
النحت في الحاضنة الهاشمية وتحويلها إلى حاضنة عرقية عقدية طائفية مقاتلة عبر التأهيل الفكري والتعبئة الدينية الطائفية تنطلق من يقينيّات "الدين السلالي"، إضافة إلى التدريب والتأهيل العسكري والميداني بحيث يتحولون إلى جيش احتياط ميداني في قراهم ومدنهم وأحيائهم لوقت الحاجة ولهم مسؤولو تواصل وقيادة لتفعيلهم حالما تستدعي الظروف التي تقدرها قيادتهم.
المحور الثاني
الدورات الطائفية المغلقة والمكثفة لأبناء القبائل وكل فئات المجتمع في كل المحافظات ذات الكثافة السكانية العالية؛ سواءً في تعز أو إب أو ذمار وحجة والحديدة وريمة أو غيرها.. ومن يطمئن الحوثيون لقناعاته وولائه أضافوه للتدريب العسكري المكثف أيضًا وينضم إلى الجبهات والخلايا الجاهزة لحرب المدن والشوراع في أوساط المجتمع.
المحور الثالث
التجهيز والإعداد اللوجستي وتأمين المعركة في كل جوانبها واحتياجاتها سواء المالية أو الاحتياجات المساعِدة على تأمين الإمدادات للجبهات وطرُقها وتأمينها وبدائلها.
المحور الرابع
تأمين التسليح المشتمل على القوة الصاروخية والطيران المسير والآليات والأسلحة النوعية الثقيلة والمتوسطة وما يتبعها من تذخير وصيانة واحتياجات فنية. وهذه وصلت إليه من عدة جهات ودول، عبر منافذ تهريب بحرية يتواطأ في إيصالها له أطراف نافذة كشفت عنها تقارير دولية وتقارير أمنية ولمّحت إليها كثير من التصريحات الرسمية.
المحور الخامس
القيادة والسيطرة يعتقد الحوثي أنه يتفوق على قوات الشرعية في كونه يمتلك غرفة قيادة وسيطرة على قواته برأس واحدة وقرار واحد، بينما الشرعية تعاني تشتتًا وتعدد غرف القيادة والسيطرة بالإضافة إلى ما يمكن أن يستفيده الحوثي من حالة الصراع القائم بين الفصائل المنضوية في الشرعية لإيجاد حالة من التخادم ولو غير المباشر، وبالتالي فإن هزيمتهم بنظره ستكون سهلة في حال اندلعت الحرب.
المحور السادس
وهو ما يتعلق بالعقيدة القتالية حيث يظن الحوثي أن المقاتلين من جماعته يتميزون عن الجيوش اليمنية المنضوية في إطار الشرعية بأنهم عقائديون مؤمنون بفكرة الولاية مخلصون لها، وهزيمة العقائديين صعبة للغاية بينما ينظر إلى الجيش الوطني وبقية التشكيلات العسكرية في القوات المسلحة اليمنية أنهم مجرد "مرتزقة يعملون لصالح السعودية"، هذا الوهم يدفع الحوثي لأن يندفع لتبني قرار الحرب مغترًا بقوته إلى جانب إدراكه بحساسيات دولية كثيرة تجعل من تشكيلات الجيش الموالي للشرعية تعاني من اعتبارات وتقييمات إقليمية ودولية تصب لصالحه وهي ما يتعلق بموضوع النظرة الدولية للإخوان في المنطقة وغيرها من الاعتبارات، وهذا ما جعله مطمئناً إلى أن تسليح الجيش ودعمه أمر خاضع لتلك الاعتبارات والأوهام.. كما أن هذا الوتر عزفت عليه بريطانيا ودولة إقليمية شقيقة أخرى لعرقلة تجهيز الجيش وهو ما تجاوزه التحالف بعدة إجراءات ذكية.
المحور السابع
اعتماد الحوثي على الكتيبة الناعمة التي تمتلك نفوذًا كبيرًا في أروقة الأمم المتحدة ولها تأثير لا بأس به في تشكيل النظرة الدولية للصراع في اليمن، وتلك الكتيبة المنظماتية والحقوقية تتبنى مظلومية اليمن وتقدمها للعالم على اعتبار إن الحوثي يمثل تلك المظلومية الواقعة على اليمن الفقير والمستضعف من قبل جيرانه الأغنياء الأقوياء، وهذا التسويق الدولي للصراع في اليمن من أدوات إيران وشيعتها في المنظمات الدولية جعل تحركات الأمم المتحدة ومبعوثيها واحدة من العوائق الكبيرة أمام الشعب اليمني والشرعية في تقرير مصير بلدهم وتحريرها واستعادة المؤسسات.
والحقيقة إن الحوثي اجتهد كثيرًا في الإعداد للمعركة وبذل قصارى جهده فعلًا... ولكل مجتهد نصيب، ونصيبه هو ما كسبه من سيطرة خلال 12 سنة كاملة زائدة عما يستحقه.
لكن في المقابل، كيف هو الوضع العام لواقع الطرفين المتصارعين (الدولة والتمرد الحوثي)؟ وكيف هي الجبهات التي يستخف بها الحوثي في الجهة المقابلة؟
وكي نكون منصفين فلابد أن نعترف للحوثي ببعض الحق في تصوره عن الجبهة المقابلة وخاصة موضوع التناقضات والصراع الداخلي داخل الشرعية وكذلك تباين وجهات النظر في الإقليم والعالم فيما يتعلق بالأطراف المناوئة للحوثي.. هذا يحسب له، لكن هناك ما يجب التنويه له كونه الأهم في حسم الصراع من هذا النوع ويتلخص في الآتي:
أولاً: كل الفرقاء اليمنيين بكل تلاوينهم الفكرية والحزبية والقبلية مجمعون على أن العدو الأوحد والأخطر لهم جميعًا هو الحوثي.. وهو ما أسهم الحوثي نفسه في تكريسه وسط المجتمع اليمني. أي أنه بنفسه قدم لليمنيين خدمة كبيرة في تسويق نفسه عدوًا وجوديًا للجميع. أما العدوات بين الأطراف اليمنية الأخرى فلا تعدو أن تكون خصومات سياسية تستوعبها جلسات التصالح والتسامح والقواسم المشتركة.. أما الحوثي فقد أفصح عن نفسه بجلاء خلال 12 سنة؛ أنه لا قواسم مشتركة بينه وبين أي كيان سياسي أو اجتماعي أو فكري أو قبلي يمني.. إما هو أو الآخر ولا مساحة مشتركة أو حل وسط.
ثانيًا: أقنع الحوثي المواطن اليمني الذي يعيش في المحافظات التي يسيطر عليها بأنه عدو يجب إزالته وأن اليمن لن تجد حرية ولا استقرارًا ولا نماءً والحوثي سلطة قائمة أو جماعة ذات شوكة بأي حال من الأحوال، وبات المواطن بكافة انتماءاته السياسية والقبلية والاجتماعية والفئوية مقتنع قناعة تامة أن الحوثي كارثة يجب أن يواجهها الجميع ويجب الخلاص منها عاجلًا.
ثالثًا: فساد الحوثي وقمعه وعنصريته وممارساته أدخلته في حالة عزل شعبي واجتماعي وجعلت الجميع يتحين الفرصة للانقضاض عليه حال تقدمت القوات المسلحة اليمنية واقتحمت الجبهات واشتبكت اشتباكًا حقيقيًا مع الحوثي وشعر اليمنيون بجديّة الشرعية في التحرير. ومعلوم أن العزلة الاجتماعية بوابة الهزائم والخسائر حال اندلعت الحروب.
رابعًا: القوات المقابلة في معسكرات الشرعية ومناطق سيطرة الشرعية تترسخ في أوساطها ثقافة دينية ووطنية يعتنقها المقاتل اليمني وتدفعه للفداء والتضحية فهو بهذا الاعتبار مقاتل عقائدي أشرس من المقاتل الحوثي وأكثر اندفعًا للموت والثبات في الميدان.
خامسًا: فاجأت الشرعية الحوثي بالطيران الحربي ولربما هناك مفاجآت أكثر قوة ستفصح عنها المعركة إن اندلعت، ولربما تفاجأ الحوثي بتسليح نوعي وقدرات تسليحية للقوات المسلحة اليمنية لم يكن يتوقعها.
وبالمناسبة يظن الحوثي أن أخبار قوات الشرعية وقدراتها مكشوفة له بسبب عمليات الاختراق والتجسس التي يجيدها الحوثي والتي حصل عليها من تشكيلات الأمن القومي والأمن السياسي للدولة التي ورثها، وما أتيح له دوليًا عبر الضغط على الشرعية في إبقاء الاتصالات تحت سيطرته ليكون الجيش وتحركاته واتصالاته مكشوفة. إضافة إلى ما يحصل عليه من تسريبات أخرى. ولربما حولها الجيش والأمن إلى عبء على الحوثي نفسه، أو صارت لعبة تجيدها القوات المسلحة اليمنية للتلاعب بالحوثي فلا يعلم هل هو مخترق أم الشرعية مخترقة.
سادسًا: فيما يتعلق بالحرب إن اندلعت هناك عوامل قوة حاسمة لصالح الشرعية تتمثل أولًا في إمكانياتها القتالية الكبيرة والمتعددة في كافة الجبهات.. إضافة إلى الحاضنة الشعبية العالية المساندة في كل قرية ومدينة ومحافظة يمنية يسيطر عليها الحوثي بالإضافة إلى الإسناد الشعبي المعنوي الذي يتمتع به الجيش الوطني والقوات المسلحة اليمنية.. ناهيك عن الإسناد القوي خلال عشر سنوات من قبل التحالف بقيادة السعودية وتوفير كافة متطلبات الجيش مما جعله اليوم مستقلًا مستكفيًا غير محتاج للتدخل السعودية المباشر في المعركة.
سابعًا: ما ذكرناه سابقًا بشأن اللوبي الحقوقي في المنظمات الدولية التي تولت حمل المظلومية الحوثي في أروقتها وأثرت بشكل كبير على نظرة الأمم المتحدة وتقييماتها للصراع في اليمن ما جعل قراراتها مبنية على معادلة خارج مفهوم الدولة اليمنية والشرعية الدولية، هذا صار اليوم أقل حدة وأكثر ميلًا لصالح السردية التي تتبناها الشرعية، وإن كانت الشرعية في هذا الاتجاه تعاني خذلانًا كبيرًا من قبل مسؤوليها وسفرائها وسفاراتها، وملحقياتها حول العالم فأغلب السفارات لم تعش المعركة واكتفت بالتمثيل الدبلوماسي الشكلي المتخاذل البعيد عن المعركة.
أخيرًا: يحرص الحوثي على الزج باسم السعودية في كل خطاباته ليهرب من مواجهة اليمنيين ويشن حملات دعائية هستيرية بأنه يواجه السعودية وليس الشعب اليمني وقواته المسلحة، بينما باتت السعودية اليوم ترقب المعركة بحياد بل وأغلب الأحيان تتولى دور الوسيط إضافة إلى الإسناد السياسي للشرعية اليمنية المعترف بها دوليًا فقط..
أما الإسناد العسكري فقد أخذ دوره في الماضي، وانتهى بإعلان واضح وشجاع، وصارت الشرعية اليوم تستورد سلاحها وتنفرد بقرار الحرب، وعلى الحوثي أن يواجه اليمنيين بعيدًا عن التعلق بمشجب السعودية التي يعيش في أراضيها 3 مليون يمني ويعيلون أكثر من ثلثي الشعب اليمني في الداخل مما يكسبونه من خيرات هذه الدولة، والعدوان عليها واستعداؤها هو عدوان على كافة الشعب اليمني واستهداف لكل اليمنيين فيها والملايين من عائلاتهم وذويهم في اليمن.

أحمد نعمان اليفرسي