على الرغم من شهرة الحسن بن أحمد الهمداني، لسان اليمن، وبقاء اسمه لامعاً وحاضراً عبر الأزمان، إلا أننا لا نعرف عن حياته أكثر مما أخبرنا هو عن نفسه في مؤلفاته: خيوط متفرقة نلتقطها مما تبقى من أجزاء الإكليل، ومن "صفة جزيرة العرب"، ومن "المقالة العاشرة" و"الجوهرتين العتيقتين".
فمنها عرفنا بدقة تاريخ ومكان ميلاده، ونسبه، ولمحات عن رحلاته، وبعض علاقاته ومواقفه وخصوماته ومؤلفاته المفقودة، وعن شيوخه الذين روى عنهم (مثل أبي نصر نسابة حمير والأوساني والشهابي والخنفري والأبرهي.. وغيرهم)، وإشارات موجزة إلى نكبته بالسجن مرتين.
- دائرة معارف في شخص واحد
إنك إذا تحدثت عن الهمداني، فأنت تتحدث عن دائرة معارف مكتملة في شخص واحد:
- الهمداني الفيلسوف الذي قال عنه صاعد الأندلسي صاحب "طبقات الأمم" في القرن الخامس الهجري: "ولا أعلم أحداً من صميم العرب اشتهر بالفلسفة إلا أبا يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي وأبا محمد الحسن بن أحمد الهمداني".
في ثمانينات القرن الماضي، حاول المستشرق السويدي كريستوفر تول، وهو محقق كتاب "الجوهرتين العتيقتين"، إثبات صفة الهمداني كعالم وفيلسوف، وهي الصفة التي نسبها إليه صاعد الأندلسي.
وجاء في ورقة قدمها تول في الندوة الدولية حول الهمداني بجامعة صنعاء عام 1981م، أن الهمداني بصفته فيلسوفاً، يتناول مسائل التكون والفساد في المادة، وتحول عنصر إلى آخر، وتأثير الأجرام السماوية على الأرض، "وإلى هذا الحد، هو تابع للفلاسفة اليونان، حتى إنه يقتبس من أعمال أرسطو المتعلقة بتوليد الحرارة".
وأضاف: "لكن في عمله الفلكي "سرائر الحكمة"، يعارض الهمداني أرسطو، مؤكداً أن كل جزء من الكرة السماوية مرتبط بجزء مقابل له من الأرض.
تنقسم الكرة السماوية وفقاً لبروج الفلك، وهذا التقسيم يحكم أيضاً تقسيم الفصول.
وفي كتاب "الجوهرتين"، يقدم الهمداني مسحاً للفصول مع ما يتبع كل فصل من صفات وعناصر وأخلاط طبيعية، كما يخبرنا بالمواد المرتبطة بكل كوكب أو برج؛ فالرصاص مثلاً ينتمي إلى كوكب زحل وإلى برج الجدي. ويتفاوت تأثير الكواكب"، ("كريستوفر تول، "الهمداني كعالم"، ورقة قُدمت إلى الندوة الدولية حول الهمداني بجامعة صنعاء، 1981م، ونشرت في كتاب الهمداني لسان اليمن في ذكراه الألفية، بتحرير يوسف محمد عبد الله).
- الهمداني المؤرخ والنسّابة، الذي حاول أن يجعل من الماضي نقطة مرجعية لإعادة بناء وترميم الذات اليمنية المتصدعة (سواء في "الإكليل" درّة أعماله، رغم أن 6 أجزاء مفقودة من أصل عشرة، أو في مؤلفاته الأخرى في التاريخ والمفقودة هي أيضاً مثل كتاب "الأيام والسير" و"الأخبار").
- الهمداني الباحث في الآثار وقارىء نقوش المسند، يلتقط من الحجر ما قصّرت عنه الروايات.
- الهمداني الرحالة والجغرافي (وأهم أعماله في هذا المجال "صفة جزيرة العرب" و"المسالك والممالك" مفقود).
- الهمداني عالم الكيمياء والخبير بالجواهر والعملات والمعادن، ويظهر ذلك في كتابه "الجوهرتين العتيقتين المائعتين من الصفراء والبيضاء".
- الهمداني الفلكي والخبير بحساب النجوم، على مذهب اليوناني بطليموس (ويظهر هذا في كتابه "سرائر الحكمة" المفقود عدا مقالته العاشرة)،
- الهمداني الشاعر الملحمي، الذي كان شعره سلاحاً في سجالات عصره، لا سيما قصيدته التي أسماها "الدامغة".
- فوق ذلك كله، يتبقى لدينا الهمداني المناضل والأب الرمزي للوطنية اليمنية وصانع متنها الأول، في عصر لم تكن فيه الوطنية مفهوماً معروفاً في العالم، بقدر ما كانت إحساساً أولياً بالانتماء والمصير. فكتاب الإكليل هو "سفر التكوين" اليمني، وربما أراده نظيراً لـ "سفر التكوين" العبراني التوراتي.
في القرن السابع الهجري، كتب عنه المؤرخ المصري القفطي قائلاً: "الأديب النحويّ الطبيب المنجّم الأخباريّ اللغويّ اليمنيّ المعروف بابن الحائك.
نادرة زمانه، وفاضل أوانه، الكبير القدر، الرفيع الذّكر، صاحب الكتب الجليلة، والمؤلفات الجميلة.
لو قال قائل: إنه لم تخرج اليمن مثله لم يزلّ؛ لأن المنجّم من أهلها لا حظَّ له في الطبّ، والطبيب لا يد له في الفقه، والفقيه لا يد له في علم العربية وأيام العرب وأنسابها وأشعارها، وهو قد جمع هذه الأنواع كلَّها، وزاد عليها".
في "المقالة العاشرة من سرائر الحكمة"، حدد الهمداني تاريخ ومكان ميلاده بدقة: ولد في صنعاء 19 صفر 280 هجرية (893 ميلادية) لعشر ساعات من النهار مستوية.
وقد عاش متنقلاً بين صنعاء التي ولد فيها، وصعدة التي قضى فيها سنوات صباه وشبابه، ثم ريدة التي احتضنت الفصل الأخير من حياته، وهو الفصل الأخصب من ناحية الإنتاج العلمي والأدبي، وتوفي ودفن فيها.
في سنواته التكوينية، ارتحل إلى مناطق كثيرة في الجزيرة العربية، وأقام في مكة مدة طلباً للعلم (رحل إليها عام 306 هجرية، ويقال أنه أقام فيها ست سنوات)، وربما سافر مرة إلى العراق لأغراض علمية (كما ذكر القفطي). ("ويظهر أن مسيره الى العراق محلّ شكّ، ولعله تعرف ببعض علمائه أثناء اقامته بمكة"، من ترجمة الهمداني في كتاب صفة جزيزة العرب).
أصل عائلته من المراشي في الجوف، وكان أول من انتقل منها إلى الرحبة شمال صنعاء هو جده الثالث يوسف، قبل انتقاله بعد ذلك إلى مدينة صنعاء، وقد قال عنه حفيده في الإكليل: "سكن صنعاء في آخر عمره، وحمل بها هو وأولاده، وكان لهم بصر بالإبل لم يكن لأحد من العرب"، (الإكليل، ج10، ص199).
كان والده ينشط في تجارة الذهب، وكان كثير الترحال إلى الحجاز والعراق والشام ومصر. وكان بعض أقاربه يشتغلون في التعدين، والبعض الآخر في الجمالة، وربما اشترك معهم في صباه في نقل الحجاج والتجار من صعدة إلى مكة.
ومع أن الهمداني من ناحية النسب القبلي "بكيلي"، إلا أنه عاش جُلّ حياته حليفاً وجليساً وخليلاً ومادحاً لزعيم حاشد أحمد بن محمد بن الضحاك.
ويذكر راوي الإكليل محمد بن نشوان الحميري أن الهمداني كان من الضحاك خلّ وصاحب، وأنه شهد ستاً ومئة وقعة، كان أكثرها بين حزبه وبين [حزب] يحيى بن الحسين العلوي [الهادي]، وأن الضحاك تمكن في إحدى المرّات من أسر محمد بن يحيى [ابن الهادي] وذلك في معركة يوم أتوة [مكان في أرحب]، (الهمداني، الإكليل، ج10، ص74 و75).
وقد أسبغ الهمداني على الضحاك ألقاباً رفيعة، فوصفه بأنه "سيد همدان وصاحب الوقائع والأيام"، وقال عنه أيضاً: "كان مظفراً له راية. وقُتل أبوه وهو ابن سبع سنين، فراعى ثأره في آل يعفر سبعاً وخمسين سنة، ثم قتل منهم خمسة بخديعة".
ثم يقول: "وهذا البيت من المعيديين لا يرون لهم كفؤاً من حاشد، وقد طمع محمد بن يحيى بن الحسين بالصهر إليهم فأعجزه ذلك"، (الهمداني، الإكليل، ج10، ص75).
ومن الملاحظ أن الهمداني في كتبه لم يكن يستخدم لقب "شيخ" عند حديثه عن زعماء القبائل، ما يعني أن هذا اللقب انتقل إلى المجال اليمني في أزمنة لاحقة.
في ذلك الوقت، كان الضحاك يتقاسم السيادة على همدان الكبرى مع الدعام بن إبراهيم زعيم بكيل.
ولهذا نجد صاحب الإكليل حتى عند حديثه عن الدعام، يقول عنه "سيد همدان في عصره والزائد على من تقدمه نجدة وفروسية…الخ"، (الإكليل، ج10، ص154).
لكنه أشار إلى أن الدعام، بعد حروبه مع اليعفريين، وبسبب استعانة هؤلاء بالخلافة العباسية عليه، اتجه إلى محالفة وموالاة الهادي، يقول: "ولم يزل [الدعام] بصنعاء حتى أخل عليه محمد بن أحمد بن الروية إلى حفتم بن حسن (الوالي العباسي في صنعاء)، فبعث الموفق والمعتضد إلى اليمن في نصرة أبي يعفر، فخرج منها الدعام، ثم عادها كرة أخرى، ثم لاءم العلوي يحي بن الحسين بعد ذلك إلى آخر أيامه، وأسلم إليه بلد همدان"، (الإكليل، ج10، ص156).
ويمكن أن نفهم من هذه الإشارة شيئين:
أن الهمداني يحمّل الدعام المسؤولية عن تسليم بلد همدان، وأن التنافس بين الدعام والضحاك على زعامة همدان لم يكن هو السبب في الدفع بالدعام إلى موالاة الهادي.
لكن الهمداني لم يذكر أن أبناء الدعام خالفوا أبيهم ومدوا أيديهم لـ علي بن الفضل (الإسماعيلي المنشق) في مواجهة الإمام الناصر بن الهادي. وكانت للدعام الأب قبل ذلك وقائع مشهودة في محاربة الهادي، يذكرها كاتب سيرة هذا الأخير بالتفصيل.
يُعرف الهمداني عند الرواه وكتّاب السير بـ "ابن الحائك".
يقول المؤرخ جمال الدين القفطي (توفي 646 هجرية) مفسّراً هذا اللقب: "فأما تلقيبه بابن الحائك؛ فلم يكن أبوه حائكاً، ولا أحد من أهله، ولا في أصله حائك؛ وإنما هو لقب لمن يشتهر بقول الشعر. وكان جدّه سليمان بن عمرو المعروف بذى الدّمينة شاعراً؛ فسمي حائكاً لحوكه الشعر".
أما هو فقد اختار لنفسه لقب "لسان اليمن"، ويا له من اختيار!
وكان من شدة حرصه عليه أن أضافه إلى إسمه في متن الجزء العاشر من الإكليل أثناء حديثه عن نسب عائلته.
وقد كان بالفعل "لسان اليمن"، لا مبالغة في ذلك ولا شطط، وكان "حائكاً" مبدعاً للوحدة الأدبية والرمزية لبلاده.
فقد وحّد اليمن في "الإكليل" بسلاسل الأنساب -أكانت وهمية أو حقيقية- وبما رواه من أخبار التاريخ القديم كذاكرة مشتركة.
ووحّد اليمن بالجغرافيا في "صفة جزيرة العرب". ووحّد اليمن في شعره الملحمي السجالي.
وليس بلا معنى أنه لم يكتب عن المذاهب والفرق والنحل في زمنه، ولم يؤرخ لها.
لم يكن حريصاً على رسم خريطة لانتشار المذاهب والأديان في زمنه، فلا تكاد تجد في كتبه كلمات مثل زيدية أو شافعية أو حنفية أو مالكية عند حديثه عن المناطق وساكنيها.
صمته عن هذا الموضوع برمّته دليل على تجاهل واعٍ، ولعله رأى فيه عنصر تفريق لا عنصر جمع وتأليف، وهذا يتنافى مع مشروعه.
حتى حين كان يتحدث عن الهادي في أي سياق تاريخي، فهو لم يكن يسميه إلا "العلوي" فقط، بلا ألقاب ولا ذكر لمذهبه وملّته، وعند الجمع "علويين".
هناك إشارة يتيمة في "المقالة العاشرة" يقول فيها أنه أثناء إقامته في مكة لتلقي العلم "مال إلى مذهب الجماعة"، حين كان في السادسة والعشرين من العمر.
وممن لاحظوا هذا التحاشي للدين عند الهمداني عالم الآثار الفرنسي كريستيان روبان: "إن الإخباريين في عهد النهضة اليمنية يتحاشون بقدر المستطاع، كل إشارة إلى الدين. فالهمداني، في "صفة جزيرة العرب"، لا يفرد مقالا خاصا بالأماكن المقدسة، بينما هو من الأغراض الضرورية في مثل هذا الجنس من المصنفات.
يحدث ذلك كما لو كان الدين مسألة ثانوية. وتفسير ذلك، بلا ريب نجده في التوترات السياسية والدينية في ذلك العصر، التي دفعته إلى تحاشي النظر في عوامل الافتراق"، (كريستيان روبان، حمير من النقوش إلى الأخبار، 2024م).
ما لا شك فيه أن أفكار ولفتات الهمداني الموزعة في كتبه تغطي طيفاً واسعاً من معارف وعلوم عصره: تاريخ وأنساب، وآثار، وزراعة، ونبات وحيوان، وطب قديم، وتعدين وصنائع، وتنجيم، ومناخ، وجغرافيا وتضاريس، وأجسام وطباع وأخلاق الناس، وإشارات ثمينة عن الأطعمة والأزياء واللهجات والعمارة والأسلحة، والأدب والسياسة.
وحسب ما نعلم، لم يترك الهمداني كتاباً مخصوصاً في الفلسفة، على نحو ما نفهم اليوم أو ما كان يفهمه اليونانيين من كلمة فلسفة.
لكن لو وسعنا المفهوم ليشمل البحث والتأمل في الظواهر الكونية وتعليلها، فسنجد الهمداني الفيلسوف في كثير من كتبه المتاحة، وقد نركز بشكل خاص على "سراير الحكمة"، وهو مفقود عدا المقالة العاشرة منه، أو الجزء العاشر المتعلق بصناعة النجوم.
وقد ذكره الهمداني في "الاكليل" في سياق تعقيبه على من قال بأن حمير أول من أحدث اللغة الحميرية: "كل هذا بالتقليد والقول المطلق، وقد بيّنا علل اختلاف الكلام في جميع نواحي الأرض في كتاب سرائر الحكمة".
وكتاب الإكليل ليس من الكتب التي تعطي أسرارها لأول عابر، أول لأول قراءة.
تحتاج إلى أن تتردد عليه، وأن تألفه، وأن يكون لديك ولع شديد بالتنقيب عن ألغاز اليمن وأسراره وشفراته، وقبل ذلك ثقافة تاريخية تعينك على التمييز والمتابعة المستنيرة.
وهو من جانبه لن يبخل عليك، وفي كل مرة ستعود منه بفائدة جديدة، لمحة عن شيء ما، فهو نادراً ما يفصّل.
* (المصدر أونلاين)

محمد العلائي