508 حالات إخوة و1565 إضافة في عام واحد.. لجنة حكومية تكشف اختلالات وتجاوزات واسعة في ملف الابتعاث للدراسة بالخارج

508 حالات إخوة و1565 إضافة في عام واحد.. لجنة حكومية تكشف اختلالات وتجاوزات واسعة في ملف الابتعاث للدراسة بالخارج

كشف تقرير اللجنة الحكومية المكلفة بمراجعة قوائم المبتعثين في الخارج وآليات الابتعاث عن اختلالات واسعة رافقت إدارة ملف الابتعاث الحكومي خلال السنوات الماضية، تضمنت تعطيل اللجان القانونية، والاعتماد على التوجيهات الشخصية، والتدخلات غير الرسمية، ووجود حالات إضافات خارج الأطر المعتمدة، فضلاً عن مخالفات في معايير الاختيار والتخصصات والتمديدات والاستمرارية.

وأكد التقرير، المقدم لرئاسة الوزراء في فبراير 2023م، والذي أعدته لجنة أكاديمية شكلت بقرار رئيس مجلس الوزراء السابق معين عبدالملك، رقم (39) لسنة 2022م، أن عملية الابتعاث منذ انتقال وزارة التعليم العالي إلى العاصمة المؤقتة عدن عام 2016م، شهدت حالة من "العشوائية والفوضى"، نتيجة عدم تطبيق قانون البعثات والمنح الدراسية رقم (19) لسنة 2003م، وتعطيل اللجان المنصوص عليها قانوناً، والاعتماد على آليات غير رسمية في اختيار عدد كبير من المبتعثين.

وأشار التقرير إلى أن اللجنة واجهت صعوبات كبيرة أثناء عملها، أبرزها غياب قاعدة بيانات إلكترونية موحدة للمبتعثين، وعدم وجود أرشيف منظم، إضافة إلى تحفظ بعض الجهات في تسليم عدد من الوثائق والملفات التي طلبتها اللجنة، ومنها بعض محاضر اجتماعات لجان الابتعاث وملفات التوجيهات العليا وكشوفات المبتعثين بحسب المحافظات.

وأوضح التقرير أن اللجنة قامت بمراجعة كشوفات الابتعاث، وملفات عدد من الطلاب، ومحاضر الاجتماعات، والوثائق الرسمية، إلى جانب إجراء لقاءات مع قيادات وزارة التعليم العالي وقطاع البعثات وعدد من المسؤولين السابقين، قبل إعداد تقريرها النهائي ورفع توصياتها.

تعطيل القانون وغياب اللجان المختصة

وكشف التقرير أن عملية الابتعاث خلال السنوات الماضية تمت خارج الإطار الذي حدده قانون البعثات والمنح الدراسية، موضحاً أن القانون ينص على إدارة ملف الابتعاث عبر اللجنة العليا للبعثات والمنح الدراسية ولجنتين تنفيذيتين مختصتين.

وقال التقرير إن هذه اللجان لم تُفعّل منذ انتقال الوزارة إلى عدن، الأمر الذي أدى إلى غياب الرقابة المؤسسية، وضعف مبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص، وفتح المجال أمام التدخلات الشخصية والوساطات.

وأشار إلى أن الوزارة شكلت لجنة داخلية عام 2018م للإشراف على عملية الابتعاث، لكنها اقتصرت على قيادات من الوزارة نفسها، ولم تضم ممثلين عن الجهات الحكومية الأخرى المعنية، معتبراً أن دورها كان محدوداً وأن كثيراً من المنح والإضافات لم تمر عبرها أو خضعت لاحقاً للتعديل.

التوجيهات الشخصية بديلاً عن المفاضلة

وخصص التقرير جزءاً واسعاً لملف المساعدات المالية، مؤكداً أنها كانت أكثر أنواع الابتعاث التي شهدت مخالفات، بسبب اعتمادها على التوجيهات بدلاً من الإعلان والمفاضلة.

وأوضح أن التوجيهات كانت تصدر من جهات متعددة، بينها رئاسة الدولة والحكومة وبعض المسؤولين والمحافظين وأعضاء مجلس النواب وشخصيات اجتماعية، إضافة إلى قيادات داخل الوزارة.

وبحسب التقرير، فإن هذه الآلية فتحت الباب أمام تدخل العلاقات الشخصية والقرابة والانتماءات السياسية والمناطقية، فضلاً عن ما وصفه التقرير بوجود شكاوى حول دور السماسرة داخل قطاع البعثات.

وأشار إلى رصد حالات لطلاب بمعدلات ضعيفة حصلوا على منح، وحالات لطلاب لم يجتازوا امتحانات المفاضلة ثم ظهروا ضمن كشوفات المبتعثين، بينهم طالب ابتعث لدراسة الطب البشري رغم عدم اجتيازه امتحان المفاضلة.

تزوير وثائق وتوجيهات وإضافات خارج المعايير

ولفت التقرير إلى أن غياب الضوابط أدى إلى ظهور حالات تزوير، بينها توجيه منسوب إلى مسؤول رفيع تبين لاحقاً أنه مزور، إضافة إلى حالات أخرى تضمنت تزوير شهادات وتوقيعات وتوجيهات.

وأشار إلى وصول إحدى القضايا إلى محكمة الأموال العامة في عدن، وتتعلق بأكثر من 80 توجيهاً وتوقيعاً مزوراً منسوباً لأحد مسؤولي قطاع البعثات.

كما كشف التقرير أن ملف الإضافات شكل أحد أبرز مصادر الخلل في عملية الابتعاث، موضحاً أن عدد الإضافات خلال عام 2018م بلغ 1565 إضافة، بكلفة مالية وصلت إلى نحو 2,910,900 دولار في الربع الواحد.

وأضاف أن الربع الثالث من العام ذاته شهد وحده 585 إضافة، بكلفة سنوية تقدر بنحو 4,352,400 دولار.

وأكد التقرير أن هذه الإضافات لم تكن خاضعة لمعايير واضحة، وأنها جاءت في كثير من الحالات بناء على توجيهات شخصية وعلاقات واعتبارات غير أكاديمية.

كما أشار إلى أن بعض ملفات الإضافات كانت تفتقر إلى قرارات ابتعاث أو وثائق مكتملة، وأن بعضها اعتمد على صور مرسلة عبر تطبيق "واتساب".

508 حالات إخوة و284 عائلة تستحوذ على منح

وفي ملف آخر، كشف التقرير عن وجود 508 حالات إخوة بين المبتعثين، تراوحت بين شقيقين وحتى خمسة أشقاء من الأسرة الواحدة.

وأشار إلى أن المراجعة كشفت وجود نحو 284 عائلة حصلت على أعداد كبيرة من المنح، موضحاً أن بعض الأسر حصلت على أكثر من 16 منحة، في حين لم تحصل بعض الجامعات الحكومية إلا على مبتعث واحد.

واعتبرت اللجنة أن هذه الظاهرة تمثل إخلالاً بمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص، مشيرة إلى أن نسبة الإخوة والعائلات بلغت نحو 33% من إجمالي المبتعثين.

ابتعاث في تخصصات متوفرة داخل اليمن

وانتقد التقرير ابتعاث طلاب لدراسة تخصصات متوفرة في الجامعات اليمنية، رغم أن القانون يشترط أن يقتصر الابتعاث الحكومي على التخصصات النادرة.

وأوضح أن عدد مبتعثي الجامعات الحكومية في التخصصات الإنسانية بلغ 233 طالباً وطالبة، يمثلون 36% من إجمالي المبتعثين، بكلفة مالية تصل إلى نحو 1,733,520 دولاراً سنوياً.

وأشار إلى حالات اعتبرها غير منطقية، بينها ابتعاث طلاب لدراسة اللغة العربية في دول آسيوية، أو اللغة الإنجليزية في دول لا تعد وجهات رئيسية لهذا التخصص.

معدلات منخفضة ووثائق ناقصة

وأكد التقرير وجود حالات ابتعاث لطلاب بمعدلات منخفضة، بعضها في تخصصات حساسة مثل الطب البشري وطب الأسنان والهندسة.

كما كشف عن ملفات لم تكن تحتوي على الوثائق الأساسية، بينها شهادات الثانوية العامة أو الوثائق المعتمدة، مشيراً إلى أن بعض الطلاب صدرت لهم قرارات ابتعاث رغم استكمال وثائقهم لاحقاً.

تمديدات غير قانونية ومبتعثون منذ سنوات طويلة

وتناول التقرير ملف التمديد والاستمرارية، موضحاً أن بعض المبتعثين استمروا لسنوات طويلة رغم تجاوز المدة القانونية للدراسة.

وأشار إلى وجود طلاب مبتعثين منذ عامي 2010 و2011 لا يزالون يتلقون المساعدة المالية، إضافة إلى حالات أخرى تجاوزت المدة المحددة بسبب التعثر أو طلبات التمديد المتكررة.

واتهم التقرير آليات التمديد بأنها أصبحت عرضة للوساطات والمجاملة، مؤكداً أن بعض الحالات حصلت على تمديدات استثنائية رغم انتهاء المدة القانونية.

اختلالات في منح التبادل الثقافي

ولفت التقرير إلى أن منح التبادل الثقافي كانت أفضل نسبياً من غيرها، لكنها لم تخلُ من التجاوزات، مشيراً إلى وجود منح لم تعلن عنها الوزارة، وأخرى لم تخضع لمفاضلة واضحة.

كما تحدث عن استحواذ أبناء بعض موظفي السفارات على نسبة كبيرة من المنح، مخالفين - بحسب التقرير - الضوابط القانونية الخاصة بمنح أبناء الدبلوماسيين.

غياب قاعدة بيانات موحدة

وفي ختام عرضه للمشكلات، أكد التقرير أن غياب قاعدة بيانات إلكترونية شاملة للمبتعثين تسبب في تكرار بعض الحالات وظهور أسماء مزدوجة في أكثر من كشف، داعياً إلى إنشاء نظام مركزي يضم جميع المبتعثين من مختلف الجهات الحكومية.

توصيات بإصلاح شامل.

وخلصت اللجنة إلى ضرورة إعادة تفعيل اللجان القانونية الخاصة بالابتعاث، ووضع معايير معلنة وشفافة للاختيار، وإيقاف العمل بالتوجيهات الشخصية، وإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة، وربط استمرار المبتعثين بالتفوق والالتزام الأكاديمي، ومراجعة أوضاع جميع المبتعثين وفق القانون.

وأكد التقرير أن إصلاح ملف الابتعاث يتطلب الانتقال من إدارة تعتمد على العلاقات والتوجيهات إلى نظام مؤسسي يقوم على العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص.


شارك الخبر


طباعةإرسال