كبرت المشاريع الصغيرة وصغرت الكبيرة

 

أجزم بأن النخبة السياسية التي كانت وما زالت تسمي دعاة القضية الجنوبية بأصحاب المشاريع الصغيرة تعي جيداً أنهم على حق، وقضيتهم عادلة بامتياز دون ريب، لكن سقف هذا الطرح والمطالبة به وفقاً لأجندة يرون من وجهة نظرهم تغيض السلطة والقصر الرئاسي لأن في ذلك الأمر ضرب للمصالح التي لا يقوى على تحملها من يدعون أن القضية الجنوبية مدخل للإصلاح بشرط أن تكون تحت سقف الوحدة، ومن قبل كانوا لا يعترفون بشيء اسمه قضية الجنوب إلى درجة صراع داخل الاشتراكي بين تيار إصلاح مسار الوحدة "أصحاب المشاريع الصغيرة" كما يحلو تسميتهم من قبل التيار المناهض لأطروحاتهم، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات عادت الساحة الجنوبية إلى خط المواجهة بعد مؤتمر التصالح والتسامح الذي رعته جمعية ردفان عام 2006 إلى واجهه الجنوب، لتتحول المسيرة من بيانات وتراشقات داخل صحيفة الثوري وقاعة اللجنة المركزية إلى ساحات لسقوط القتلى والجرحى مضرجين بالدماء ليحصد الحراك الجنوبي إلى يومنا هذا 23 شهيداً و42 جريحاً يصاحبه غليان وتصاعد في الشارع الجنوبي فاق كل التوقعات مع تعاطف شعبي واجتماعي منقطع النظير وصل إلى درجة سقوط شرعية فردع الأحزاب في الجنوب لتلتحق قواعدها بمسيرة الحراك الجنوبي المظفرة، فالتمرد على فروع الأحزاب خلق حالة من الإرباك للمركز السياسي "السلطوي والمعارض" من خلال تشكيل فصائل جنوبية، الأمر الذي جعل دعاة المشاريع الكبيرة يراجعون حساباتهم ويتساءلون كيف كبرت المشاريع الصغيرة؟
 
بينما المشروع الوطني الكبير يواجه خطراً أمام تعاظم التأييد الشعبي في الجنوب، وبالتالي شرعية الأحزاب في طريقها إلى السقوط إذا لم نقل سقطت. ما يخيف الناس ويدعو إلى القلق هو ما نشاهده من الحشود الجماهيرية بالآلاف يحملون السلاح في يافع، دثينة، الضالع، ردفان، طور الباحة.
 
هذا المثلث المسلح كان يشكل المؤسسة العسكرية لجيش الجنوب، وأعرف جيداً أن وقوده البشري على قدر عال من الكفاءة لخوض المواجهات العسكرية وحرب العصابات، وتجربتهم متقدمة في كافة فنون العمل العسكري والقتالي، والأبعد من ذلك أن هذا التكتل البشري تربطهم وشائج اجتماعية وعصبية قبلية وجغرافية، علاوة على أن معظم قياداتهم هم خريجو مؤسسات أكاديمية عسكرية في دول أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي سابقاً.
 
احتقان الدماء وتزايد الجرحى في المسيرات السلمية له نتائج وخيمة، في عالم اليوم لم يعد بمقدور من يملك المصفحات والمدافع والطيران العسكري إخضاع الناس لخياراته بالقوة، وإن القضايا المطلبية لا تسقطها الآلة العسكرية. عيون العالم أضحت تتجه إلى اليمن أكثر من أي وقت مضى في رصد دقيق للأحداث.
 
الجنرال عمر البشير كانوا يوهمونه مستشاروه بأن فلول التمرد في دار فور منتهية ولا يوجد لها تعاطف دولي، وغياب التحذيرات المبكرة له من العالم الدولي قرأه بذهنيته كسياسي لا بما هو موجود على الواقع دفعه إلى التمادي في جرائم إبادة جماعية انتهى المسلسل في محكمة جنايات دولية، كذلك الغرور والمكابرة حالت دون اعتراف صدام حسين بخطأ احتلاله لدولة الكويت الشقيقة، وعندما طالبوه بالانتخاب اعتبر أنه ضعف وجبن وخوف، أدار ظهره لكل مبادرات التسوية وعرض شعب العراق إلى حصار انتهى بسقوط نظامه وخسر نجليه "قصي وعدي" وذبح يوم العيد أمام أنظار العالم وكأنه "ف ر و ف" رحمة الله عليه.
 
أنجع طريقة لتسوية المشكلات العالقة الحوار والاعتراف بالآخر بدلاً من الركون على مواجهة العنف وخلق اصطفافات مناهضة، عنها سوف يكون لكل فعل رد فعل والأوضاع تزداد تعقيداً. استخدام الأدوات البالية والقديمة التي لا تجدي نفعاً لتوظيفها، فمشروع الحفاظ على الوحدة بالضغط الأمني والعسكري أقرب طريق وأقصرها لخسارة الكل "جنوب وشمال" لأن الأوضاع في الشمال ملتهبة "نار تحت الرماد" كما يقال، وتفجر الأوضاع في الجنوب وصعدة سيدفع بأعضاء السلك الدبلوماسي إلى مغادرة صنعاء. شركات النفط تشكل عامل جذب لرجال الفيد بما فيها القائمين على حمايتها، ناهيك عن الثارات المتجددة في محافظات عديدة داخل نطاق الجغرافيا اليمنية.
 
إذن المشروع الوطني الكبير مصدر الخطر وتوصيف السلاطين والمشائخ بأصحاب القوى التقليدية في الجنوب لا أظن أنهم يشكلون رقماً كبيراً مقارنة بالقوى التقليدية في الشمال من حيث تاريخ الفيد والنهب، فالسلاطين الجنوب هم أول دعاة للمشروع المدني الحداثي بدءاً من سلطة "القمندان" إلى جبال يافع الشاهقة التي صنعت ملحمة في المساجلات الأدبية لمنابع الثقافة الخلاقة في تغذية الشعور الوطني على مرّ العصور ...الخ أعتقد أن المعادلة في سهول الوديان خرجت عن طور التحكم وامتداداتها بعيدة من الصعب سقوطها واحتواؤها لمجرد جولات مكوكية لمبعوثين دبلوماسيين من وإلى صنعاء.

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك