حفاظا على الوحدة.. على الرئيس أن يعلن الانفصال فورا؟

 

التاريخ شيء بغيض في اليمن. ثقيل دم، ممل، زائف، مكرور. سجل لعين مترع بالعداوات، والرايات التافهة، والمحاربين الخرقى، والزعامات المضجرة المفرطة في الأنانية والغباء واللؤم. لا شيء أصعب من صفق الباب في وجه التاريخ.
قلت تاريخنا سيء، لأنه لا يكف عن مطاردتنا، كذبابة متطفلة وعنيدة، تكافح لتحويل أنفك إلى مدرج هبوط وإقلاع. أقول هذا وأنا أعلم جيدا إلى أي حد تتسم، هذه الطريقة في هجاء التاريخ، بالسذاجة، والتعميم الإنشائي. بيد أنني سأغفر لنفسي هذه المرة، ربما لأنني مسكون بقلق دفين. ولسبب ما، لم أستطع مقاومة الرغبة في ازدراء الماضي، ذلك الشبح الذي أصبح في مخيلتي مرادفا للفوضى والتمزق وخيبة الأمل، بشكل منفر، ووجدتني أطلق الشتائم اليائسة في الفراغ المخنوق بظلال وأوبئة الزمن الغابر.
 
 
"عدنا إلى المربع رقم 1". هكذا قال الرئيس السبت الفائت، أو ما يوازي هذه العبارة. أكان الرجل مجانبا للصواب؟ كلا، لكنه لم يشأ أن يكون دقيقا وموضوعيا (وشجاعا إن شئتم) ليقول:" لقد أعدتكم أنا إلى المربع رقم 1". بدلا من ذلك قال "عدنا"، وكأن هذه العودة ليست قسرية بقدر ما هي ترجمة حرفية، لرغبة جماعية في زيارة المربع، حيث كان الرئيس يلعب فيه دور الفارس الذي لا يقهر. المربع المقيت والمرصوف بجنازير الدبابات.
 
 
بفضل جهود الرئيس العظيم، تسود حالة من التعطش الجماعي إلى الماضي السحيق والقريب. اتجاه إجباري إلى الخلف. وإلا لماذا اختار طارق الفضلي 27 ابريل، دون غيره، لإقامة فعالية "الغضب" في زنجبار؟ إنه مدفوع بالغاية نفسها: العودة إلى المربع رقم واحد. والسؤال هو: ما الشيء الاستثنائي الذي حدث في 27 ليجعل منه محطة ذات دلالة؟ إن كنتم لا تتذكرون، إليكم رواية مقتضبة لفصل واحد من المربع سيئ السمعة الذي أشار إليه الرئيس. الولادة الرمزية لهذا المربع كانت في 27 أبريل 1994، حينما تناطحت 200 دبابة في عمران. في ذلك اليوم، كان ربيع 1994، قد بدأ يطوي آخر أيامه الكئيبة. لقد كان ربيعا مشئوما بحق، تفتحت فيه الكثير من الأحقاد، وذبلت فيه الكثير من الآمال. في ذلك الربيع بالذات، بلغت الأزمة السياسية بين الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام، طرفي الوحدة، درجة الغليان الذي يتعذر إخماده.
 
 
مطلع أبريل، جرى التوقيع على وثيقة العهد والاتفاق، في العاصمة الأردنية عمان. كانت الأجواء مشحونة بالكثير من التوجس والشك والنوايا الشريرة. ولئن أعطت الصورة التلفزيونية للشارع اليمني جرعة تفاؤل، فإن الجميع في الكواليس، انتابهم إحساس بأن الأمور وضعت أقدامها في نقطة اللاعودة. لم يجف حبر الوثيقة بعد، حينما انفجرت مواجهات مسلحة في دوفس بأبين، في الوقت الذي بدأ فيه العشرات من الموظفين الجنوبيين رحلة العودة من صنعاء. وبعد بضعة أيام تقريبا، اندلعت مواجهات مشابهة، في حرف سفيان، بين جناحين ضمن اللواء الخامس، الذي هو امتداد للقوات المهزومة في 13 يناير، التابعة للرئيس علي ناصر محمد. وفي هذه المواجهة تغلب الفريق المؤيد للرئيس صالح.
 
 
بحلول الـ5 من أبريل طار البيض من عمان إلى الرياض، بينما هبط صالح في صنعاء. وراح فعليا، كلا القائدين يشحذان سيفيهما، ويستعدان للنزال الذي لا مفر منه. لا تساوي شيئا وثيقة، يدرك الكل أن أحد الموقعين عليها كان يراها متصادمة مع طريقة تفكيره وتصوره لما يجب أن تكون عليه الأمور. (يبذل كثير من قيادة الاشتراكي جهدا مضنيا، لإثبات أن قوات الجنوب، كانت أقل جاهزية للمواجهة، رغبة منها في حل النزاع بالحوار، لكن الحقائق المتوفرة تشير إلى أن الاستعداد العسكري كان متبادلا، بصرف النظر عمن اختار المبادأة).
 
 
كانت الأزمة تعكس نفسها تلقائيا على الألوية والمعسكرات، التي تم نقلها ودمجها بمقتضى اتفاقية الوحدة، في الشمال والجنوب على السواء. ومن بين أكثر المعسكرات تأثرا بحساسية الوضع، لواءان في عمران: اللواء الثالث(جنوبي)، واللواء الأول مدرع (شمالي). قائد الأول العقيد الركن سيف علي صالح البقري، والثاني العقيد الركن حميد القشيبي.
 
 
نشب خلاف بين الجانبين. وفي صبيحة الـ27 من أبريل زارت اللواءين لجنة عسكرية، مؤلفة من قادة الجيش في الجانبين، والملحقين العسكريين لكل من الولايات المتحدة، والأردن، وفرنسا، وعمان، في مسعى لاحتواء التوتر. في الظهيرة، وبينما كانت اللجنة تستعد لتناول الغداء، أطلق مجهول أعيرة نارية، فأصاب ضابطا جنوبيا بجراح، فأشعل جحيما. لاذت اللجنة بالفرار، وأخذ الفريقان يتطاحنان بطريقة وحشية حتى الساعات الأولى من الليل. تحركت الدبابات بعضها تجاه الآخر، أطلقت نيرانها الحبيسة، ثم تناطحت. وجرت مذبحة هي الأكثر دموية في الحرب، حسب ما أظن، بالنظر إلى عدد القتلى في وقت قياسي، وبطريقة لا مثيل لها في الحروب اليمنية الداخلية.
 
 
ليس مهما معرفة لصالح من حسم القتال يومذاك. المهم هو أن الرئيس، في اليوم نفسه، كان قد ألقى خطابا ناريا في ميدان السبعين، أعلن خلاله شعار "الوحدة أو الموت"، وأبدى فيه استعداده بسخاء غريب تقديم مليون شهيد حفاظا على الوحدة، وهاجم بضراوة من أسماهم "دعاة الانفصال". والأكثر أهمية من هذا وذاك، هو أن ذلك اليوم أصبح يجسد نقطة فارقة في التاريخ. وعلى غرار كل نقاطنا التاريخية، نعشق دائما نسخها وإعادة تمثيلها، على علاتها طبعا، في مسارح مفتوحة بسعة جبال ردفان مثلا، وجبال مران شمالا. والإنسان عادة لديه قدرة خارقة على جعل أي شيء رمزا ملهما. فتواريخ الانتصارات والانكسارات، كلها صالحة لأن تغدو رموزا من نوع ما، أرقام ومسميات وأمكنة جديرة بالاحتفاء والبعث عند كل موسم. فـ27 ابريل في نظر باعوم والفضلي، تاريخ يلخص المأساة والخسارة، وبالتالي هو محفز جيد لصقل الهمم الثائرة، وجعل الجرح طريا مؤلما، وباعثا على الانتقام طوال الوقت، وبالمقابل هو في نظر الرئيس صالح ومنصور هادي، زمن تتجلى فيه معاني النصر والتفوق.
 
 
انظروا ماذا قال الفضلي في خطابه، أمس، في زنجبار، متغنيا بهذا اليوم :"كم هي هذه اللحظات مهيبة، وكم هي عزيزة على التاريخ الجنوبي ونحن نقف اليوم صفا واحدا لطرد الغزاة". يتحدث الرجل عن الغزاة بشيء من التفخيم والكبرياء الوطني، لكأنه عمر المختار، أو ديغول، أو حتى سعد زغلول وغالب لبوزة. "طرد الغزاة"، عبارة تشي بنزعة تطهير خطيرة تلوح في الأفق، نزعة ربما تسحب في طريقها أي شخص تجري في عروقه دماء مغايرة لدماء طارق الفضلي. هل نأخذ كلام الرجل على محمل الجد، أم إنه مجرد ترهات حماسية تذهب مع الريح؟ الحكم للقارئ.
 
 
لا بد أن الفضلي فقد صوابه أمس. فحتى الحديث عن الاستقلال يحتاج إلى شيء من اللباقة والتهذيب. زنجبار ليست تورا بورا، والشماليون ليسوا التتار بأي حال من الأحوال. ليس سهلا تصديق أن الجنوب محتل. قد يكون الجنوب مضطهدا، مستبعدا، أو أي شيء آخر عدا فكرة الاحتلال الكريهة. كلمة الاحتلال ماتت منذ زمن، ولست واثقا من أن طارق الفضلي كان مضطرا لبعثها من جديد لتسويغ انخراطه في الحراك. يمتلك الجنوبيون ما يكفي من الأسباب، لتحريك الانتفاضات السلمية، دونما حاجة للفظة احتلال، وغزاة، وتلك النبرة المغالية التي يعتمدها الفضلي، وهو بالمناسبة أحد أمراء الحرب في 1994 في صف علي عبدالله صالح.
 
 
من الواضح أن ثمة استعادة حرفية (مرضية أيضا) لأساليب، ولافتات، ومسميات، وشعارات الكفاح ضد الانجليز. وهذا في نظري ليس ذكيا بالمرة، لأنها ببساطة رايات بالية تفقد بريقها وعدالتها وأخلاقيتها، حينما يتعلق الأمر بخصم ليس مصنوعا من نفس طينة البريطانيين. خذوا مثلا نماذج مما أثمره خطاب باعوم، مثلا، والنوبة، والخبجي، عن الاحتلال: حرق محلات لمواطنين شماليين في المكلا، الإطاحة بعربية لشاب قادم من محافظة إب في الحبيلين، مهاجمة جنديين آمنين وقتلهما في ردفان. ويالها من ثمار مريرة
 
 
ما يحصل الآن لمكونات الحراك، هو نفسه ما حدث قبل وأثناء ثورة أكنوبر. ففيما تبدأ جبهات المقاومة في التناسل مثل البعوض، تتعدد التصورات عن الكفاح، وتتكاثر المضامين الإيديولوجية، وفي نهاية المطاف تتقاتل. وفي لحظة ما، يكاد يختلط تحرير الجنوب من الانجليز بتحريره من الجبهات الأخرى. يعرف قادة الحراك أكثر من غيرهم، أن تلك تجربة مختلفة، ضد عدو مختلف. لكنهم رغم ذلك، يواصلون النسخ واللصق دون هوادة: جبهة تحرير الجنوب، الجبهة الوطنية للتحرير، حركة التحرير... وهلم جرا. بقي فقط جوج حبش ونايف حواتمة وقسطنطين زريق، وبرع برع يااستعمار. لا تصلح ثورة أكثوبر كمصدر إلهام في صراع داخلي، يمكن تسويته بصيغ عادلة، يقررها الجنوبيون أنفسهم، ولو اقتضى ذلك الاستقلال أو حتى التشرذم إلى هكتار هكتار.
 
 
بعد جلاء البريطانيين، تولى قحطان الشعبي الحكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. ولم يمض سوى عام واحد حتى اجتاح الحنين الى الماضي فصيل يساري راديكالي. ورويدا رويدا، راح يستسلم لفكرة التمترس على سفوح الجبال لمكافحة حكومة قحطان، الذي كان قبل قليل رفيق السلاح، وأحد قادة الجبهة القومية البارزين. الرغبة في الكفاح تصبح هوس مميت في البلدان المتخلفة. لكن قيادة الجبهة حينها، تداركت الأمر، وقررت أن استخدام وسيلة كفاح قديمة ضد خصم من جلدتنا غير مجدي، وغير معقول، وغير إنساني حتى. وانهمكت تهندس للتغيير من الداخل، إلى أن أطيح بقحطان سنة 1969، وجيء بالرئيس سالم ربيع علي.
 
 
لست خصما للحراك أبداً. ولن أكون يوما كذلك. لكنني ضد تخليد الضغائن، وإشاعة روح العدوانية الفجة، وتأجيج نزوات الانتقام والتطهير، التي تفيض بها كلمات طارق الفضلي، عن "المجازر التي ارتكبها الاحتلال"، والتي قال إنها "لن تسقط بالتقادم". أظن أن هذا نقد مشروع للحراك الجماهيري الجنوبي. نقد للوتيرة المتسارعة التي ننزلق بها نحو الماضي: الحوثي يحارب تحت راية قديمة ضد أعداء جدد بعض الشيء، وباعوم والنوبة ينسخان اللافتة والمنطق اللذان قاوما بهما المستعمر البريطاني، والفضلي يستحضر الجد الثامن عشر للبرهنة على أصالته.
 
 
أكتب هذه السطور وأنا مدرك تماما، أن لوم السلطة يجب أن يأتي في المقدمة دوما. إذ كم مرة يجب أن نقول للرئيس بأنه سبب جوهري في المشكلة، كي يقتنع بأن إعلان الانفصال عن السلطة فورا، وقبل أي شيء آخر، هو الضمانة المثلى لعودة الأمور إلى نصابها، وإعادة تأسيس الوحدة على أسس سليمة. الانفصال عن التفكير في التوريث واللعب بالمشاعر، والابتزاز الأمني بالصوملة وما شابه. الانفصال عن المكابرة، وتسليم السلطة للشعب، عوضا عن تأبيد نفسه بالتحايل والمراوغة، والذهاب بالبلد إلى قعر الهاوية.
 

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك