الحركة الإسلامية والنظام السياسي .. من التحالف إلى التنافس (الحلقة الثامنة).. مرحلة الانتشار الدعوي وبناء التنظيم (1974م ـ 1979م)

 

نواصل نشر المبحث الثالث من كتاب " الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن .. من التحالف إلى التنافس"، لمؤلفه الأستاذ ناصر الطويل الذي خص المصدر أون لاين بنشره .
كنا قد نشرنا في الحلقة السابقة الفترة الثانية من المرحلة الثانية التي تمثل فترة التأسيس واكتمال ملامح الحركة.
 
وهنا نواصل نشر الفترة الثالثة من المرحلة الثانية ، والتي شكلت مرحلة الانتشار الدعوي وبناء التنظيم .
 
 
3) مرحلة الانتشار الدعوي وبناء التنظيم (1974م ـ 1979م) :
 
اتسمت هذه المرحلة بالاستمرار في بناء وتمدد الحركة تنظيميًا, وتزايد تلاحمها بأجهزة الدولة وكبار المشائخ القبليين والعلماء، واتساع تأثيرها في العمل العام، وأخيرًا باصطدامها بتحديات فكرية ومشاكل إدارية كادت أن تشل حركتها.
 
فقد اتجهت الحركة إلى أن تكون أكثر انضباطًا في الجانب التنظيمي, وتجاوز الاجتهادات الفردية والعمل التجميعي الذي كان سمة المرحلة الأولى، فعملت على إعادة بناء التنظيم، وفي هذه المرحلة وتحديدًا عام 1975م, أُخذت البيعة للقيادة من أعضاء الحركة، بمن فيهم الأعضاء القدامى, لأن البعض لم تؤخذ منهم في المرحلة السابقة ولهذا فقد كان العضو المؤسس من الإخوان يؤدي البيعة من جديد مع تلاميذه وتلاميذ تلاميذه(1), أي مع الصف الثاني والثالث، وبذلك تم بناء ما يشبه الهيكل التنظيمي للحركة.
 
 وعلى نفس سياق المرحلة السابقة, كثفت الحركة تركيزها على التواجد في الحقل التعليمي وفي المواقع القيادية في وزارة التربية والتعليم، حيث شغل عدد من أعضائها مواقع هامة في الوزارة, وكانوا حريصين على أن يتولى أحد أعضاء الحركة أو المقربين منها منصب وزير التربية والتعليم.
 
فُتحت ميادين جديدة للعمل الإسلامي أمام الحركة الإسلامية في بداية فترة حكم الرئيس إبراهيم الحمدي في منتصف عام 1974م, والذي حرص على كسب مزيد من الشعبية والتقرب من العلماء, فقرر تشكيل ثلاث مؤسسات تعليمية وإرشادية حكومية, وأوكل إدارتها إلى شخصيات من الإخوان المسلمين أو مقربة منهم, فقد أصدر قراراً جمهوريًا بإنشاء مكتب للتوجيه والإرشاد، وأوكل رئاسته إلى الأستاذ عبد المجيد الزنداني برتبة وزير، وقرارا آخر بتشكيل الهيئة التربوية العلمية, على أن يكون من مهامها العناية بالمعاهد التي تُخرج علماء الشريعة والقضاة, وأوكل رئاستها إلى القاضي الصفي أحمد عبدالرحمن محبوب, وقرارا ثالثا بتشكيل الهيئة العامة للمعاهد العلمية, وجعل على رأسها القاضي يحيي بن لطف الفُسيل, وهي كما هو ملاحظ مؤسسات تقع في صلب اهتمامات الإخوان في تلك المرحلة.
 
تدارست قيادة الإخوان تلك القرارات وكيفية الاستفادة منها والتعامل معها، ومدى قدرتها على استيعاب المؤسسات الثلاث التي أُنشئت في وقتٍ واحد، وقررت احتواءها وممارسة النشاط من خلالها، فتكفل الأستاذ الزنداني بمكتب التوجيه والإرشاد, واستعان بطاقم إخواني, ضم عدداً من أبرز أعضاء الإخوان المسلمين, وكُلف الأستاذ عبد الملك منصور والأستاذ مشرَّف عبد الكريم المحرابي، بملازمة الشيخ الصفي محبوب، والنشاط من خلال الهيئة العلمية التربوية, والتي صار جهازها الإداري من الإخوان المسلمين، وأُوكل إلى الأستاذ حمود هاشم الذارحي معاونة القاضي يحيى لطف الفُسيل في إدارة هيئة المعاهد العلمية, والعمل على التوسع في إنشاء معاهد جديدة والإشراف على إدارتها (2).
 
نشط مكتب الإرشاد في إعداد وتثقيف خطباء المساجد, والقيام بالأعمال الدعوة والإعلامية, من خلال إصدار مجلة الإرشاد, ونشر الكتب, وإلقاء المحاضرات العامة في المعسكرات والمدارس، وتجهيز الحملات الدعوية إلى الأرياف, واستضافة العلماء والدعاة المقربين من حركة الإخوان من خارج اليمن لإلقاء المحاضرات والدروس, من أمثال: الدكتور يوسف القرضاوي, والشيخ محمد الغزالي, والأستاذ يوسف العظم, وعبد القدوس ناجي أبو صالح, والشيخ حسن أيوب, وسماحة الشيخ أبو الحسن الندوي وغيرهم.
 
 كما تم إنشاء المعاهد العلمية في العديد من المناطق اليمنية سيما في تلك المناطق القريبة من الحدود مع الشطر الجنوبي, وتم طلب الإعارة لعدد كبير من المعلمين من مصر والسودان وسوريا للتدريس في المعاهد العلمية وبعض المدارس الحكومية, ومعظمهم من الإخوان المسلمين, وكان لهم تأثير في فتح مناطق جديدة للعمل الإخواني التنظيمي والدعوي, خصوصا في الأرياف والمدن الصغيرة, وبسبب ذلك –وغيره- توسع نشاط الإخوان وامتد تنظيمهم إلى مدن ومناطق جديدة.
 
كان الرئيس الحمدي يُؤمل في استخدام حركة الإخوان في صراعه مع القوى السياسية والاجتماعية الأخرى, وحاول أن يجذبهم إليه, غير أن الإخوان كان لديهم القدرة على أن يقيموا توازناً بين علاقتهم مع الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وبين سلطة الرئيس الحمدي, فلم يكن أحدهم قادراً على أن يؤثر على الحركة بحيث تقطع علاقتها مع الطرف الآخر, فقد كان الشيخ عبد الله حليفا للحركة ولها من يمثلها لديه في خمر, وبنفس الوقت كان لها مَن يتواصل مع الرئيس إبراهيم الحمدي, وهذا لا ينفي حدوث بعض التوترات مع سلطة الرئيس الحمدي, غير أنها سرعان ما تتبدد بحدوث لقاء معه, خاصة وان الرئيس الحمدي كان رجل حوار(3).
 
ويبدو أن ذلك التوازن يعود في بعض جوانبه إلى الأستاذ عبد الملك منصور الذي كان مسئولا عن العمل السياسي في التنظيم في ذلك الوقت, فقد عمل على السير بالحركة في خط مستقل, وإلى ذات السبب يرجع بعض الإخوان تراجع علاقتهم بالشيخ عبد الله بن حسين الأحمر في تلك الفترة.
 
ومع ذلك فقد كان التنظيم يعاني من بعض المشاكل الفكرية والإدارية فقد نتج عن التعذيب الوحشي غير المبرر للإخوان المسلمين المصريين في سجون نظام الرئيس عبد الناصر، انتشار الأفكار التكفيرية, وامتد أثرها إلى تنظيم الإخوان في اليمن، حيث كان يتم تداول بعض أشرطة الكاسيت التي تبين شدة التعذيب التي يتعرض لها الإخوان في السجون المصرية، وانتشرت معها في ذات الوقت أفكار تُكفر الأنظمة التي تعذب الدعاة دونما ذنبٍٍٍٍٍٍِِِ اقترفوه وتكفير المجتمعات التي التزمت الحياد والسلبية، وقد سارعت القيادات الإخوانية في ذلك الوقت لمحاصرة الأفكار التكفيرية، ومناقشة الأفراد الذين تأثروا بها، واستعانت بخبرات التنظيم الدولي, الذي أوفد الأستاذ (صالح أبو رقيق) وهو رجل موهوب ويمتلك حجة قوية, وانتهت جهود الجميع بمراجعة من تأثروا بتلك الأفكار، وعزل الأفراد الذين أصروا على تبنيها، وتحصين التنظيم ضدها, ومن ذلك الوقت أولت قيادة الحركة اهتماماً خاصاٍ بالجوانب الفكرية والمنهجية، حيث حرص الإخوان في اليمن على توسيع المسافة بينهم وبين الأفراد الذين يحملون أفكاراً تكفيرية.
 
أما الصعوبات الإدارية فقد تمثلت في اختلاف الصف الأول من قيادات الإخوان حول قضايا تتعلق بالجوانب الهيكلية والتنظيمية, وبخاصة حول كيفية إدارة الحركة وصنع القرار, والأنظمة واللوائح ودرجة الالتزام بها, وأخرى تتعلق بالجوانب المنهجية من قبيل طبيعة توجهات الحركة والعلاقة بين التنظيم والدعوة, والسرية والعلنية , فقد كان هناك اتجاه داخل الحركة يركز على العمل العام من خلال وسائل الاتصال الجماهيري, مثل الخطب والمحاضرات ونشر الأفكار على أوسع نطاق ممكن وكان الأستاذ عبد المجيد الزنداني شديد التمسك بهذا المنهج, وهو نفس منهج أستاذه محمد محمود الزبيري, في حين كان قسم كبير من قيادات الإخوان وفي مقدمتهم الأستاذ ياسين عبد العزيز والأستاذ عبد الملك منصور، والأستاذ عمر طرموم والأستاذ علي هود باعباد, والأستاذ محمد اليدومي يرون أن المرحلة تقتضي أولوية بناء التنظيم، وضرورة توظيف مناشط الحركة بما فيها العمل الجماهيري لبناء التنظيم.
 
حدث استقطاب حاد بين قيادات الحركة على هذه الخلفية, وكاد العجز عن حل تلك الإشكالية أن يشل الحركة ويهدد وحدتها وبقاءها, إلا أن تصاعد العمل المسلح للتنظيمات اليسارية وإمكانية سقوط البلاد بقبضتها, وضرورة مواجهتهم بتنظيم متماسك، دفع الحركة في عام 1979م إلى تغيير القيادة بانتخاب الأستاذ ياسين عبد العزيز مراقبا عاما للحركة بدلا عن الأستاذ عبد المجيد الزنداني(4)، والذي تولى رئاسة مجلس شورى الحركة, ثم عُين مندوباً لليمن في رابطة العالم الإسلامي في مكة, وهناك قام بتأسيس هيئة الإعجاز العلمي ونشط من خلالها بقية سنوات عقد الثمانينيات, فيما احتفظ الأستاذ عبد الملك منصور, والذي كان له دور كبير في عملية التغيير بموقعه أمينا عاما للحركة.
 
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
المراجع:
 
 
(1)  مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ محمد حمود الخميسي، بتاريخ 5/3/2006م.
 
(2) مقابلة أجراها الباحث مع الدكتور عبد الملك منصور, بتاريخ 2/11/2006م.
 
(3) مقابلة مع الدكتور عبد الملك منصور, مصدر سبق ذكره.
 
(4) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ أحمد القميري أحد القيادات التاريخية لحركة الإخوان المسلمين باليمن, وعضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح, بتاريخ 14/ 5/2006م.

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك