الحركة الإسلامية والنظام السياسي .. من التحالف إلى التنافس (الحلقة السادسة) .. تشكيل نواة الحركة وظهور البدايات الأولى

 

نواصل نشر المبحث الثالث من كتاب " الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن .. من التحالف إلى التنافس"، لمؤلفه الأستاذ ناصر الطويل الذي خص المصدر أون لاين بنشره .
كنا قد نشرنا في الحلقة السابقة المرحلة الأولى بداية ونشوء حركة الإخوان المسلمين في اليمن ، وفي هذه الحلقة نبدأ بنشر المرحلة الثانية التي قسمها المؤلف إلى خمس فترات، الأولى تشكيل نواة الحركة وظهور البدايات الأولى ، والثانية : التأسيس واكتمال ملامح الحركة والثالثة مرحلة بناء التنظيم (74-79م) فيما سمى الفترة الرابعة : مرحلة التوسع والانتشار (80-90م) والفترة الخامسة مرحلة التعددية السياسية والحزبية .
 
وهنا ننشر الفترة الأولى التي تمثلت في تشكيل نواة الحركة وظهور البدايات الأولى.
 
  
(ب) المرحلة الثانية:
 
 لم يمض أقل من عشر سنوات على ثورة 1948م حتى ظهرت البدايات الأولى لنشاط إسلامي جديد, مر بأطوار مختلفة, وأفضى في النهاية إلى تشكيل حركة إسلامية يمنية في بداية الستينيات من القرن العشرين.
 
استمرت تلك الحركة في النمو والتوسع, وظلت تتفاعل مع التطورات التي شهدها شطرا اليمن خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات, وتحولت مع قيام الوحدة اليمنية عام 1990م, وإقرار التعددية السياسية كواحدة من أسس النظام السياسي الجديد, إلى حزب سياسي علني, هو حزب التجمع اليمني للإصلاح.
 
 وعلى ضوء التحولات والمنعطفات الهامة التي مرت بها الحركة, يمكن تقسيم مسيرتها إلى مراحل زمنية متمايزة, هي كالآتي:
 
1) تشكيل نواة الحركة وظهور البدايات الأولى:
 
مع نهاية عقد الخمسينيات وبداية عقد الستينيات توفرت الظروف الموضوعية لنشوء عمل إسلامي بين الطلاب اليمنيين في مصر, انتهى إلى تأسيس حركة إسلامية يمنية تستلهم الرؤى الفكرية للحركة الإسلامية الحديثة (الإخوان المسلمين), وبعد عودة عدد من الطلاب اليمنيين الذين ساهموا في تأسيس تلك الحركة, دشنوا البدايات الأولى للعمل الإسلامي في كلٍ من: صنعاء وعدن وتعز وإب, ومثلت تلك البدايات روافد جديدة لنشاط إسلامي ذاتي تبلور في منتصف الستينيات إلى حركة إسلامية واحدة لها قيادة موحدة.
 
 مرت الحركة الإسلامية التي نشأت بين الطلاب اليمنيين في عدد من المدارس والجامعات المصرية بثلاثة أطوار جنينية, مثَّل خروج الطلاب عن بعض التنظيمات القومية, ومعارضتهم لفكرها, وتشكيلهم لما سُمي بكتلة الحياد (الطور الأول), فيما تمثل الطور الثاني في النشاط تحت لافتة الحياد وتشكيل كتله إسلامية بداخلها, أما الطور الثالث فقد تمثل في تشكيل وإشهار الحركة الإسلامية تحت لافتة "حركة الطليعة العربية الإسلامية", وهو ما سنتناوله في الآتي(1):
 
الطور الأول: تشكيل كتلة الحياد (1958-1961م)
 
  تزايد عدد الطلاب اليمنيين الموفدين للدراسة في الخارج لاسيما في مصر, وكان الطلاب اليمنيون يتوزعون على عدد من المناطق المصرية، فثمة طلاب في مدينة حلوان والقاهرة، وطلاب في بني سويف, والسواد الأعظم منهم، كانوا في مدينة طنطا.
 
وقد اتسمت تلك المرحلة بالاستقطاب الفكري والسياسي بين التيارات القومية واليسارية, وهي التيارات التي كانت مهيمنة على المنطقة العربية في ذلك الوقت, نشط العمل السياسي المرتبط بالشيوعيين وحزب البعث العربي، وحركة القوميين العرب بين الطلاب اليمنيين بالمدن المصرية, وكانت حركة القوميين العرب هي الأكثر استقطابًا للطلاب..
 
وفي مدينة طنطا كان ثمة عدد من الطلاب، أبرزهم عبدالمجيد عزيز الزنداني، وعبد السلام العنسي، ومحمد قاسم عون، وعبد الرحمن المجاهد، قد ارتبطوا بحركة القوميين العرب، وانخرطوا في تكويناتها التنظيمية, أثار الطرح القومي للحركيين معارضة الزنداني, وبالذات حول تقديم البعد القومي على البعدين الإسلامي والوطني, ومن خلال الجدل الذي دار بينه وبين قيادة حركة القوميين أستطاع أن يميز الخط القومي عن التيار الإسلامي, وقرر الابتعاد كلياً عن حركة القوميين العرب، والنأي بنفسه عن الاستقطاب الحزبي بين التيارين القومي والماركسي، والبحث عن مربع ٍ آخر مغاير لهما، يستطيع من خلاله التحرك باستقلالية وحيادية عن الصراعات الحزبية المحتدمة دائما بين التيارين.
 
ومن بين الطلاب الذين انسحبوا من تنظيم حركة القوميين العرب وحزب البعث, والطلاب المستقلين الذين ينفرون من الصراع الحزبي, تشكلت مجموعة جديدة, أطلقوا على أنفسهم "مجموعة الحياد", وما لبثت "مجموعة الحياد بين الأحزاب" أن تنشط بين الطلاب اليمنيين في طنطا نهاية 1959م, من خلال مجموعة أنشطة تتراوح ما بين إصدار مجلة حائطية بعنوان "البِنَاء", وممارسة فعاليات كشفية..الخ.
 
 وفي ذات العام بدأ عدد من الطلاب اليمنيين يتوافدون للدراسة في الأزهر الشريف، ويشكلون تجمعاً طلابياً في مدينة البعوث الإسلامية، ومدينة البعوث عبارة عن حي سكني يضم طلاباً من مختلف الجنسيات في العالم، ينحدر معظمهم من عائلات غير ثرية أو غير قادرة، لا تستطيع الإنفاق على مستلزمات دراسة أولادها في الجامعات المصرية، لذلك استفادوا من الامتيازات المتوفرة لهم في جامعة الأزهر, كالسكن والتغذية ورسوم الدراسة.
 
وفي مدينة البعوث الإسلامية بالأزهر كان عبده محمد المخلافي ينشط بين الطلاب اليمنيين ويؤثر فيهم بحماسة وشخصيته الآسرة(2), فهو يجيد الخطابة وإلقاء الدروس والمحاضرات, إلى جانب قدرته على الحوار والكتابة وهذه الأخيرة اكتسبها وهو لا زال طالبا في المملكة العربية السعودية, حيث كان ينتظم في كتابة المقالات في عدد من الصحف السعودية(3).
 
وفي تلك الأثناء التي تتسم بخفوت الصوت الإسلامي وهامشيتهُ, نظرًا لأن حركة الإخوان المسلمين كانت تتعرض حينها لأقصى محنة عرفتها منذ تأسيسها في 1928م, حيث كان معظم أعضائها في سجون النظام في مصر, ولشدة هيمنة الأفكار والتيارات القومية واليسارية, في تلك الأثناء "لجأ الطلاب المؤمنون بفكرة الحياد إلى الأستاذ الزبيري يتلقون منه النصائح والتوجيهات، وأصبح مرشدا وموجها وراعيا لهم, وتوطدت العلاقة الروحية بينهم وبينه, وامتد نشاط المجموعة في أوساط الطلاب، لاسيما الطلاب اليمنيين الدارسين في الأزهر الذين كان لديهم سكن طلابي خاص بهم في مدينة البعوث الإسلامية.
 
الطور الثاني: تشكيل "كتلة العمل الطلابي" (1961-1962م)
 
بانتقال الزنداني إلى القاهرة التقى بـ "عبده محمد المخلافي "الذي كان لا يقل عنه حماسًا, والتقت إرادتهما في العمل لإخراج فكرة اختيار عناصر طلابية من داخل مجموعة الحياد وإفرازها كنواة أولى على طريق تكوين حركة إسلامية, تكون امتداداً للحركة الإسلامية المعاصرة، الملتزمة بمدرسة الإخوان المسلمين، رغم أن هذه المدرسة -كما أشرنا- كانت مقصية عن الحياة العامة, وتمر بظروف بالغة القسوة.
 
 فقد كانت الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 1961 حافلة بالتحركات والمشاورات واللقاءات والاجتماعات بين أقطاب المجموعة الطلابية الإسلامية الأولى (مجموعة الحياد بين الأحزاب) لتأسيس كتلة حركية طلابية إسلامية من بين مجموعة الحياد, وتكاملت إرادة عبده محمد المخلافي وعبد المجيد الزنداني باعتبارهما أبرز عناصر المجموعة. ولوضوح فكرة التأسيس في ذهنيهما، عملا على بلورة الهدف المتمثل بتكوين النواة المؤسّسة الصلبة (الكتلة الطلابية)؛ إذ كانت الفكرة قد راودت ذهن عبد المجيد الزنداني منذ مطلع الستينيات, وحاول كسب عدد من إخوانه ممن بدءوا العمل باسم مجموعة الحياد، سيما أولئك الذين انتزعهم من بين فكي حركة القوميين العرب، ومن أبرزهم: عبد السلام العنسي، وأحمد الويسي، وعبد الرحمن المؤيد، ومحمد قاسم عون، وعبد الرحمن المجاهد، وعبد اللطيف الشيباني، وطه الشيباني، وعبد الواحد الزنداني، وعبد الواحد سعد الخياط، وأحمد شجاع الدين, غير أن هذه المجموعة ظلت تراوح مكانها، ولم تصل إلى مستوى أن تصبح النواة الحركية الإسلامية المنظمة إلى ما بعد الانتخابات الطلابية التي جرت في الثلث الأخير من عام 1961م, وتلاقت إرادة الطلاب الإسلاميين في مدينة البعوث بالأزهر, وعلى رأسهم عبده محمد المخلافي، مع إرادة طلاب جامعة القاهرة, وعين شمس, وطلاب المعاهد المتوسطة المصرية, وتشكلت قيادة النواة الطلابية الإسلامية(الكتلة) أواخر ديسمبر 1961م, وتكونت من ستة طلاب، أبرزهم: عبده محمد المخلافي، وعبد المجيد الزنداني.
 
هذه المجموعة التقت في إحدى الشقق السكنية في حي "الهرم"، في ظل أجواء سرية وتعاهد أفرادها على العمل لتكوين تنظيم إسلامي يمني فاعل يؤدي واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبشر بعدالة الإسلام وأهليته الكاملة لقيادة الأمة وتحقيق التقدم والعزة والحرية والوحدة لليمن شمالاً وجنوباً.
 
 وفي خطوة تالية التقت نخبة من طلاب "كتلة العمل الطلابي"، من بينهم: عبد المجيد الزنداني، وعبده محمد المخلافي، وعبد اللطيف الشيباني، وآخرون، في منزل أحمد الويسي مطلع عام 1962, وحضر الأستاذ الزبيري اللقاء، وفاتحوه بأمرهم وعرضوا عليه قيادة نشاطهم... أيد الزبيري نشاطهم دون تردد، وعبّر عن مباركته لجهودهم واستعداده لأن يكون واحداً منهم؛.. كان عدد الطلاب المجتمعين في بيت أحمد الويسي (سبعة عشر) طالباً، هم كل المنضوين في كتلة العمل الإسلامي الطلابي, بينما كان عدد طلاب مجموعة الحياد بين الأحزاب قد بلغ (ثلاثين) طالباً عام 1962م.... وانتهى اللقاء التاريخي إلى إعلان الزبيري اقتناعه بأهدافهم ونشاطهم، ونصحهم بالكتمان والسرية في عملهم, ومراعاة الحيطة والحذر في تحركاتهم ريثما تنفرج الأوضاع الأمنية في مصر.
 
ويشدد الأستاذ عبد السلام العنسي على أن ثورة 26 سبتمبر 1962م, لم تقم إلا والأستاذ الزبيري عضو فاعل في الحركة الإسلامية وقدم البيعة للإخوان في ذلك الوقت(4).
 
"جرى جدل ونقاش بين الطلاب المؤسسين لكتلة العمل الطلابي حول التسمية المقترحة للتنظيم الوليد, كان من ضمن الأسماء "الإخوان المسلمون", لكن المقترح رُفض سداً لباب فناء التنظيم ذاته قبل (ميلاده) على يد المخابرات المصرية التي كانت تعادي الإخوان المسلمين وكل من يرتبط بهم أو يتبنى أيديولوجيتهم معاداة شديدة, وحرصاً على مستقبلهم العلمي، واستفادتهم من تجربة الطلاب اليمنيين الماركسيين الذين جرى ترحيلهم عن مصر، قبل استكمال دراستهم في أيار(مايو) 1959، وأخيرا أوصلتهم لقاءاتهم و نقاشاتهم حول التسمية إلى الاتفاق على إبقاء الإسم كما هو "كتلة العمل الطلابي اليمني" دون الإعلان عنه أو التعريف به بين جميع الطلاب.
 
كما "دار نقاش طويل بينهم حول الشعار الأنسب للعمل الإسلامي بين الطلاب، ورأى الشهيد الزبيري أن يرفعوا شعاراً لا يحمل أيديولوجية تستفز بقية التيارات الحزبية ولا تحرض عليهم أجهزة المخابرات المصرية، وأن تكون عناصره أو مكوناته قطب تجميع للطلاب الذين تزايدت أعدادهم، و أن تكون مفردات الشعار قريبة من اهتمامهم وأفهامهم, إضافة إلى تميزه عن بقية الشعارات المطروحة في الساحة الطلابية والمستجلبة من خارج الوسط الطلابي اليمني، واعتبر الشهيد الزبيري أن رفع شعار "يمن، عروبة، إسلام" سيمكنهم من اجتذاب معظم الطلاب إليهم، ويسمح لهم بالانطلاق لعمل إسلامي وطني أرحب مستقبلاً.
 
الطور الثالث: تشكيل "حركة الطليعة العربية الإسلامية" (1963م):
 
كانت اليمن في الربع الأخير من عام 1962م على موعدٍ مع واحدٍ من أهم الأحداث في تاريخها المعاصر, والمتمثل في قيام ثورة 26 سبتمبر, وقد كان لقيام الثورة تداعيات مختلفة, ما يهمنا منها هنا, أن التنظيمات السياسية التي كانت تنشط في ذلك الوقت أعلنت عن نفسها ودخلت في تسابق حول من يبسط نُفوذها على الثورة ويوجهها, فقد نشط البعثيون والقوميون العرب, والماركسيون بعد قيام الثورة مباشرة في صنعاء وبعض المدن اليمنية الأخرى بصورة شبه علنية, إلى الدرجة التي أقلقت الرئيس السلال, والقيادة المصرية في اليمن, ولعل ذلك المناخ هو ما ضاعف من دافعية الناشطين الإسلاميين من الطلاب اليمنيين في مصر للدفع ببناء نواة الحركة قدماً, خاصة بعد انتقال الأستاذ الزبيري وعبد المجيد الزنداني إلى اليمن.
 
          وعلى ضوء التراكم السابق في محاولة أنشأ تنظيم خاص بالإسلاميين, والمناخ العام الذي استجد بعد قيام الثورة, "أخذ العمل الحركي بين الطلاب الإسلاميين يتجه نحو مرحلة متقدمة, بالعمل على تشكيل حركة إسلامية منظمة تعمل تحت لافتة سياسية", فقد تم تكليف عبد السلام العنسي وعبد الواحد الزنداني بوضع ما يشبه البرنامج السياسي لحركة إسلامية تم الإعلان عنها في عام 1963م, تحت اسم "حركة الطليعة العربية الإسلامية", ومن الواضح أن مسمى الحركة يستوعب الملاحظات التي أبدها الأستاذ الزبيري-قبل سفره إلى اليمن بعد قيام الثورة مباشرة- والمحاذير التي توصلت إليها النقاشات بين الطلاب المؤسسين في طور كتلة العمل الطلابي.
 
 ضمت المجموعة القيادية في حركة الطليعة العربية الإسلامية كلا من: عبده محمد المخلافي, ومحمد علي البار, وعبد السلام العنسي، وعبد الواحد الزنداني، وسعيد فرحان, وعبد اللطيف الشيباني, وعبد السلام خالد كرمان, ومحمد قاسم عون, وآخرين, واستمر نشاط الطلاب الإسلاميين اليمنيين في مصر وتفاعلهم مع التطورات التي أعقبت قيام الثورة تحت لافتة حركة الطليعة العربية الإسلامية, وتوالى انتقال أولئك الطلاب المنخرطين فيها إلى اليمن تباعا, بسبب أن بعضهم أنهى المرحلة الدراسية التي كان فيها, أو أنه تم ترحيله من قبل السلطات المصرية, وعند عودتهم شارك الكثير منهم في البديات المتعددة للعمل الإسلامي, والتي أخذت تتشكل في عدد من المدن اليمنية, وفي الجهود التي كانت تُبذل للنهوض بالحركة الإسلامية التي جمعت تلك البدايات في حركة واحدة في أواسط الستينيات.
 
 أما في صنعاء فقد انخرط الأستاذ الزبيري في الصراع السياسي والظروف العاصفة التي أعقبت قيام الثورة، والتي أشرنا إلى بعضها في موضع سابق من هذه الدراسة, وانتقل من محاولة إصلاح النظام من الداخل إلى تكثيف الضغوط الشعبية من أجل إيقاف الحرب الأهلية, وإعادة ترتيب مؤسسات النظام بما يتفق والغرض الذي من أجلهِ قامت الثورة, وبناء العلاقات مع مصر على أسس جديدة, فدعى القيادات اليمنية إلى مؤتمر عام في مدينة عمران عام 1964م, وعندما لم تُجد تلك المحاولة, قدم مع رفيقيه أحمد محمد النعمان, وعبد الرحمن الإرياني, إلى الرئيس السلال مطالب إصلاحية مقرونة باستقالتهم, وبطلب من الزبيري استقال معظم الوزراء من مناصبهم, وخرج الزبيري من صنعاء إلى القبائل لدعوتها إلى مؤتمر عام آخر يُعقد في خمر, وأعلن في "برط" عن تشكيل حزب الله, كتجمع يضم المؤمنين بأفكاره, وأصدر من هناك صحيفة صوت اليمن, في تلك الأثناء استشهد وهو يتنقل بين القبائل.
 
مثّلَ استشهاد الزبيري ضربة كبيرة للإسلاميين, غير أنه من جهة أخرى أدى إلى أن كثير من القيادات السياسية اليمنية الوطنية, انخرطت أو تعاطفت إلى حد الانخراط مع التوجه الإسلامي التنظيمي, أمثال عبدالملك الطيب وغيره(5).
 
وقد كان الأستاذ الزنداني إلى جانب الزبيري, فقد انشغل بعد قيام الثورة بتقديم برنامج في الإذاعة الجمهورية بعنوان "الدين والثورة" لتفنيد الشبهات التي كان الملكيون يروج لها بأن الثورة ضد الإسلام والتدين, وانخرط مع الأستاذ الزبيري في الإعداد لمؤتمر عمران, ورافقه أثناء تجوله بين القبائل, وكان إلى جواره عندما استشهد, وتولى من بعده إصدار صحيفة "صوت اليمن", وساهم إلى جانب آخرين في الإعداد لمؤتمر خمر للسلام, وعُين بقرار من المؤتمر نائبا لوزير الأوقاف, وكان ضمن الجناح الجمهوري المعارض لمواقف الرئيس السلال, واضطر إلى الانتقال إلى عدن في عام 1966م, أثناء فترة الإرهاب التي اتسمت بها السنة الأخيرة من حكم الرئيس السلال.
 
 وبرغم العواصف الكبيرة التي كان الزبيري والزنداني يصارعونها, فقد تم كسب شخصيات جديدة, حيث انضم العلامة أحمد أحمد سلامة, والضابط أحمد محمد الأكوع, وآخرون إلى مربع العمل الإسلامي, كما توالى رجوع الناشطين الإسلاميين من الطلاب اليمنيين في مصر, وانخرطوا في المهام الوطنية والحركية.
 
كان التوجه الإسلامي الذي يقوده الزبيري في الصف الجمهوري, يُقابَل بعدم تفهم من قبل التيار الجمهوري الراديكالي, وبمواقف عدائية من أنصار التيار الملكي أيضا, لأن تبني المنطلقات الإسلامية للثورة كان يسحب البساط من تحت أقدام الملكيين, الذين كانوا يستميتون في استنهاض الشعب اليمني ضد الثورة, بالترويج بأنها ضد الإسلام, ومع ذلك فقد أثمرت جهود الأستاذ الزبيري وتلاميذه من الإسلاميين في إقناع أفراد عدد كبير من القبائل بأن الثورة ليست ضد الإسلام(6).
 
 والى جانب الدور الذي كان يقوم به الزبيري والزنداني وغيرهم في تصحيح مسار الثورة ومحاولة وقف الحرب الأهلية وإعادة بناء مؤسسات النظام الجمهوري, كان هناك عدد من الطلاب ينشطون للعمل الإسلامي بصورة عفوية وتلقائية, وبدافع الغيرة على الدين في بعض مدارس صنعاء, منهم: يحيى لطف العرشي, ومحمد لطف العرشي, وأحمد داعر, ومحمد عبد الله اليدومي, وتركزت جهودهم على محاولة استقطاب الشباب إلى مربع العمل الإسلامي, وحمايتهم من تأثير التيارات اليسارية والقومية, ذات النشاط اللافت آنذاك في المدارس والمؤسسات الحكومية, كما نشطوا في توزيع منشورات حزب الله.
 
أما في عدن فقد سبق وأن اشرنا إلى أن أول تنظيم جرى تشكيله فيها هو الجمعية الإسلامية, التي تشكلت عام 1949م برئاسة محام باكستاني مسلم هو (شيخ محمد بن عبد الله) ومعه عدد من أبرز العلماء والشخصيات الإسلامية, مثل: الشيخ محمد بن سالم البيحاني, وعلي باحميش, ومحمد علي الجفري, والصافي, وحسين محمد دلمار, لكن غَلب على هذا الطور من العمل الإسلامي الاهتمام بالنواحي الدعوية والثقافية والتعليمية.. وأخفقت التشكيلة التي انضمت إليها-لاختلاف مشاربها ومدارسها الفكرية والسياسية- في تكريس الجمعية كحركة إسلامية تستلهم مسار الحركة الرائدة في مصر: حركة الإخوان المسلمين, ولذالك فسرعان ما خبا نشاط الجمعية خلال عامين بعد وفاة مؤسسها, وانتقال عدد من رموزها مثل محمد علي الجفري والصافي إلى شكل سياسي آخر هو رابطة أبناء الجنوب, الذي برز منذ عام 1951م كأقوى الأحزاب السياسية اليمنية على مستوى المناطق الواقعة تحت النفوذ البريطاني آنذاك(7).
 
كان عمر سالم طرموم من الناشطين الإسلاميين من أعضاء الجمعية الإسلامية, وقد أتاحت له مدينة عدن ثم هجرته إلى الحبشة، فرصة متابعة الأحداث ومطالعة المؤلفات والصحف والمجلات الصادرة في حقبة ما قبل الستينيات, فقد تعرف إلى فكر مدرسة الإخوان المسلمين وتواصل مع الشهيد حسن البنا بواسطة الرسائل؛ لكنه لم يتجاوز هذه الخطوة إلى مربع تكوين حركة إسلامية, ويبدو انه اكتفى بالعمل من خلال الواجهات الموجودة على الساحة, فنشط من خلال "الجمعية الإسلامية" ثم "الرابطة" ثم انصرف إلى العمل التربوي سيما في المعهد الإسلامي الذي أسسه الشيخ محمد بن سالم البيحاني عام 1957(8).
 
كان تواجد الإسلاميين في عدن أمراً طبيعيا بحكم الانفتاح السياسي والإعلامي الذي كانت تعيشه عدن في تلك المرحلة, وارتباطها بما يحدث في العالم أكثر من أي جزء آخر من اليمن الطبيعي , وبسبب وجود عدد من المدرسين المصريين المنتمين إلى حركة الإخوان المسلمين, وعند تشكيل الجبهة القومية انخرط عدد من الشباب الإسلاميين في تنظيم الجبهة القومية, بجهود بذلها أبو بكر شفيق- أحد الشخصيات التي لم تجد غضاضة في التعاون مع الإسلاميين- وشاركوا بفعالية في أولى العمليات العسكرية, مثل عمليات: ضرب المطار العسكري, ونادي سلاح الطيران.. كما كان لهم دور أساسي في انتفاضة 20 يونيه 1967م التي سيطر خلالها الفدائيون على منطقة (كريتر) وطردوا القوات البريطانية منها قرابة أسبوعين(9).
 
كان ضمن مجموعة (القاهرة) طلاب من المناطق الجنوبية الواقعة تحت سيطرة المستعمر البريطاني شاركوا في تأسيس الحركة الإسلامية هناك.. وعندما عاد أبرزهم وهو الدكتور محمد علي البار, بدأ في تنفيذ اتجاهات مجموعة القاهرة, وبدأ الإسلاميون في عدن عملهم المنظم في تأسيس المركز الثقافي الاجتماعي الإسلامي أواخر عام 1963م, لكن العمل الحقيقي كان يتم باسم حركة الطليعة العربية الإسلامية(10), إلى أن تم تأسيس المركز بصفة رسمية في مايو عام 1966م, والذي صار واجهة سياسية للحركة في عدن.
 
 وفي المركز كان الأستاذ عمر طرموم يقيم محاضرات غالبها في تفسير الظلال, حيث كان له نمط معين في استخلاص بعض المفاهيم الإسلامية من الظلال.
 
 كان الأستاذ طرموم مستوعبا للثقافة السياسية الحزبية التي تزخر بها مدينة عدن, وللتجديد الفكري الذي أدخلته المدرسة الإسلامية الحديثة, ووظف هذا وذاك في العمل الإسلامي الذي كان يؤسس له, فاستفاد من فكر الإخوان, وثقافة التحزب في بناء العمل الإسلامي, وكان نشاط المركز يتجه نحو إحياء المناسبات الدينية, والعمل على تحصين الأفراد والمجتمع من تأثير التيارات الفكرية الأخرى(11).
 
 لم يقتصر اهتمام الإسلاميين في عدن على الشباب فحسب, بل مدوا جسور التواصل مع العلماء البارزين الأقرب إلى روح الحركة الإخوانية, أمثال الشيخ محمد بن سالم البيحاني, والشيخ على باحميش, والشيخ الغرباني, وغيرهم, وعندما كانت مخاطر وصول اليسار إلى السلطة تلوح في الأفق, برز نوع من التنسيق السياسي بين الإسلاميين وقائد الجيش "حسين عثمان عشال".
 
وبعد الاستقلال وأثناء التجاذب بين جناحي الجبهة القومية حول هوية وطبيعة النظام السياسي الجديد, وبسبب بروز بعض الأصوات والمظاهر اليسارية المتطرفة "بادرت قيادة الحركة الإسلامية في عدن من خلال واجهتها السياسية المركز الثقافي الاجتماعي الإسلامي الذي كان يرأسه الأستاذ عمر طرموم, وكان أمينه العام الدكتور محمد علي البار, بادرت إلى تقديم نفسها للنظام الجديد بعد الاستقلال برئاسة قحطان الشعبي وتنظيم الجبهة القومية, التي عرفت خلاياها أفراداً من جماعة الإخوان المسلمين إبان مقاومة الاستعمار, وتحركت من خلال المركز الثقافي لجمع علماء جنوب اليمن وصياغة رسالة شهيرة مطلع ديسمبر ... تدعو حكومة الاستقلال إلى تحقيق عدد من المطالب الشعبية, من بينها تعزيز هوية الشعب وتصفية الموروثات السلبية للاستعمار, وتحقيق العدل الاجتماعي, وإقامة نظام وطني إسلامي يستمد مشروعيته من الشعب, وأعربوا عن استعدادهم للعمل في إطار النظام الجديد, ووقع على تلك الرسالة عدد كبير من علماء ومثقفي الجنوب, على رأسهم الشيخ محمد سالم البيحاني, والشيخ علي باحميش, والأستاذ عمر طرموم, والدكتور محمد علي البار وآخرون, ...والتقوا مع رئيس الجمهورية الأسبق قحطان الشعبي وسلموا له الرسالة, وقد أكد لهم الأخير اهتمامه بمضمون الرسالة ومناقشتها مع أعضاء مجلس الدولة في الجبهة القومية, غير أن الوقت مر دون أن يتلقى العلماء والمثقفون وأعضاء المركز الثقافي الاجتماعي الإسلامي أي رد(12).
 
أما في تعز فقد شهدت بدايات العمل الإسلامي المنظم بعد وصول الأستاذ عبده محمد المخلافي وزملاؤه إليها, ففي 9 سبتمبر عام 1965م, ونتيجة لنشاطاتهم ووشاية زملائهم اليساريين, وبحجة أنهم عناصر إخوانية تمثل خطرا على الأمن القومي المصري, احتجزت السلطات المصرية عبده محمد المخلافي وزميليه: سعيد فرحان وعبد السلام خالد كرمان لمدة (20) يوماً, ورحلّتهم بحراً إلى ميناء الحديدة, ومنها نقلوا إلى صنعاء, وفيها قابلوا الأستاذ قاسم غالب الذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب وزير التربية والتعليم، والذي كلفهم بالتدريس في مدينة تعز.
 
 أخذ الأستاذ المخلافي يدرس واقع وخصائص الميدان الذي يعمل فيه, وأخذ ذلك منه بعض الوقت, وبدأ يؤسس لعمل إسلامي منظم في تلك المدينة الغارقة في الصراعات السياسية, فقد نشط في مجالات متعددة: في المركز الإسلامي, ونواة مدرسة تحفيظ القرآن الكريم التي أسسها، ومن خلال عمله في التدريس, وفي المسجد والذي كان يقيم فيه ندوة أسبوعية يُعلن عنها في مساجد مدينة تعز, ومن خلال بعض البرامج الإذاعية, والمقالات الصحفية, إلى جانب الاهتمام الذي كان يوليه للمشائخ والوجهات الاجتماعية في مدينة تعز وأريافها, ومن خلال ذلك كله جمع حوله عدد من الشباب وتوالهم بالرعاية والاهتمام مؤسسا بذلك نواة للجماعة في تلك المدينة, "وتم تربية أعضاء الجماعة تربية روحية عالية..، وبقدر ما كان انتشار النشاط الإسلامي في تعز بطيئًا نتيجة لوجود الحركات والأحزاب السياسية المعادية فيها, بقدر ما كان هذا الانتشار راسخًا ومتينًا"(13).
 
 وهكذا يتضح أن العمل الإسلامي في اليمن نشأ في بدايات متعددة, وجاء من روافد مختلفة إحداها في عدن ولها ظروفها وتحدياتها الخاصة, وأخرى في صنعاء برعاية من الأستاذ الزبيري، وكانت في قلب الأحداث الخطيرة بعد قيام الثورة, وثالثة تشكلت في تعز وكان لها ظروفها وواقعها أيضًا، وأخرى تنشط بين الطلاب اليمنيين في مصر, وكان كل منها يكافح في وجه تحديات ومهام مختلفة, فما يواجهه الأستاذ الزبيري والزنداني في صنعاء, وخارجها يختلف عن اهتمامات النواة التنظيمية التي تأسست في مصر تحت لافتة الطليعة العربية الإسلامية, وكليهما ومعهما بدايات العمل في تعز, والنشاط الإسلامي الذي تشكل بين طلاب بعض مدراس صنعاء, تختلف عن الظروف والصعوبات التي يواجهها الأستاذ عمر طرموم وصحبه في مدينة عدن.
 
 ــــــــــــــ
المراجع :
 
(1) اعتمدنا في هذه الجزئية من البحث بشكل رئيسي على:
- سعيد ثابت سعيد, نشأة الأخوان المسلمين في اليمن
http://www.alnedaa.net/index.php?action=showNews&id=797
 
(2) نظرا لما كان يتمتع به عبده محمد المخلافي من شخصية مؤثرة وقيادية وبهدف كسبه, كلفت قيادة حزب البعث الأستاذ يحيى الشامي لزيارته ومحاولة ضمه إلى الحزب, غير أن الأستاذ الشامي ومن خلال حواره مع المخلافي تيقن انه يتبنى فكر الإخوان المسلمين, ولم يكرر المحاولة. مقابلة أجراءها الباحث مع الأستاذ يحيى الشامي عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي, مصدر سبق ذكره.
 
(3) مقابله أجراها الباحث مع الأستاذ عبد السلام خالد كرمان, مصدر سبق ذكره. 
 
(4) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ عبد السلام العنسي, بتاريخ 9/2/2009م.
 
(5) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ عبد السلام العنسي, مصدر سبق ذكره.
 
(6) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ عبد الرحمن العماد، بتاريخ20/3/2006م.
 
(7) ناصر يحيى, قضايا الحركة الإسلامية في اليمن, الصحوة, العدد(748) الصادر بتاريخ 9/11/2000م.
 
(8) ناصر يحيى, قضايا الحركة الإسلامية في اليمن, الصحوة, العدد( 751) الصادر بتاريخ 30/11/2000م.
 
(9] ) ناصر يحيى, قضايا الحركة الإسلامية في اليمن, مرجع سبق ذكره.
 
(10)المرجع نفسه.
 
(11) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ أحمد القميري, مصدر سبق ذكره.
 
(12) سعيد ثابت سعيد، الحركة الإسلامية الإصلاحية والنظام، مرجع سبق ذكره, ص: 258.
 
(13) محمد محمد المقالح، التجمع اليمني للإصلاح من الجماعة إلى الحزب، في: الأحزاب السياسية اليمنية نقد وتقديم (ندوة)، المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية، مجلة شؤون العصر، السنة الثانية، العدد الثالث، خريف 1998م، 1419 ، ص: 47.
 

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك