كيف استطاعت الحركة الإسلامية تغيير ميزان القوى عسكريا وسياسيا.. الإخوان المسلمون وحرب المناطق الوسطى .. القصة الكاملة !

  

على مدى عشر حلقات سابقة نشر "المصدر أون لاين" الفصل الأول من الكتاب الهام "الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن من التحالف إلى التنافس" الذي خص مؤلفه الأستاذ ناصر الطويل "المصدر أون لاين" بنشره.
وللتذكير فقد تضمن الفصل الأول المعنون بـ"البناء السياسي والفكري للنظام السياسي والحركة الإسلامية"، ثلاثة أجزاء (مباحث)، تناولت المبحث الأول الملامح العامة للتطورات السياسية في شطري اليمن من عام 1962م وحتى العام 1978، وتناول المبحث الثاني تطور النظام السياسي في الشطرين الجنوبي والشمالي، وكذلك تطور نظام ما بعد الوحدة وخصائص ذلك النظام، فيما تناول المبحث الثالث من الفصل الأول نشور وتطور "حركة الإخوان المسلمين" في اليمن بمراحلها المختلفة منذ عام 1938م وحتى عام 1990 وهي مرحلة العلنية، ومن ثم التحول والاندماج الكامل في حزب الإصلاح.
 
 
وفي هذه الحلقة نبدأ بنشر الفصل الثاني من الكتاب والمعنون بـ " محددات العلاقة بين النظام السياسي والحركة الإسلامية قبل الوحدة" ، وننشر في هذه الحلقة المبحث الأول الذي يناقش " الواقع التشطيري والبنية السياسية والفكرية للنظامين" كما يكشف المؤلف العديد من الحقائق حول حرب المناطق الوسطى ، والدور المحوري للحركة الإسلامية فيها .
 
 
 
مقدمة:
تأثرت العلاقة بين الإخوان المسلمين والنظامين السياسيين في الجمهورية العربية اليمنية, وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بطبيعة البنية الهيكلية والفكرية للنظامين الحاكمين فيهما, وموقع الحركة الإخوانية في البنية السياسية لكلٍ منهما, فقد كانت الحركة الإسلامية جزءاً أصيلاً وفاعلاً في نظام الجمهورية العربية اليمنية، فيما استؤصلت بشكل كلي من بنية النظام في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية إذ كانت توجهات الحزب الاشتراكي الحاكم فيه لا تقف فقط عند محاولة منع أي وجود حركي أو تنظيمي للإخوان المسلمين في الجنوب فحسب، وإنما استهدفت مكانة الجوانب الثقافية والفكرية الإسلامية في المجتمع.
 
واقع التشطير في ذلك الوقت, والتباين ـ وفي أحيان كثيرة العداء ـ بين التوجهات السياسية والفكرية والارتباطات الخارجية للنظامين الحاكمين في شطري اليمن كان من العوامل المؤثرة على مسار العلاقة بين النظامين وحركة الإخوان المسلمين, لاسيما الشطر الشمالي.
 
بنفس القدر ـ تقريبًا ـ لعبت البنية الاجتماعية المتمايزة ـ إلى حدٍ ما ـ بين الشطرين دوراً مهماً في تحديد شكل ومضمون علاقة نظاميهما بالإخوان المسلمين باليمن.
 
والى جانب ذلك فإن ثمة عوامل أخرى أثرت على العلاقة بين الطرفين، ومن أهمها طبيعة البناء العقدي والفكري والقيادي للحركة الإسلامية الإخوانية, والتطورات الإقليمية والدولية التي كان لها حضور وتأثير على العلاقات بين القوى والأطراف السياسية في كلا الشطرين, وفيما بينهما، وعلى ذلك سيتم تقسيم هذا الفصل إلى أربعة مباحث:
 
نتناول في الأول والثاني: الواقع التشطيري وبنية النظامين السياسيين، والبنية الاجتماعية للمجتمع اليمني على التوالي, ونخصص المبحثين الأخيرين لتتبع تأثير الجوانب الفكرية والقيادية لحركة الإخوان المسلمين في اليمن على علاقتها بالنظام السياسي، و طبيعة تأثير المتغيرات الإقليمية والدولية على ذات العلاقة.
 
 
المبحث الأول :
الواقع التشطيري والبنية السياسية والفكرية للنظامين
 
مقدمة:
تأثرت العلاقة بين الحركة الإسلامية والنظامين السياسيين في شطري اليمن في مرحلة الثمانينيات بواقع التجزئة الذي كانت تعيشه اليمن في ذلك الوقت, والذي تكرس بتنافر البنية السياسية والفكرية للسلطتين الحاكمتين في الشطرين, وهكذا أفرزت العلاقة بينهما واقعًا اتسم بالصراع, وربما كانت حرب المناطق الوسطى في شمال اليمن إضافة إلى الحربين الشطريتين أبرز تلك الإفرازات.
 
 ولهذا فسيتم استعراض حدود تأثير الواقع التشطري، والتباين في التوجهات الفكرية والسياسية في العلاقة بين النظامين من جهة, وأثرها على علاقتهما بحركة الإخوان المسلمين من جهة ثانية، كما سنعرض نقطة أخرى للحديث عن توظيف سلطة كل نظام للمعارضين للنظام الآخر في إدارة العلاقات والصراع بينهما، وسنتوقف عند ما يُعرف بحرب المناطق الوسطى، وهي تلك الحرب التي دارت بين النظام السياسي في الشطر الشمالي والتنظيمات اليسارية والقومية المدعومة عسكريا وسياسيا وإعلاميا من حكومة الجنوب, لمدة تزيد عن عقد من الزمن (1972-1982).
 
 
أولا ً: البنية الهيكلية والسياسية للنظامين في الشطرين:
بغض النظر عن الجوانب التاريخية، فإن اليمن ظل موحداً في تصورات اليمنيين ومشاعرهم, وظل هدف تحقيق الوحدة اليمنية في أولويات الحركات الاجتماعية والسياسية والنخب الرسمية والشعبية في الشطرين على حدٍ سواء, كما أن العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية ظلت تتجاوز الحدود بين الشطرين ولا توليها أي اعتراف عملي.
 
وبعد حصول الشطر الجنوبي على استقلاله, كان يُتوقع أن تتشكل دولة واحدة لليمن بشطريه, غير أن التطورات سارت باتجاه إعلان دولة خاصة بالجنوب, وكان هذا الأمر يخالف تطلعات عدد كبير من اليمنيين, وفي مقدمتهم قيادة الجمهورية العربية اليمنية الذين لم يروا مبرراً لاستمرار تشطير اليمن بعد رحيل الاستعمار البريطاني, واضطروا لقبول الأمر الواقع تحت مخاطر سقوط صنعاء والنظام الجمهوري, حيث كانت صنعاء في ذلك الوقت تتعرض لحصار شديد من قبل أنصار النظام الملكي, وبدى واضحا من ذلك التاريخ أن الواقع التشطيري سيكون مصدراً لمشاكل سياسية واجتماعية واقتصادية لدولتي اليمن في المستقبل.
 
وهكذا فإن مصادر النزاع المتوقعة بين شطري اليمن لم تعد مقتصرة على الواقع التشطيري فحسب, وإنما ـ وهو الأهم ـ على التوجه الفكري والسياسي للنظام في الجنوب.
 
وخلال عقد السبعينيات فإن شطري اليمن أخذا يسيران في اتجاهين متعاكسين من حيث التركيبة السياسية والتوجه الفكري والارتباطات الخارجية, فالجبهة القومية سيطرت على السلطة في الجنوب وأعلنت نفسها التنظيم السياسي الوحيد في البلاد, وارتبطت بصلات فكرية -وربما تنظيمية- مع التيار اليساري في المنطقة, وتبنت تصدير الثورة والأفكار الاشتراكية إلى دول الجوار, مما أثار مخاوف القوى السياسية في شمال اليمن والجزيرة العربية.
 
 وأخذت الإجراءات الراديكالية التي قامت بها الجبهة القومية لبناء السلطة وصياغتها وفقًا للفكر الاشتراكي، تقصي بشكل متوالٍ القوى السياسية المعارضة: أعضاء جبهة التحرير, والمشائخ والسلاطين والإسلاميين وغيرهم من مختلف القوى السياسية والاجتماعية الذين شاركوا في حرب التحرير, كما تم إقصاء الجناح القومي, أو ما يطلق عليه بالجناح اليميني في الجبهة القومية بقيادة الرئيس قحطان الشعبي, "وبعد تحقيق هدفها في السيطرة السياسية انطلقت الجبهة وبقسوة شديدة لتقوية قبضتها على مؤسسات الدولة، وعلى مجتمع اليمن الجنوبي ككل... فعملت باتجاه السيطرة على جميع أجهزة الدولة على الطريقة التي اتبعتها الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية وكوبا"(1), وهيمن ما يعرف بيسار اليسار على الجبهة القومية والسلطة في جنوب اليمن, واتجهت الجبهة للحوار مع القوى اليسارية الأخرى لتشكيل التنظيم السياسي الموحد- الجبهة القومية كمرحلة انتقالية وبناءً على ذلك تم تشكيل الحزب الاشتراكي اليمني في أكتوبر 1978م.
 
 
وبذلك هيمنت الأيديولوجية اليسارية على النظام في الجنوب, وتم بناء النظام السياسي وفق الرؤية الاشتراكية, وقمعت التوجهات السياسية والفكرية الأخرى تماما, وامتدت صلات النظام في عدن بالاتحاد السوفيتي والدول والمنظمات الاشتراكية, وسعت السلطة في عدن إلى جعل الدولة في الجنوب قاعدة متقدمة للوجود اليساري في المنطقة, بدعمها لبعض التنظيمات اليسارية في كل من: شمال اليمن, وسلطنة عمان, وشبه الجزيرة العربية.
وسارت التطورات في الشطر الشمال بالاتجاه المضاد من حيث بناء النظام السياسي وتركيبة النخبة الحاكمة, وتوجهاتها الفكرية والسياسية, وتحالفاتها الخارجية, فقد تم بناء النظام السياسي فكريا وسياسيا بعد انقلاب 5 نوفمبر 1967م بصورة مغايرة لما كان عليه في مرحلة حكم الرئيس السلال, وبشكل يتفق مع التصور الذي كانت تحمله رموز المعارض لحكم السلال, وتضمنها دستور خَمِر, وتقوم على عدم تركيز السلطة في يد فرد واحد, وإعطاء الثقل في النظام السياسي للمؤسسة التي تمثل الإرادة الشعبية, وهكذا تكون نظام حركة نوفمبر من: المجلس الجمهوري, والحكومة, ومجلس الشورى, وهذا الأخير مثل مركز الثقل, لأنه جاء بالانتخاب, ولأنه من يقوم بانتخاب أعضاء المجلس الجمهوري ويوافق على تعيين رئيس الحكومة.
 
 
وبجانب ذلك فقد كانت القوى المحافظة هي المهيمنة على مؤسسات النظام, فبرغم الدور الكبير لحزب البعث في الإطاحة بالرئيس السلال بمساندة من أسرة أبو لحوم, إلا أن النفوذ الحقيقي كان لمشايخ القبائل,و-الى حد ما- تيار الإخوان المسلمين, وفي مقابل تكتل القوى اليسارية في الجنوب, اضطرت القوى السياسية المعارضة لتلك التوجهات في الشمال إلى التكتل أيضا, وكان في القلب منها تنظيم الإخوان المسلمين, فقد تم بناء تحالف داخلي بين تلك القوى للوقوف كحائط صد أمام المد الشيوعي.
 
وسارت بنية النظام السياسي في اتجاه مغاير لتوجه النظام في الجنوب, فقد تم تشكيل المجلس الوطني من (45)عضوا بالتعيين, روعي فيه تمثيل المناطق والقوى والفئات الاجتماعية المختلفة, وتمكن ذلك المجلس من القيام بالمهام التي انيطت به, فقد تمكن من إعداد الدستور الدائم الذي استمدت مواده من الشريعة الإسلامية, وأشرف على انتخابات مجلس الشورى, وكان معظم الفائزين فيه من المشايخ, كما ضم بعض العلماء والمثقفين والتجار والعسكريين, وقد انتُخبَ الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيسا للمجلس والأستاذ محمد الرباعي والأستاذ يوسف الشحاري نائبين لرئيس المجلس, والأستاذ عبد السلام خالد كرمان أميناً عاماً للمجلس, وكان القانون يعطي الأمين العام أحقية المشاركة مع رئيس المجلس ونوابه في إدارة المجلس(2).
 
وبرغم أن بنية النظام تغيرت بعد استيلاء الجيش على السلطة أثناء حكم الرئيس إبراهيم الحمدي وما بعده, إلا أن المحتوى الفكري للنظام ظل كما هو في الغالب, ونفس الأمر بالنسبة للقوى السياسية المهيمنة على السلطة, فقد ظلت في معظمها قوى محافظة أو معتدلة.
 
ويُعد وجود دولة اشتراكية قوية لها طموح في مد نفوذها إلى شمال اليمن من العوامل المهمة التي دفعت باتجاه توثيق العلاقة بين الرئيس علي عبدالله صالح وحركة الإخوان المسلمين, فالإخوان أدركوا بأنهم أكثر الأطراف تضررا من أي نصر يحققه الاشتراكيون في شمال اليمن, والرئيس كان يبذل وسعه لإنقاذ نظامه من سقوط وشيك أمام الزحف الثوري اليساري, وقد بقي التعاون بين الطرفين قوياً بحجم الخطر الذي يمثله النظام في الجنوب على الطرفين, ولاسيما الرئيس, فعندما خَفَت الجُنوح نحو الراديكالية في الجنوب منتصف الثمانينيات تراخت العلاقة بين الرئيس والإسلاميين, وازدادت تراخياً بعد الضربة القوية التي تعرض لها الحزب الاشتراكي في أحداث (13) يناير.
 
ثانياً: حرب المناطق الوسطى:
 تعود بداية الأعمال المسلحة التي كانت تقوم بها فصائل اليسار الماركسي في الجمهورية العربية اليمنية إلى انقلاب نوفمبر1967م, فمع أن الوحدات العسكرية المحسوبة على اليساريين شاركت في تنفيذ الانقلاب, إلا أن قادتها عادوا وتحفظوا على تولي الرئيس عبد الرحمن الإرياني الرئاسة, ووصفوا انقلاب نوفمبر بأنه انتصار للرجعية .
 
وفي تلك الفترة حدثت تحولات دراماتيكية متلاحقة, فقد حدث تصادم بين التيارات اليسارية وقيادة القوات المسلحة خلال أحداث حصار صنعاء، تمكنت خلاله القوات الموالية لقيادات الجيش برئاسة الفريق العمري والقوات الشعبية المساندة له من إلحاق هزيمة ساحقة بالوحدات العسكرية الواقعة تحت نفوذ التيارات اليسارية، فر على إثرها عدد كبير من ضباط وجنود تلك المعسكرات, وأعضاء لجان الدفاع الشعبي الموالية لهم، إلى الجنوب, وعاد بعضهم إلى مناطقهم في جنوب وغرب اليمن الشمالية، حيث شرعوا في العمل المسلح ضد مشائخ القبائل وممثلي السلطة المركزية.
 
كما حدث تحول في الإطار الفكري لفرع حركة القوميين العرب في شمال اليمن، فقد قطعت صلتها الفكرية والتنظيمية بحركة القوميين العرب (الأم)، وتحولت إلى تنظيم ماركسي، "ففي الفترة من 24 إلى 26 يونيو 1968م, جرت أعمال المؤتمر الاستثنائي لحركة القوميين العرب اليمنية في مدينة جبلة، وأقر المؤتمر تأسيس الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، وأنه لن يكون لهذا الحزب أي علاقات أو صلات تنظيمية بحركة القوميين العرب وقيادتها المركزية، ومن أهم ما جاء في المؤتمر إقراره للبرنامج السياسي للحزب القائم على أسس ومبادئ الاشتراكية العلمية, وسعيه لتوحيد أداة الثورة في الجنوب والشمال كمقدمة لإنجاز الوحدة الكاملة لكلا الشطرين، واعتبر المؤتمر حرب التحرير الشعبية هي الإستراتيجية الصائبة الوحيدة للاستيلاء على السلطة في البلاد(3).
 
وقد تساير هذا مع انتصار التيار اليساري في الجبهة القومية، وهيمنته على سلطة الدولة في الجنوب, ومد صلاته ودعمه لذات التيار في الشمال.
 
استمر الصدام بين الدولة والمتمردين خلال فترة حكم الرئيس الإرياني واشتد الصراع أثناء حكومة القاضي عبد الله الحجري, المحسوب على الإخوان المسلمين, والذي كان متحمساً للقضاء على تمرد الجبهة الوطنية, وكان قد تم اختياره رئيساً للوزراء إلى جانب كونه عضواً في المجلس الجمهوري ليقوم بهذه المهمة, وكان مشائخ القبائل وفي مقدمتهم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر وتنظيم الإخوان المسلمين أبرز القوى التي تسانده. 
 
وابتدءا من عام 1971م, اندلعت في مناطق إب, وريمة, ورداع، وفي المناطق المتاخمة للحدود مع اليمن الجنوبي: قعطبة, الحشاء, دمت, والبيضاء, حركة تمرد وتكونت الفرق المسلحة تحت قيادة "منظمة المقاومة الثورية", والتي أنشأها الأعضاء السابقون في حركة القوميين العرب"، واستغلوا سخط وتذمر الفلاحين إزاء استغلال الإقطاع ومشايخ القبائل لهم فنظموا تمرد الفلاحين والأعمال التخريبية ضد المستغِلين"(4).
 
تراجع النشاط المسلح لفصائل اليسار في فترة الرئيس إبراهيم الحمدي, لأنه من الناحية العملية وحتى الفكرية كان قريبا من تيار اليسار, فهو يتحرك على نفس الأرضية وله نفس المطالب، ويرفع الشعارات نفسها، ولذلك فقد كان العنف من قبل تنظيمات اليسار غير مبرر في عهده، وبالرغم من ذلك تم إعلان تشكيل الجبهة الوطنية أثناء فترة حكمه(5), وباغتيال الرئيس الحمدي اشتعل الصدام وبقوة بين نظام الرئيس أحمد حسين الغشمي, من جهة وفرع الحزب الاشتراكي اليمني الموحد في الجمهورية العربية اليمنية والقوى المعارضة للنظام من جهة ثانية، حيث انضمت قوى جديدة إلى الجبهة الوطنية, خاصة بعد اتهام الغشمي بالمشاركة المباشرة في اغتيال الرئيس الحمدي.
 
وبعد توليه السلطة مباشرةً لم يستطع الرئيس الغشمي أن يؤمن لنفسه تأييد ودعم الكثير من ضباط الجيش المؤثرين، خاصة قوات الصاعقة والمظلات، كما وقفت ضده قوات العمالقة التي كانت تحت قيادة عبد الله الحمدي، كل تلك الأوضاع اضطرته إلى البدء بإجراءات التصفية داخل الجيش، وكانت هذه الإجراءات موجهة بالدرجة الأولى ضد أصدقاء وأنصار الحمدي(6), فقد انضمت قوات المظلات التي تمردت على الرئيس الغشمي بقيادة عضو مجلس قيادة الثورة عبد الله عبد العالم إلى عناصر الجبهة الوطنية في قتالها ضد النظام في صنعاء، وانتشر بعضهم في الأرياف, حيث قادوا معارك مسلحة ضد ممثلي الدولة, وفي تلك الفترة أصبحت العلاقات بين الجبهة الوطنية الديمقراطية والغشمي متوترة, حيث تقدمت الجبهة إلى الغشمي بعدة مطالب(7).
 
 تولى الرئيس علي عبد الله صالح السلطة والأوضاع في البلاد في حالة من الضعف والاضطراب، وفي أقل من ثلاثة أشهر منذ توليه السلطة, وتحديدا في 15 أكتوبر 1978م، تعرض لانقلاب، وقف وراءه التنظيم الناصري الذي كان حليفًا للرئيس إبراهيم الحمدي, وكان عدد كبير من قيادات الانقلاب يتولون مناصب قيادية في الجهازين المدني والعسكري, وبعد فشل الانقلاب، وحدوث الاعتقالات والإعدامات الجماعية التي وجُهت للقائمين به، نزح الناصريون ومعهم الآلاف من مواطني وقبائل الشمال الموالين لهم إلى الجنوب، الذي وقف معهم ودعم خطواتهم في مقاومة السلطة، وساهم في تقريب وجهات النظر بينهم وبين قوى المعارضة الأخرى(8), حيث سار بقية أعضاء جبهة 13 يونيو (الناصرية) على طريق الوحدة مع الجبهة الوطنية الديمقراطية... وطبقًا للاتفاق الذي تم التوصل إليه تتولى الجبهة الوطنية الديمقراطية قيادة نشاط مختلف القوى الوطنية الديمقراطية, اليسارية و القومية في البلاد، وذلك بهدف إقامة السلطة الوطنية الديمقراطية في الشطر الشمالي من الوطن, على طريق تحقيق وحدة كلا الشطرين في اليمن الديمقراطي الواحد(9).
 
عزز توحدَّ جبهة (13) يونيو الناصرية مع الجبهة الوطنية من قوة المعارضة المسلحة، وهذا بدوره ساعد على تكثيف نشاطها (العسكري) في نهاية 1978م في المناطق الواقعة بين دمت والبيضاء، وفي مناطق وادي بَنَا وفي الحُجَرية الواقعة جنوب محافظة تعز، وسقطت تحت السيطرة الكاملة للجبهة عدة قرى أخرى وأصبحت تسمى "بالقرى المحررة"(10), وزاد من قوة وهيبة الجبهة الوطنية فشل الحملات العسكرية التي كانت توجه ضدها، فقد كان عدد من الجنود والضباط يفضلون الانضمام إلى صفوف الجبهة الوطنية، الأمر الذي رفع من هيبتها إعلاميًا وسياسيًا.
 
 "وتميز الوضع السياسي السائد في الجمهورية العربية اليمنية في النصف الثاني من عام 1978م بعدم الاستقرار, والإنذار بإمكانية تغيير النظام, وتوقعت القوى الديمقراطية (اليسارية) في عدن احتمال انتقال السلطة إلى القوى التقدمية بقيادة الجبهة الوطنية"(11). ولهز النظام السياسي في الشمال والتسريع في إسقاطه بيد الجبهة الوطنية، افتعل النظام السياسي في الجنوب الحرب مع الشطر الشمالي، التي اندلعت في 23 فبراير 1979م، وهزم فيها جيش الشمال، ولم يخفف من حجم الهزيمة سوى مساندة القوى القبلية له، والتدخل الحازم من قبل سوريا والعراق لوقف القتال، وإنقاذ النظام في الشمال, وأصدرت الجبهة الوطنية بلاغًا جاء فيه بأن فرقها المسلحة العاملة في اليمن الشمالي تسيطر سيطرة كاملة على المدن اليمنية الشمالية، قَعطَبة، والبيضاء، وحَرِيب(12).
 
أدى تدخل الجامعة العربية واتفاقية الكويت بين الرئيس علي عبد الله صالح وعبد الفتاح إسماعيل إلى توقف القتال مع الشطر الجنوبي, لكنه لم يحل مشكلة الصراع مع الجبهة الوطنية، حيث استمر القتال مع تشكيلاتها المسلحة في عدد من المناطق في محافظات صنعاء، وذمَار, والبيضاء, والجوف, ومأرِب, وبشكل أكبر في محافظتي تعز وإب.
 
 عقد الرئيس علي عبد الله صالح عدة حوارات مع قيادات الجبهة الوطنية, بهدف امتصاص ضغوطها وكسب الوقت, ليتمكن من إجراء الترتيبات العسكرية والسياسية التي تمكنه من المواجهة, أما الجبهة الوطنية فقد كانت ترى أن ميزان القوى يميل لصالحها, ولذا فإن بإمكانها فرض مطالبها وشروطها على النظام الذي كان في حالة من العزلة والضعف.
 
    وقبل تحليل تلك العوامل، لا بد من تحديد المتغيرات التي أدت إلى تنامي قدرة الجبهة الوطنية, ومكنتها من الاستيلاء على مناطق واسعة في عدد من محافظات الجمهورية العربية اليمنية.
 
   يمكن إرجاع تنامي قدرة الجبهة الوطنية وتمكنها من الاستيلاء على مناطق واسعة في عدد من محافظات الجمهورية العربية اليمنية،إلى عدد من العوامل يأتي في مقدمتها امتلاك التيار اليساري لقوة وخبرة وتقاليد تنظيمية قوية, لاسيما تلك التي بنيت في مرحلة تنظيم القوميين العرب، الذي كان يمتاز بالصرامة التنظيمية، ويأتي بعد ذلك الدعم المادي والمالي والسياسي والإعلامي الذي كان يقدم من عدن وبقية الدول والمنظمات الاشتراكية.
 
كما أن الجبهة الوطنية الديمقراطية اصبحت إطارًا يجمع معارضي النظام السياسي في الشمال من التنظيمات اليسارية والقومية، ووعاءً يلتقي فيه خصوم النظام, فكلما توترت علاقة النظام بفئات سياسية أو اجتماعية, انضمت إلى الجبهة الوطنية الديمقراطية وهكذا إنضم الناصريون (جبهة 13 يونيو), وبعثيوا فرع العراق (لبعض الوقت)، وعدد كبير من الأفراد المستقلين بما في ذلك أولئك الذين ارتكبوا من الأعمال ما يوجب فرارهم من قبائلهم أو سلطة الدولة.
 
وقد ساعدت الظروف التي كان يمر بها النظام في الجمهورية العربية اليمنية في إضعاف سلطته وإغراء المناوئين له سياسيا وفكريا بإمكانية إسقاطه, ومنها الآتي:
 
ـ أن النظام السياسي ظل يعاني من فراغ مركب، سياسي وأمني وتنموي، حيث كان تواجد سلطة الدولة في العديد من المناطق ضعيفا وفي بعض الأحيان شكليا, ودورها التنموي محدوداً للغاية, كما أن النظام كان يفتقد إلى مؤسسات جماهيرية "تنظيم سياسي، وأيديولوجية متماسكة(13)، هذا الفراغ الذي اتسع نطاقه في الأرياف، مثل بيئة مناسبة لعمل الجبهة الوطنية بكل فصائلها، وسهل من انتشارها تنظيميا وعسكريا.
 
ـ الظلم الاجتماعي، حيث كانت العديد من المناطق, لاسيما في محافظة إب, ورَيمة ووُصاب, وعُتُمة, تعاني من استبداد بعض المشايخ في ظل ضعف أو تواطؤ ممثلي السلطة المركزية, وقد كانت مقاومة ظلم المشائخ إحدى المداخل المهمة التي تغلغل من خلالها أعضاء التنظيمات اليسارية إلى المجتمع, وكونوا حولهم فرقاً موالية تمكنت من رفع بعض الظلم وقد لمس المواطنون فوائد الفرق اليسارية المسلحة في رفع بعض الظلم عنهم وأخذوا يتعاطفون معها(14).
 
وبجوار الظلم الاجتماعي انتشرت بعض الخرافات الدينية في بعض المناطق, وقد كان وضع الرموز الدينية على درجة من السوء والغش, كما هو الحال بالنسبة لبعض أمناء المحلات والقضاة، حيث كانوا أداة بيد الشيخ الذي يشتري ذممهم ومواقفهم بأشياء زهيدة(15)، في الوقت ذاته كان ممثلو السلطة المركزية ضعافاً وليس لديهم إمكانيات كافية, فكانوا يجارون بعض الوجاهات(16)، ولا يقفون ضد ظلمهم.
 
ـ الضعف العام الذي كان يعاني منه النظام في ذلك الوقت، فلم يكن لديه القدرة على مواجهة الأعمال المسلحة لتنظيم اليسار(17), نتيجة لتراكم تطورات سياسية داخلية وخارجية, أدت إلى ضعف سلطة وأجهزة الدولة، وكل ذلك شجع تنظيمات اليسار والسلطة في عدن وأغراها بالقيام بتدبيراتها ضد الحكومة(18).
 
ـ امتلاك الحزب الاشتراكي لتنظيم سري متغلغل في مؤسسات الدولة وأجهزتها المختلفة والوحدات العسكرية والأمنية، لعب دورًا مهماً في إضعاف مواقف النظام, ومارس حملة تضليل واسعة على القيادة السياسية، إذ ظل لفترة يقلل من مخاطر أعمال العنف التي اندلعت في بعض المناطق، ويصورها على أنها أعمال فردية، وأن ثمة من يريد أن يسترزق على حساب أعمال العنف بين الحكومة والمواطنين(19), كما لعب دوراً كبيراً في كشف الحملات العسكرية وإفشالها.
 
   وفيما كان القتال يشتعل في كثير من مناطق الجمهورية، وزحف الجبهة الوطنية يتقدم عسكرياً باتجاه صنعاء وسياسيًا باتجاه فرض رؤيتها الفكرية ومطالبها السياسية على النظام ومنها المشاركة في عدد من الوزارات السيادية، كان هناك حراك يعتمل داخل حركة الإخوان المسلمين, وربما لا يقل أهميةً عن الحراك الذي يجري على الساحة الوطنية.
 
لقد كانت الحركة الإسلامية أسيرة لاستقطاب حاد بين منهجي العمل اللذين سبقت الإشارة إليهما، وقد ساهمت التطورات المتلاحقة على الساحة الوطنية, وما تحمله من مخاطر محدقة بالحركة الإسلامية أولاً, وبالبلاد ثانيًا, في رفع سقف الحراك داخل الحركة نفسها.. وعجلت في حسم خيار تغيير القيادة، وبعد تخطي المصاعب الداخلية توقفت مؤسساتها القيادية حول الأسلوب المناسب الذي تتعامل به الحركة مع التطورات الملتهبة, وفي مقدمتها مخاطر سقوط البلاد بيد اليسار, ورغم معارضة بعض القيادات لمشاركة الحركة في العمل المسلح، لكن التطورات الميدانية وضعتهم أمام الأمر الواقع.
 
وثار جدل واسع, استمر لفترة غير قصيرة داخل مؤسسات الحركة حول الجوانب الشرعية والأمنية والسياسية لقرار المواجهة العسكرية, إذ كان هناك رأي يخشى من استهداف السلطة للحركة بعد انتهاء المعارك, ويحذر من تكرار ما حدث للإخوان المسلمين في مصر بعد مشاركتهم في حرب فلسطين عام 1948م, حيث تم نقلهم من ميدان المعركة إلى سجون السلطة, غير أن مؤسسات الحركة غلّبت في الأخير اعتماد الرأي القائل بالمواجه المسلحة مع فرع الحزب الاشتراكي في شمال اليمن, واتخذت قراراً آخر بضرورة الدفع بالسلطة لمشاركة الحركة في المواجهة.
 
وبمبادرة ذاتية, مهد القاضي أحمد الأكوع للقاء بين الرئيس ووفد من قيادة الحركة, والذي قدم نفسه باعتباره يمثل قيادة تنظيم الإخوان المسلمين(20)، وهي المرة الأولى التي يتم التعامل فيها مع قيادة الدولة بالإسم الحقيقي للجماعة، وأوضح الوفد للرئيس المخاطر المشتركة التي يمثلها العمل المسلح لتنظيم اليسار على الطرفين, وعرض عليه إمكانية التعاون بينهما لمواجهته, وفي اللقاء الثاني قدمت قيادة الحركة مخططاً يوضح مساحة الالتقاء الواسعة بين الرئيس والإخوان فكريًا وسياسيًا(21).
 
لم يكن الرئيس واثقاً بقدرة تنظيم الإخوان المسلمين على الوقوف أمام الجبهة الوطنية بعد أن عجزت وحدات الجيش والأمن عن صد هجماتها, كما أن معظم قيادات الدولة كانت يائسة من إمكانية المواجهة العسكرية مع الجبهة الوطنية, فهمت قيادة الحركة أسباب تردد الرئيس الناتج عن عدم ثقته بقدراتها, وآثرت أن تقدم له إجابةً عملية، فكلفت أحد أعضائها بالشروع في مواجهة التنظيم اليساري المسلح في منطقته(22)، وتمكنت الحركة بذلك من إلحاق الهزيمة بأنصار الجبهة الوطنية في تلك المنطقة، فبدأ الرئيس يقدم بعض الدعم المحدود، وعندما تعثر الحوار بينه وبين الجبهة الوطنية الديمقراطية، ولم تجد الأخيرة وفاءًا من الرئيس، هاجمت أحد المعسكرات بمنطقة وادي بنا بمحافظة إب واستولت عليه، وفي تلك الأثناء تضاعف دعم الرئيس للإخوان, وشمل الدعم بعض الذخائر والمؤن والغذاء وبعض التسهيلات الميدانية, وقد تم ذلك بصورة سرية نتيجة لعدم إعلان التعددية الحزبية, حيث كانت التنظيمات السياسية موجودة في الظل وغير معلنة, لأن الدستور يمنع ذلك(23), كما ارتفع سقف التنسيق بين القيادات العسكرية الميدانية, والفرق القتالية الإخوانية.
 
وقد كانت أهم الترتيبات التي قامت بها الحركة الإسلامية استعدادًا للمواجهة العسكرية مع التنظيمات الماركسية المسلحة تتمثل في الآتي(24):
 
1ـ تعيين قيادات من أبناء المناطق التي سيتم مواجهة أنشطة الجبهة الوطنية فيها, ممن يمتلكون القدرات القيادية والاستعداد للتضحية.
2ـ إجراء مسح للمناطق التي بها نشاط للجبهة الوطنية, لمعرفة الطبيعة الطبوغرافية للمنطقة.
3ـ معرفة حجم قوة الجبهة في كل منطقة تتواجد فيها.
4ـ تجنيد مجاميع من عناصر الحركة, وتدريبهم على استخدام أسلحة حرب العصابات.
5ـ التنسيق مع المسؤولين الحكوميين في المحافظات, للتعاون مع المكلفين بقيادة المواجهة المسلحة.
6ـ توفير الأسلحة والذخائر اللازمة للقيام بعملية المواجهة.
7ـ تدريب المشاركين من أعضاء الحركة الإسلامية على كيفية التعامل الاجتماعي والدعوي مع أبناء المناطق التي يتواجد بها اليسار.
8ـ حشد مجاميع دعم من جميع المحافظات لمناطق المواجهة, وتدريبهم على الأسلحة المستخدمة.
 
تعاملت الحركة مع المناطق التي يسيطر عليها أو يتواجد فيها اليسار بما يناسب كل منها، ففي المناطق الوسطى أعطت الحركة أولوية للعمل الوعظي, من خلال نزول أعضائها على شكل مجموعات مسلحة، تتنقل بين القرى وتقوم بتوعية المواطنين, من خلال منابر المساجد، والمهرجانات والزاومل الشعبية والمقايل, ثم بدأ الاحتكاك بين المجموعات الإسلامية والمجموعات اليسارية.
 
قابلت الجبهة الوطنية ذلك التواجد البسيط للإسلاميين بسخرية واستخفاف وكان تقدير الجبهة أنه لا يمكن لأي طرف آخر أن يواجهها بعد أن فشل الجيش, وفي صيف عام 1980م اندلعت أولى المواجهات المسلحة بين الطرفين في منطقة (خُبان) بمحافظة إب، وتكللت بانتصارات حاسمة أدت إلى تراجع كبير ونكسة هي الأولى من نوعها لليساريين بعد أن كانوا أسطورة خارقة في نظر المواطنين والقوات المسلحة(25), وامتد القتال على أثرها إلى كل مناطق النفوذ اليساري.
 
في تلك الأثناء بدأت السلطة في تزويد الإسلاميين بالإمكانيات اللازمة لاستمرار المواجهة, في الوقت الذي بدأ التنسيق بين وحدات الجيش والمجموعات الإسلامية المسلحة في استلام المواقع التي كانت الجبهة الوطنية تنسحب منها(26).
 
اشتدت المعارك بين أعضاء الجبهة الوطنية من جهة وأنصار الإخوان المسلمين والجيش من جهة ثانية، وفيما أفرزت الحركة أمينها العام الأستاذ عبد الملك منصور للتواصل مع قيادات الدولة، وتأمين الدعم اللازم للعمل العسكري، انشغلت بقية القيادات في إدارة المعارك التي اتسع نطاقها من قضاء ريمة وحتى الحدود مع الشطر الجنوبي، حيث كان يتم تجميع أنصار وأعضاء الإخوان من المحافظات التي لا يوجد بها عمل مسلح وإنزالهم على شكل دفعات إلى مناطق الاقتتال, ليستمروا هناك فترة محددة ثم يتم استبدالهم بآخرين, وهكذا(27).
وقد شاركت الوحدات العسكرية التي خرجت من الجنوب بعد وصول اليسار المتطرف إلى السلطة في عدن في المعارك العسكرية ضد فرق الجبهة الوطنية بقيادة "حسين عثمان عشال", والذي كان قائد الجيش عند استقلال الشطر الجنوبي, ونسق مع فرع الحركة في عدن وانضم فيما بعد إلى تنظيم الإخوان, كما قام الضباط في تلك الوحدات بتدريب المتطوعين من الإخوان, كونهم يمتلكون خبرة عسكرية سابقة.
 
ورغم التقدم الذي كانت تحرزه الحركة الإسلامية بمساندة فرق من الجيش ـ بعد أن تم إعادة ترتيبها ـ لاسيما في المناطق الوسطى، إلا أن الأمر لم يكن كذلك في مناطق أخرى, مثل ريمة وعُتُمة ووُصاب، بسبب الظروف الجغرافية الوعرة, ومحدودية عناصر الإخوان في تلك المناطق، وبسبب الأخطاء التي كانت ترتكبها الحملات العسكرية الرسمية, فبعض الحملات العسكرية لم تكن تميز بين المواطنين والمتمردين, مما أحدث تعاطفًا محليًا مع من كانت تطلق عليهم الدولة "بالمخربين"(28), هذا إلى جانب فشل عدد كبير من الحملات العسكرية إما بسبب أن ولاء بعض أفرادها يميل لصالح اليسار, أو لعدم خبرتها بالمنطقة، ولأساليب حرب العصابات والكر والفر التي كان يتّبعها المتمردون، مما يرفع من هيبتهم لدى المواطنين، ولم يتم تجاوز هذه المشاكل إلا عندما أسندت قيادة الحملات العسكرية إلى أشخاص ينتمون إلى نفس المناطق التي توجه إليها الحملات العسكرية, فعلى سبيل المثال: لم تفلح الحملات العسكرية التي كانت ترسلها السلطة في صنعاء إلى منطقة ريمة إلا بعد أن أُسندت قيادتها إلى الشيخ علي يوسف الجعدي, وهو ينتمي إلى ذات المنطقة وعضو بتنظيم الإخوان المسلمين, ولمعرفته بخريطة الانتماءات في المنطقة تمكن من جذب تأييد قطاع كبير من المواطنين, وتجنب الإضرار بهم, والقضاء على التمرد وفرض سلطة الدولة في المنطقة .
 
خاضت فرق الجبهة الإسلامية صراعًا عنيفًا مع قوات الجبهة الوطنية الديمقراطية، وأعلن المشايخ انضمامهم إلى جانب فرق الجبهة الإسلامية(29), وهذا المسمى هو الاسم الذي أطلقه المواطنون ووسائل الإعلام الخارجية على الفرق المقاتلة من الإخوان المسلمين ومن معهم من المواطنين, في مقابل الجبهة الوطنية.
 
ميل المعارك لصالح الإسلاميين أدى إلى حدوث تحولات في مواقف المواطنين، حيث أخذوا يتحررون نفسيا من إرهاب الجماعات المسلحة التابعة للجبهة الوطنية, ويتشجعون في دعم أنصار حركة الإخوان المسلمين وفرق الجيش، وهو ما ساهم في التسريع بهزيمة تيار اليسار المسلح.
 
وبالتوازي مع المواجهات المسلحة, كانت تتم مفاوضات متقطعة بين رئيس الجمهورية وبعض قيادات الدولة من جهة، وممثلين عن الجبهة الوطنية من جهة ثانية، وبناء على سير المعارك أخذ موقف الرئيس التفاوضي يتعزز مقارنة بما كان عليه في المراحل الأولى للمواجهة, وفي المقابل أخذ سقف مطالب الجبهة الوطنية في التراجع التدريجي, ففي البداية طلبت الجبهة الوطنية من قيادة الجمهورية العربية اليمنية تطبيق الشروط التي تقدمت بها قبل أن تلقي بسلاحها, ومن بين هذه المطالب: "إجراء الإصلاح الزراعي في البلاد على غرار ما تم في الجنوب (التأميم الزراعي), وإزاحة أنصار الإقطاع من الحكومة، وتخفيف الاعتماد على السعودية, واتخاذ إجراءات محددة لتحقيق الوحدة مع اليمن الجنوبي.., وتمخض الحوار بين الرئيس علي عبد الله صالح وسلطان أحمد عمر إلى بحث أشكال مشاركة الجبهة في إدارة البلاد، ووافق الرئيس على ضم عناصر من الجبهة في الحكومة, على أن لا يأخذ ذلك طابع التمثيل الرسمي للجبهة(30).
 
وفي أغسطس 1980م تم التوصل إلى توقيع اتفاق بين الرئيس وقيادة الجبهة, يقضي بتوقف العمليات العسكرية، وأطلقت سلطة الجمهورية العربية اليمنية سراح بعض أعضاء الجبهة، كما سمحت للجبهة بإصدار صحيفتها الأسبوعية "الأمل"(31), وهي الصحيفة التي استمرت في الصدور حتى أحداث يناير 1986م في الجنوب وكانت تعبر عن وجهة نظر اليسار.
 
ومع تدخل الإخوان المسلمين في القتال تغير ميزان القوى لصالح النظام السياسي في الميدان, وتغيرت معه مطالب الجبهة الوطنية، ففي منتصف يونيو 1982م أجرى قادة الجبهة الوطنية الديمقراطية محاولة أخرى للاتفاق مع الحكومة، حيث طالبت الجبهة بوقف العمليات العسكرية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين, وعودة المنفيين السياسيين إلى البلاد, مقابل قيام الجبهة بإعادة المناطق الواقعة تحت سيطرتها(32).
 
ومع مرور الوقت أخذ أنصار الجبهة الإسلامية يضاعفون نشاطهم, حيث تمركزت فرقها في تلك المناطق التي كان للجبهة الوطنية الديمقراطية فيها نشاط فعال، وجنبًا إلى جنب مع قوات الجيش النظامي, أوقعت فرق الجبهة الإسلامية هزيمة ماحقة بفرق الجبهة الوطنية الديمقراطية، وذلك في مايو ـ يونيو 1982م.. وفي ذلك الحين نمت القدرة القتالية للجيش النظامي، فتحت ضغط الجيش ودعم "الجبهة الإسلامية" أجبرت قيادة الجبهة الوطنية الديمقراطية على الانسحاب من بعض المناطق الخاضعة لسيطرتها(33).
 
وفي شهر يونيو أعلن ممثلو الجبهة الوطنية الديمقراطية عن سحب فرق الجبهة ومعداتها من المنطقة الوسطى، ومنطقتي ريمة ووصاب، تحت ضغط القوات المسلحة المتفوقة والجبهة الإسلامية, وهكذا انتهت حرب العصابات التي شنتها الجبهة الوطنية الديمقراطية على مدى خمس سنوات, من 1978م وحتى عام 1982م بالفشل والهزيمة(34).
 
ومن الواضح أن هناك عدداً من العوامل أدت إلى تقهقر الجبهة الوطنية الديمقراطية عسكريًا وفكريًا أمام تنظيم الإخوان المسلمين والقوات الحكومية, فخلال السنوات الخمس التي اشتعلت فيها حرب المناطق الوسطى, أخذت الجبهة الوطنية الديمقراطية تفقد شيئًا فشيئًا بعض مصادر قوتها، فيما تعززت مصادر قوة الطرف الآخر, المتمثل بنظام الرئيس علي عبد الله صالح، وحركة الإخوان المسلمين، وهو ما سيتضح من خلال عرضنا للمتغيرات التي أدت إلى الهزيمة العسكرية للجبهة الوطنية الديمقراطية, والتي يتمثل بعضها في الآتي:
1ـ مبادرة حركة الإخوان المسلمين ودخولها في المواجهة العسكرية ضد الجبهة الوطنية الديمقراطية، فقد لعب الإخوان بمشاركتهم في الحرب دورًا محوريًا ضد تقدم الفرق المسلحة اليسارية، حيث أعادوا الثقة إلى نظام الرئيس علي عبد الله صالح والجيش بقدرة الدولة على التصدي لعنف اليسار من جهة, وثقة المواطنين الذين أذعنوا اضطرارًا للجبهة من جهة ثانية, "فقد كان الإخوان المسلمون هم القوة المنظمة الوحيدة في الساحة، وكان لهم دور المبادرة في مساندة الدولة"(35) فمبادرة الحركة الإسلامية الإخوانية كما يشير إلى ذلك الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر "اثبتت أن "المخربين" (المتمردين اليساريين) ليسوا قوة لا تقهر, وأنه بالإمكان القضاء عليهم, بعد أن كان اليأس والإحباط قد أصابا الجميع, وحين واجههم (الإخوان) بنفس الأساليب التي استخدموها, واستطاعوا أن يُحجّموهم ويحققوا بعض الانتصارات عليهم, تشجع النظام والجيش لمواجهتهم, ويشدد الشيخ الأحمر على "أن هذه المواقف والأدوار لا يستطيع الرئيس علي عبد الله صالح أن ينكرها، وأنه لولا هذه الأدوار وهذه القوى (الإخوان المسلمين) لما تمكن النظام من النجاح، صحيح أن القوات المسلحة قامت بأدوار كبيرة وهامة, لكن أدوارنا كانت أطول وأوسع وأضعفت كثيراً كل محاولات التخريب والمد اليساري(36), وإلى جانب دورهم الكبير في المواجهة المسلحة فقد انفرد الإخوان كذلك بالمواجهة الإعلامية والفكرية ضد الجبهة الوطنية، وهي مواجهة لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية(37).
 
2ـ إعادة ترتيب أوضاع الجيش، وإسناد المناصب القيادية إلى أشخاص ليس لديهم ولاء للتنظيمات اليسارية, وإسناد قيادات الحملات العسكرية إلى شخصيات توالي النظام وتنتمي في الغالب إلى نفس المنطقة مما قلل من الأخطاء(38) التي كانت ترتكب في الماضي, وكان له دور في جذب المواطنين إلى الوقوف إلى جانب القوات الحكومية.
 
3ـ كشف التنظيم السري في صنعاء, الذي يمثل امتداداً للجبهة الوطنية في مؤسسات الدولة، وهو ما كشف كثيراً من مخططات الجبهة, وحرمها من مصادر المعلومات التي كانت تفيدها في صراعها السياسي والعسكري مع السلطة.
 
4ـ اعتماد قيادة الجبهة على العمل المسلح والقوة المسلحة فقط، والاستهانة بغيرها من الأساليب, بما في ذلك تأييد الشعب, الأمر الذي أدى بالتدريج إلى انعزال الجبهة عن سكان المناطق التي تركز نشاطها فيها، وعن أنصار النهج الوطني (اليساري) في المدن, وبالدرجة الأولى في العاصمة(39).
 
5ـ عدم التناغم بين قيادات وقواعد تنظيم الحزب الاشتراكي بالشمال بسبب تشكله من عدد من الأحزاب والمجموعات ذات الاتجاهات السياسية المختلفة (ماركسيين، قوميين), وهيمنته على إدارة الجبهة الوطنية، وخروج الأطراف السياسية الأخرى منها مثل جبهة 13 يونيو والبعثيين(40)، والممارسات الإرهابية والقمعية التي كانت تقوم بها فرق الجبهة الوطنية مما نفّر المواطنين منها.
 
6ـ وصول علي ناصر محمد إلى قيادة الدولة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والذي لم يكن متحمسًا لدعم الجبهة الوطنية، وكان يرغب في بناء علاقات طبيعية مع حكومة الشطر الشمالي ودول الخليج العربي.
بعد انتهاء حرب المناطق الوسطى, تعززت العلاقة بين الإخوان المسلمين ونظام الرئيس علي عبد الله صالح, وأخذ التعاون بينهما بُعدًا استراتيجيًا, واتجه العمل بينهما إلى استكمال بناء مؤسسات الدولة وتأمينها ضد المخاطر الفكرية والسياسية والعسكرية المحتملة من قبل النظام في الجنوب, فالدور الذي قام به الإخوان في القضاء على التمرد المسلح لليساريين وجد تقدير كبير لدى الرئيس, كما يشير الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر إلى ذلك في مذكراته: " أكد القناعة لدي الرئيس أننا نعتبر سنداً له وأننا قد تحملنا العبء الأكبر في الدفاع عن الوطن والعقيدة "(41).
 
ولم تقتصر المعركة مع تنظيم اليسار المعارض في الشمال على الجانب السياسي والعسكري, بل امتدت إلى الجانب الفكري، فقد تولى الإخوان القيام بمهمة المواجهة الفكرية مع الأيدلوجية الماركسية، وتبنوا استراتيجية لتحصين المجتمع ضد الأفكار اليسارية, وكانت المعاهد العلمية تحتل مكانا متميزا في تلك الاستراتيجية, ويبدو أن ذلك هو ما جعل الرئيس لا يتجاوب مع الضغوط التي كانت تمارسها بعض القوى اليسارية والإمامية والليبرالية لإلغاء المعاهد العلمية, ودمجها مع المدارس في نظام تعليمي واحد.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
 المراجع :
 
(1) جريجري جريس، العلاقات اليمنية السعودية، مرجع سبق ذكره، ص: 78-79.
(2) الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر, مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر, مصدر سبق ذكره, ص: 199.
(3) جولوفكايا: إيلينا. ل.، التطور السياسي للجمهورية العربية اليمنية، مرجع سبق ذكره، ص: 127.
(4)جولوفكايا: إيلينا. ل.، التطور السياسي، مرجع سبق ذكره، ص: 169.
(5) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ على الصراري, عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، صنعاء بتاريخ 13/5/2006م.
(6) جولوفكايا: إيلينا. ل.، التطور السياسي، مرجع سبق ذكره، ص: 169.
(7) أهم تلك المطالب: شرعية وعلنية نشاط الأحزاب والنقابات، وقيام مجلس شورى يشارك فيه اليسار، وتنفيذ تحولات اجتماعية وإدارية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف تدخل السعودية، والعمل على قيام الوحدة.
(8) عبد الملك المخلافي، العلاقة بين دولتي اليمن في إطار الصراع والوحدة (1967 ـ1987م)دراسة سياسية وقانونية، المستقبل العربي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، عدد (114) أغسطس 1988م.
(9) جولوفكايا: إيلينا. ل.، التطور السياسي، مرجع سبق ذكره، ص317.
(10) المرجع نفسه، ص318.
(11) المرجع نفسه، ص319.
(12)جولوفكايا: إيلينا. ل.، التطور السياسي، مرجع سبق ذكره ، ص321.
(13) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ محمد عبد الله الجايفي وزير التربية والتعليم السابق، ومحافظ لواء إب في فترة الصدام مع الجبهة الوطنية بتاريخ 26/3/2006م.
(14) يوجد شبه إجماع بين من قابلهم الباحث أن الظلم الاجتماعي بصوره المتعددة كان من العوامل المهمة التي سهلت انتشار اليسار ومكنته من الاستيلاء على عدد كبير من المناطق.
(15) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ عبد الرحمن العماد، مصدر سبق ذكره.
(16) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ محمد عبد ال

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك