الحركة الإسلامية والنظام السياسي .. من التحالف إلى التنافس (الحلقة الثانية عشرة).. البنية الاجتماعية للمجتمع اليمني وتأثيرها على العلاقة بين الأنظمة والإسلاميين

  

نواصل نشر الفصل الثاني من كتاب " الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن .. من التحالف إلى التنافس"، لمؤلفه الأستاذ ناصر الطويل الذي خص المصدر أون لاين بنشره .
 
كنا قد بدأنا في الحلقة السابقة بنشر الفصل الثاني من الكتاب والمعنون بـ " محددات العلاقة بين النظام السياسي والحركة الإسلامية قبل الوحدة" ، وكان المبحث الأول منه يناقش " الواقع التشطيري والبنية السياسية والفكرية للنظامين" كما كشف المؤلف فيه العديد من الحقائق حول حرب المناطق الوسطى ، والدور المحوري للحركة الإسلامية فيها .
في هذه الحلقة ننشر المبحث الثاني من هذا الفصل الذي يتحدث حول البنية الاجتماعية للمجتمع اليمني وتأثيرها على العلاقة بين الأنظمة والإسلاميين .
 
 
مقدمة:
يتسم المجتمع اليمني بغلبة المكون القبلي في بنيته الاجتماعية, وتأثيره القوي في الحياة السياسية والاجتماعية في معظم مراحل تاريخ اليمن قديمًا وحديثًا, "وقد مثلت القبيلة -إلى حد كبير- ثقافة وهوية وأسلوب حياة عبر التاريخ اليمني" (1), وظلت ثابتًا من ثوابت الحياة الاجتماعية والسياسية في اليمن في كل المراحل التاريخية وحتى اليوم, ويصعب فهم حقيقة التطورات السياسية والاجتماعية في اليمن دون الإحاطة بمكانة القبيلة في البناء الاجتماعي وأهمية دورها في التطورات السياسية في مختلف الظروف والأوقات.
 
 وقد لعبت العوامل الجغرافية والاقتصادية والسياسية دورًا هامًا في تنوع بناء المجتمع اليمني, حيث استمر البناء القبلي قويًا ومتماسكًا في بعض المناطق، وضعف أو حافظ على حد أدنى من التماسك في مناطق أخرى, ودون شك فقد كان للبناء الاجتماعي تأثير على طبيعة وأداء النظام السياسي في شطري اليمن، وعلى علاقات كل منهما مع القوى السياسية الأخرى، ففي حين ساعد ضعف البنية الاجتماعية في جنوب اليمن على إقامة نظام يساري صارم، فإن التماسك والقوة التي تتمتع بها عدد من القبائل في شمال اليمن وشرقها خفف من سطوة السلطة الحاكمة, ووسع من هامش الحركة أمام القوى السياسية والاجتماعية الأخرى.
 
وعلى هذا سوف نتناول طبيعة البنية الاجتماعية للمجتمع اليمني, وأهم التطورات التي لحقت بها, ودورها في التأثير على العلاقة التي تشكلت بين كل من النظام السياسي والحركة الإسلامية خلال مرحلتي التشطير والتعددية الحزبية بعد الوحدة.
أولا: طبيعة البنية الاجتماعية للمجتمع اليمني:
استمرت القبيلة أحد مكونات البناء الاجتماعي للمجتمع اليمني في كل مراحله التاريخية, وقد عرف المجتمع اليمني بأنه ينقسم إلى عدد من القبائل المتجاورة, فعلى الرقعة اليمنية سادت سبع قبائل كبيرة هي: حِميَر، وهَمدان، ومذحج، وخولان، وحضرموت، وكِندة، ومهرة، بالإضافة إلى قبائل بلاد السراة العديدة, وقبائل إقليم تهامة(2), وقد كان للبناء الاجتماعي اليمني القائم على قبائل كبيرة ومتجاورة انعكاسات واضحة على حدود الدولة اليمنية, وطبيعة السلطة والحياة السياسية فيها, وقد أسهمت ظروف اليمن الجغرافية والاقتصادية والبيئية والعادات والتقاليد المتوارثة, في الحفاظ على البنية القبلية لغالبية سكان اليمن, ومن المؤكد أن دخول اليمن الإسلام مثّل المتغير الأكثر تأثيرًا في المجتمع اليمني, سواء من حيث البناء أم القيم(3)، كما أن غياب السلطة المركزية للدولة الإسلامية، ووجود أكثر من دولة تتنازع السلطة لحكم اليمن, وبعض الأسس الفكرية لدولة الأئمة الهادويين عوامل أثرت في البناء الاجتماعي وعلاقات القبائل بالدولة, والعكس.
 
لقد ساهمت مجموعة من العوامل في تكريس البناء القبلي، وحافظت على تماسكه وعززت من دوره في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في غالبية المناطق اليمنية، ولعل أبرز تلك العوامل تتمثل في الآتي:
 
(أ) العوامل الجغرافية:
تتوزع اليمن جغرافيًا إلى مناطق جغرافية متمايزة, ويرجع سبب وجود وأهمية ظاهرة القبلِيَّة إلى أن طبيعة اليمن بأقسامه المختلفة لا تحتمل وجود جماعات بشرية كبيرة تمتد لمسافات طويلة(4)، إلى جانب أن التضاريس الجغرافية الوعرة حدت من عمليات التواصل والانتقال والتداخل بين السكان, وأفضت في الأخير إلى تشكيل كيانات تنزع نحو الاستقلال، وبذات الوقت عززت من قوة القبائل تجاه القبائل المنافسة أو سلطة الدولة، إذ صار من الصعب استخدام القوة القهرية تجاهها, مما دعى سلطة الدولة إلى الاعتراف بهذا الواقع والتعايش معه.
 
(ب) العوامل الاقتصادية:
تتسم حياة غالبية القبائل اليمنية بخاصية الاستقرار، بمعنى أنها منذ أعماق التاريخ تقطن أراضٍ محددة, وتتوزع على عدد من القرى والمدن المتجاورة, شأنها في هذا الجانب شأن المجتمع الريفي في مصر على سبيل المثال، ويمتهن غالبية سكانها حرفتي الزراعة والرعي، وكل ذلك أوجد لهذه القبائل الاستقرار، وأسلوباً حضارياً خاصاً لا يتوفر لتلك القبائل التي يقوم أسلوب حياتها على الانتقال من مكان إلى آخر.
 
الثبات والاستقرار وفرا للقبائل حدوداً شبه ثابتة مع القبائل المجاورة، كما أن مهنة الزراعة التي غالبًا ما تكون في مواسم متتابعة دفعت أفراد القبيلة إلى الانغماس في الحياة اليومية والانشغال بفلاحة الأرض وزراعتها وحدت -بقدرٍ معين- من عمليتي الانتقال والتداخل، كما أنها أوجدت ترتيباً شبه ثابت في البناء الاجتماعي داخل القبيلة، وشكلت إلى حدٍ كبير نمط الحياة الاجتماعية داخل القبائل وفيما بينها، وطبيعة العلاقة التي تقوم بينها وبين السلطة الحاكمة.
 
وبفعل عوامل عديدة, انتقلت العلاقة بين أفراد القبيلة من العلاقة القرابية, سواء كانت حقيقية أم وهمية إلى وحدة المصالح, وبفعل التعليم والتغيير في أسلوب المعيشة في العقود الثلاثة الأخيرة اتسع حجم الأسرة, وهاجر ملايين اليمنيين إلى الخارج, وتحديدا إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج, مما غير من نمط الحياة, واتجه غالبية الشباب للعمل في مؤسسات الدولة, وخاصة الجيش والأمن, وقد ساعد على ذلك تراجع معدلات الأمطار التي تتعرض لها كثير من المناطق, وتحولت معه مصادر دخل الأسر من الاعتماد على الموارد الذاتية إلى الموارد الآتية من الهجرة خارج اليمن, أو المرتبات الشهرية الحكومية, وبعد أحداث أزمة وحرب الخليج الثانية عام 1990م, عاد مئات الآلاف من اليمنيين المقيمين في السعودية, وأصبح العمل الحكومي هو المصدر الرئيسي للدخل لعدد كبير من اليمنيين.
 
وقد تصارعت القبائل اليمنية تاريخياً على الموارد وعلى السلطة أيضاً، واختلفت درجة الصراع القبلي من إقليم إلى آخر, تبعاً لدرجة الوفرة أو الندرة في الموارد، ففي الأقاليم الجنوبية –مثلاً- حيث سادت درجة من الوفرة, انخفض مستوى الصراع بين القبائل، أما في الأقاليم الشمالية حيث تتميز الموارد الطبيعية بالندرة, فقد احتدم الصراع بين القبائل، وأدت ندرة الموارد واحتدام الصراع حولها في الأجزاء الشمالية من البلاد إلى احتفاظ القبائل الشمالية بدرجة عالية من التماسك, وبالتالي من التأثير السياسي(5).
 
(ج) العوامل الثقافية:
برغم الاندماج بين الوحدات القبلية وبقية مكونات المجتمع اليمني وسلطاته المحلية والمركزية؛ إلا أن الغياب المتقطع للسلطة المركزية لعدد من القرون، أبقى القبائل في حالة من القوة والتماسك, ولضرورات الحفاظ والبقاء، ابتدعت القبائل أعرافاً وتقاليد وقيماً تضبط العلاقات بين الأفراد وبعضهم والقبائل وبعضها, وبفعل الوجود الدائم للقبائل تولدت قيم تشد من تماسك البناء القبلي وفي المقدمة منها التعصب للقبيلة، أفرادًا ورموزًا وقيماً وثقافةً، والاعتزاز بالانتماء إليها, والمفاخرة بتاريخها ومواقفها ورموزها.
 
(د) العوامل السياسية:
 يتكون المجتمع اليمني منذ قِدمه من عدد من القبائل القحطانية التي تنتمي إلى أصلٍ واحد، وقد أضيفت إليها عدد من الأسر العربية العدنانية خلال القرنين الأولين من التاريخ الإسلامي, والتي جاءت مع دخول المذهب الهادوي إلى اليمن(6(, وإلى جانب قبائل أخرى، كانت (همدان) و(مذحج) و(حِميَر) أكبر القبائل (أو التحالفات القبلية) اليمنية, غير أن تراخي العلاقات داخل التشكيلين الأخيرين (مذحج) و(حِميَر)، وضعف تأثيرهما في السلطة المركزية أوجدا استقطاب ثنائي بين فرعي (همدان الكبرى): (حاشد) و(بكيل)، حيث انحصر التنافس عليهما، وفي فترة لاحقة, وبفعل التوظيف المستمر من قبل الأئمة الهادويين, تحول التنافس بين تحالف حاشد وبكيل إلى صراع محتدم، ولجذب عوامل النصر مد كل منهما تحالفه مع قبائل أخرى، فانضم إلى قبائل (حاشد)، كل من (همدان الصغرى) و(سنحان) و(بلاد الروس)، وهي التي يطلق عليها "القبائل المتحيشدة" أي التي انضمت إلى قبائل حاشد الأصلية: (خارف) و(بني صريم) و(عِذَر) و(العُصيمات), وتم الأمر نفسه بالنسبة "لقبائل بكيل", فإلى جانب (أرحَب) و(نِهم)، و(ذو غيلان) و(ذو محمد) و(ذو حسين) وقبيلة (همدان الشام), انضمت إليها مؤخراً قبائل أخرى أهمها (مُراد) و(الحَدَاء) و(عَنس)...الخ.
 
ومن هنا صار الفرز القبلي على مستوى اليمن قائما على أساس ثنائي: "حاشد" و"بكيل", وإن كانت أواصر الانتماء والتكتل أكثر بروزاً لدى قبائل حاشد، ومن مظاهر ذلك أنها تُجمع على شيخ واحد تعترف القبيلة بزعامته، وقد ظلت زعامة حاشد حَصرًا على أسرة آل الأحمر، ومنذ مقتل أبيه وأخيه الأكبر بأمر من الإمام أحمد عام 1959م, استمر الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر زعيمًا غير منافس داخل قبائل حاشد، ويلقب "بشيخ مشايخ حاشد", وفي أحيان كثيرة وبسبب سماته الشخصية ودوره الوطني يطلق عليه لقب "شيخ مشايخ اليمن".
 
أما قبائل بكيل, وبالرغم من كثرتها العددية فإنها ظلت تعاني من التنافس على زعامتها بين عدد من الأُسر الطامحة, ولم يتوفر لها إجماع حول أسرة أو زعامة واحدة, حيث انتقلت زعامتها من أسرة "بيت أبو رأس" في برط, إلى أسرة "بيت أبو لحوم" في نِهم وأخيراً إلى أسرة الشايف في بَرْط أيضا, ومع هذا لم يكن أيّ من أولئك المشائخ محل إجماع, إذ بقي التنافس على الزعامة هو الغالب.
 
بعد خروج الأتراك من اليمن عام 1919م, وتسلمه السلطة, أعلن الإمام يحيى حميد الدين نفسه إماماً لليمن، وعمل على إعادة تنظيم الأوضاع الاجتماعية والسياسية, وطالب القبائل تسمية مشائخها ليعترف بهم رسمياً, فالإمام كان له جيش نظامي ضعيف، واعتمد في حربه ضد الأتراك وضد القبائل المناوئة لحكمه فيما بعد على أفراد القبائل الموالية له والمعترفة بحكمه، فعمل على تجييش قبيلة ضد أخرى, وفق ما عرف "بالتخطيط"، وقد كان جُلّ اعتماده على القبائل الواقعة شمال صنعاء: حاشد وبكيل، ولهذا كان يصفهم بجناحي الإمامة.
 
واجه الإمام يحيى صعوبات في فرض سلطته على عدد من المناطق, لاسيما تلك التي تقطنها قبائل قوية، فبالرغم من أن الإمام استلم السلطة من الأتراك في بداية عام 1919م، إلا أن عدداً من القبائل لم تسلم له بالسلطة إلا بعد معارك شديدة، فبعض القبائل لم تخضع لسلطة الإمام يحيى إلا عام 1932م, أي بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا, في حين بقيت بعض القبائل في البيضاء خارجةً عن نطاق سلطة المملكة المتوكلية اليمنية التي استمرت أكثر من (42) عاماً.
 
كما أن بعض القبائل التي دخلت في سلطة الإمام لم تستمر في ولائها، فقد تمرد العديد من القبائل ضد سلطة الدولة المركزية، مما كان يدفع الإمام إلى تجييش قبائل ضد أخرى، فيوجه القبائل الموالية ضد القبائل المتمردة، مبتدعاً ما عرف في ذلك الوقت "بالتخطيط", ويقصد به استنفار القبائل الموالية لتخضع القبائل الرافضة لسلطة الإمام, على أن تبقى متواجدة في مناطق القبائل المتمردة، ويكون لأفرادها الحق في فرض المأكل والمبيت, وربما "توفير القات"، حتى تنهك القبيلة المتمردة اقتصادياً، ولا يرفع عنها الجند وأفراد القبائل حتى تقر بسلطة الإمام وتسلم رهائن ضمان لاستمرار ولائها, وظاهرة "الرهائن" هي وسيلة لجأ إليها الإمام, لفرض سيادته، وضماناً إخلاص وطاعة القبائل والجهات المختلفة اليمنية، ورأينا أن سيادة الإمام بعد أن خرج الأتراك من اليمن كانت لا تمتد إلا على (مناطق محدودة).
 
إلا أنه أخذ يوسع نطاق نفوذه في الجهات المختلفة، وكان أثناء ذلك يصطدم بعناصر (قبلية) لا تعترف بسيادته عليها, فكان يلجأ إلى القوة لإخضاعها، وتبع هذا أنه كان يأخذ رهينة من شيوخ القبائل أو أصحاب النفوذ، وهي دائماً ما تكون الإبن أو الأخ أو أقرب الناس إلى الشخص الذي يرغب الإمام في إخضاعه له، وكان يحتفظ بهذه الرهينة في صنعاء أو الحديدة أو أي مدينة بعيدة عن مركز أو وطن الشخص نفسه، وكان يعتقد أنه بهذا يضمن ولاء هؤلاء الشيوخ والرؤساء وحسن سلوكهم(7).
وبرغم كل ذلك فقد تمكن الإمام يحيى, ومن بعده ابنه أحمد, من فرض سلطة وهيبة الدولة على كثير من المناطق، وتوفير الأمن، بحيث ضيقا -إلى حد كبير- على دور المشائخ في الحياة العامة.
 
بقيام ثورة 26 سبتمبر عام 1962م، توفرت الظروف لعودة الدور السياسي وحتى العسكري لأفراد ومشايخ القبائل على وجه التحديد، فقد ناصرت بعض القبائل الإمام المخلوع، فيما دافعت قبائل أخرى عن النظام الجمهوري, وانزلقت البلاد إلى حرب أهلية, وخلال فترة الحرب تنامى الدور العسكري للقبائل اليمنية، فقد كان موقفها هاماً لحسم الحرب لصالح أحد الطرفين، وحرصت المملكة العربية السعودية وأسرة آل حميد الدين على كسب أكبر عدد ممكن من القبائل إلى جانبهما واستخدمتا لذلك المال والسلاح، ونفس الأمر ـ وإن كان بشكل أقل ـ من قبل قيادة القوات العربية المصرية وقيادات الجمهورية العربية اليمنية, "وحيث أن كلا من الملكيين والجمهوريين لم يكونوا قادرين على فرض سيطرتهم سوى على جزء ضئيل من الدولة, ارتد النفوذ السياسي المؤثر مرة أخرى إلى الشيوخ الذين كانوا يتحكمون في السلاح والمال داخل القبيلة, مما قوى نفوذهم داخل القبيلة نفسها , وبعد انتهاء المعارك أصبحت هذه القبائل مسلحة تسليحا جيدا ومدربة على القتال بصورة أفضل, مما جعل دور المشائخ في السياسة أقوى من ذي قبل"(8).
 
وفي فترة معينة, اقتنع عدد كبير من مشائخ القبائل بأن الحرب ليست الوسيلة الوحيدة لحل المشكلة اليمنية, وأن هناك خيارات أخرى سلمية، ولذلك سرعان ما استجابوا لدعوة الأستاذ محمد محمود الزبيري، وعقدوا مؤتمر عمران, وانضم عدد منهم إلى حزب الله الذي أسسه الزبيري في جبال برط, وعقدوا بعد اغتياله مؤتمر خَمِر للسلام عام 1965م, وبانسحاب القوات المصرية من اليمن كان تكتل مشائخ القبائل هو التكتل الأقوى, ولهذا وقفوا خلف حركة "نوفمبر 1967م", وأوصلوا القاضي عبد الرحمن الإرياني إلى السلطة, وتميزت فترة حكم الرئيس الإرياني، بنفوذ قبلي حقيقي على مؤسسات النظام، "وقد تمثل هذا النفوذ سواء في طريقة تكوين هذه المؤسسات ذاتها, أو العلاقة بينها, أو في شخصيات تتولى المناصب القيادية في النظام, فقد تكون مجلس الشورى الذي نص عليه دستور 1970م، بطريقة الانتخاب غير المباشر, الذي كفل تمثيل مشائخ القبائل, حيث أضحى العديد من أعضاء المجلس إما شيوخ قبائل أو منتمين لأسر هؤلاء الشيوخ، كذلك شغل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر شيخ مشائخ حاشد منصب رئيس المجلس، وإذا عرفنا أن هذا المجلس هو الذي يعين رئيس الوزراء لاتضح مدى سيطرة شيوخ القبائل على النظام الجديد"(9).
 
ثانيا: تأثير البنية الاجتماعية في مرحلة التشطير:
تعرضت البنية الاجتماعية في جنوب اليمن لظروف سياسية أضعفتها, فالبناء القبلي في المحافظات الجنوبية يعاني من التمزق أصلا, وتعرض للإضعاف من قبل الاستعمار البريطاني, كما أن حركة القوميين العرب استهدفت منذ المراحل الأولى لنشأتها وأثناء الكفاح المسلح إضعاف البقية الباقية من البنية القبلية وشل فاعليتها, فعملت على إضعاف الروابط القبلية لأعضاء الحركة وتنشئتهم على الولاء المطلق لها, وتصوير القبلية على أنها موروث رجعي, وبعد وصول الجبهة القومية إلى السلطة, استخدمت العنف تجاه المقاومة التي أبدتها بعض القبائل, وقمعت أي معارضة أفراد أو زعماء القبائل.
 
 وأثناء حكم الحزب الاشتراكي "لم تلق القبائل اليمنية في الجنوب الحظوة ذاتها التي كانت تلقاها نظيراتها في الشمال, بل تم إذابة الهوية القبلية في بوتقة الدولة ثم الحزب الاشتراكي اليمني, سواء بوسائل سلمية أم عنيفة, فكانت الإذابة من الأولويات السياسية والاجتماعية للسلطة السياسية والحزب"(10), وكان من نتيجة السياسات والإجراءات التي اتبعها الحزب الاشتراكي اختفاء الرموز والمسميات القبلية, إلا أن ثقل الواقع اليمني كان أقوى من تلك الإجراءات, فقد كانت القبيلة حاضرة وبقوة أثناء دوامة الصراعات الدموية في قيادة الحزب الاشتراكي, وبالذات في أحداث 13 يناير 1986م, حيث اتكأت الأطراف المتقاتلة على انتماءاتها القبلية, بل وجرى تصفية الخصوم وفقاً لهويّاتهم القبلية والمناطقية.
 
أما في شمال اليمن, فقد توثقت العلاقات بين حركة الإخوان المسلمين وبعض مشائخ القبائل بعد الثورة, وقد ابتدأت العلاقة بينهم بالعلاقة بين الأستاذ محمد محمود الزبيري وعدد من كبار مشائخ اليمن, وتوطدت بشكل خاص مع الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، وعدد آخر من المشائخ, والذين كانوا يساندون العمل الدعوي الذي يقوم به الإخوان, ويلتقون معهم حول مواجهة التنظيمات والأفكار اليسارية في الشمال وحكم الحزب الاشتراكي في الجنوب, ولعل ما زاد من تلاحم موقفهم إدراك المشائخ بأنهم الفئة التي ستدفع ضريبة الحكم اليساري كما حدث في الجنوب, وكما حدث لمشائخ خولان, الذين تم إعدامهم بطريقة جماعية من قبل الحزب الاشتراكي أثناء تناولهم لوجبة غداء(11).
 
وفي النصف الأول من السبعينيات, اتجهت الحركة الإسلامية لتوسيع نفوذها في المناطق القبلية, وتبنت سياسة الحملات الدعوية, حيث تم تفريغ (25%) من قوتها التنظيمية وتكليفهم بالانتقال إلى أوساط المناطق القبلية, والبقاء فيها فترات تصل إلى عدد من الأشهر, للقيام بمهام الدعوة وتأسيس أعمال تنظيمية, بحيث يتم استبدالهم بآخرين عند انتهاء الفترة الزمنية المحددة.
وقد كانت المعاهد والمدارس التي يشرف عليها الإخوان المسلمون مقدمة التواجد الإخواني في كثير من المناطق, ففي بداية السبعينيات ورغم قيام الثورة وبداية انتشار التعليم العام في بعض المناطق, غير أن فترة الحرب الأهلية، عمقت الجهل، ومنعت انتشار التعليم في الكثير من القبائل اليمنية(12), فبادرت الحركة إلى إنشاء بعض المعاهد العلمية في تلك المناطق, وجذبت لها مدرسين متطوعين, وكان المدرسون الأوائل بتلك المعاهد يمنيين من أعضاء الحركة, واستمرت في بناء المعاهد العلمية في المناطق البعيدة, وقد نتج عن تلك الجهود كسب عدد من أبناء القبائل إلى التنظيم، وفتح مناطق جديدة للعمل، وعلى ذلك اتسع التنظيم وخرج من إطار المدن لينتشر في الأرياف, ونفس الأمر بالنسبة للمدارس العامة، فقد كان معظم مسئولي فروع وزارة التربية والتعليم في المحافظات من الإخوان المسلمين, فاستهدفوا نشر المدارس في المناطق القبلية، وكان المدرسون من الإخوان يقومون بأعمال التدريس في الصباح في المدارس, والوعظ في المساجد، وإقامة حلقات محو الأمية وتحفيظ القرآن الكريم في المساء، إلى جانب إقامة الرحلات العلمية والحملات الدعوية(13).
 
وحتى تتمكن من ممارسة العمل الدعوي والتنظيمي في بعض المناطق النائية, اضطرت الحركة أن تسد الفراغ الذي تتركه الدولة, وأن تسبقها إلى التواجد في تلك المناطق على سبيل المثال " فقد تواجدت الحركة الإسلامية في بعض مناطق مأرب والجوف قبل أن تتواجد الدولة، وقبل ذلك كان ولاء عدد كبير من أبناء تلك المناطق للدول المجاورة في الجنوب والشمال وارتباطهم بها أكثر من ارتباطهم بالحكومة في صنعاء، فمصادر دخلهم وأرزاقهم والسلاح الذي يحصلون عليه كان يأتي من تلك الدول, فقامت الحركة بدور الوسيط، بمتابعة الحصول على مشاريع حكومية خدمية: تعليمية وصحية وغيرها لتلك المناطق، والاشراف على تنفيذها، وإدارتها في أغلب الأحيان, الأمر الذي ربط تلك القبائل بالدولة"(14).
 
وفي عقد الثمانينيات ركزت الحركة الإسلامية جهودها على تقوية التواجد التنظيمي في المناطق القبلية, والانتشار في كل محافظات الجمهورية، وللتغلب على تحدي الأمية في الأعضاء الذين تم كسبهم إلى التنظيم من أبناء القبائل، أعادت الحركة تكييف وصياغة برامجها التنظيمية: الدعوية والفكرية والثقافية، بما يحيلها إلى مفاهيم مبسطة يمكن لمحدودي التعليم والثقافة فهمها والتعامل معها, وركزت في تلك البرامج على القضاء على مظاهر التعصب القبلي, وكانت تتعمد أن تجمع في مناشطها العامة ( المخيمات, والمبيتات, والرحلات الطويلة) أفراداً من مختلف القبائل, وخاصة تلك التي بينها ثارات أو نزاعات قبلية بهدف تقوية روابط الأخوة وإذابة الخلافات القبلية(15). ولتجاوز قضية النقص في القيادات التنظيمية في الأرياف ومناطق القبائل، نقلت الحركة عدداً من أعضائها ليستقروا بصورة دائمة في تلك المناطق ويتولوا إدارة العمل الدعوي والتنظيمي.
وبنفس الوقت سعت قيادة الحركة إلى كسب الوجاهات الاجتماعية إلى صفها, أو إبراز قيادات اجتماعية جديدة في حال تعذر كسب وجاهات قائمة.
 
وبشكل عام فقد تمكنت الحركة الإسلامية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من كسب ولاء وتعاطف عدد كبير من المشائخ, "وفي كل الأحوال فإن مشائخ القبائل الذين تحالفوا مع الإخوان صنعوا ذلك من منطلق حبهم للإسلام, وقناعتهم بمبادئ الحركة الإسلامية وأطروحاتها, وإن كان كثير منهم لم ينتظموا كأعضاء, لكنهم أيدوا وساندوا ودعموا الحركة الإسلامية(16).
أما بالنسبة لنظام الرئيس علي عبد الله صالح, فإن بداية علاقته مع شيوخ القبائل لم تكن مشجعة, فأثناء التهيئة لاستلام الرئيس السلطة عارض عدد من كبار المشايخ إسناد السلطة إليه، إما بدافع التنافس القبلي باعتباره محسوباً على قبائل حاشد، أو لخلفيته العسكرية، إلا أن الرئيس لم يُعِر تلك المواقف أهمية كبيرة، وعمل سريعا على كسب تأييدهم، وسعى إلى إشراكهم في مؤسسات الدولة بهدف كسب ولائهم. ويبدو أنه أدرك مبكراً أهمية دور المشائخ في استقرار نظامه, فعمل على احتواء عدد كبير منهم, وإلحاقهم بمؤسسات الدولة, وتنظيم المؤتمر الشعبي العام, الأمر الذي أدى بطريقة أو بأخرى إلى ربطهم بالدولة والنظام، ومكّن الرئيس من احتوائهم والاستعانة بهم لتثبيت تواجد الدولة في مناطقهم.
 
أما كبار المشائخ فقد تم إشراكهم في السلطة وصنع القرار, وبالذات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر الذي مثل عموداً من أعمدة نظام الرئيس فهو صاحب نفوذ قبلي كبير, لا يقتصر على قبيلة حاشد التي هو زعيمها فقط, وإنما يمتد إلى أغلب مشائخ اليمن.
 أما بقية المشائخ فقد تم دمجهم في شبكة المصالح الواسعة التي تشكلت حول الرئيس, وفي فترة لاحقة انضم عدد كبير من أبناء المشائخ وأقاربهم إلى الكليات العسكرية والأمنية, أو مُنحوا رتباً عسكرية فخرية, وتولوا بعد ذلك مواقع قيادية في المؤسستين العسكرية والأمنية, وحدث قدر من التداخل والتشابك بين القوتين القبلية والعسكرية, وتعزز بذلك نظام الرئيس الذي استند منذ النصف الثاني من عقد الثمانينيات على ثلاث قوى أساسية: الجيش, ومشائخ القبائل, والإخوان المسلمين.
 
كما فُتحت أمام كبار المشائخ والضباط أبواب المصالح والأعمال التجارية وحصلوا على تسهيلات كبيرة في المقاولات والاستثمارات والتوكيلات التجارية, وتجمعت في أيدي بعضهم الأبعاد الثلاثية للقوة: النفوذ القبلي, والانتماء إلى المؤسسة العسكرية, وحيازة المال والمصالح التجارية, وبهذا وثقت شبكة المصالح بين الرئيس وقطاع كبير من المشائخ القبليين, كما أفاد فتح أبواب الأعمال التجارية في ترحيل اهتمام بعض البيوت المشائخية من المجال السياسي إلى المجال التجاري, خاصة تلك التي لم تكن على وفاق مع حكم الرئيس(17).
 
ثالثاً: تأثير البنية الاجتماعية في مرحلة التعددية الحزبية:
 استمرت العلاقة التحالفية بين الإخوان وعدد كبير من المشائخ, في السنوات الخمس الأولى من عمر الوحدة, فوجود الحزب الاشتراكي دفع عدداً كبيراً منهم إلى الانضمام إلى حزب التجمع اليمني للإصلاح, ومن الواضح أن جهود الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر الذي يتمتع بنفوذ كبير داخل هذه الفئة, وعدم اعتراض الرئيس كانا من العوامل التي دفعت ببعضهم إلى الانتماء إلى حزب الإصلاح(18) بما فيهم الشيخ ناجي عبد العزيز الشايف, الذي يوصف بأنه شيخ مشائخ بكيل, وفي كل الأحول فلا يمكن إغفال تأثير النزعة الدينية لدى غالبية اليمنيين في تعاطفهم أو انضمامهم إلى الإصلاح خاصة وأنه أظهر معارضة قوية للحزب الاشتراكي.
 
لكن العلاقة لم تستمر في نفس الاتجاه بعد أن زال خطر الحزب الاشتراكي, وبروز التنافس بين التجمع اليمني للإصلاح, وحزب المؤتمر الشعبي العام, إذ أخذ عدد من المشائخ يتحولون من عضوية الإصلاح إلى حزب المؤتمر الشعبي الحاكم, في نفس الوقت الذي اتجه فيه الرئيس إلى تحزيب هذه الفئة, وضم أكبر عدد ممكن من المشائخ إلى حزب المؤتمر الذي يقوده, ومارس ضغوطاً كبيرة على المشائخ الذين ينتمون إلى الإصلاح وساومهم بالعديد من المصالح, وقد نجحت جهوده فقد أعلن عدد كبير منهم التحاقهم بحزب المؤتمر الشعبي العام, ويبدو أن بعضهم اعتبر ذلك ضرورة لا مفر منها, فالوظيفة الاجتماعية التي يقوم بها المشائخ غالبا ما تكون مكلفه, ويصعب احتفاظ بعض المشائخ بمكانتهم الاجتماعية دون موارد مالية من الدولة, وهكذا لم يبق في عضوية الإصلاح إلا المشائخ المنتميين له تنظيما أو اللذين استطاعوا أن يوازنوا بين الضغوط التي تمارسها الدولة, وانتمائهم إلى الإصلاح(19).
 
وهكذا أخذ التنافس الانتخابي ينحت من الكسب الذي حققته الحركة الإسلامية سابقا في هذه الفئة الاجتماعية, فقد توترت علاقتها مع عدد كبير من المشائخ, لاضطرارها إلى منافستهم في الانتخابات, ومما زاد من حدة التوتر أن مشائخ القبائل غالبا ما يكونون مرشحي أو متصدري الحملات الانتخابية لحزب المؤتمر الحاكم, مما يجعلهم في احتكاك مباشر مع الحملات الانتخابية لمرشحي الإصلاح, فالإستراتيجية التي يتبعها الرئيس في تنافسه الانتخابي تقوم على اختيار أبرز المشائخ في معظم الدوائر الانتخابية والدفع بهم كمرشحين عن حزب المؤتمر, والتعويل على نفوذهم القبلي لضمان الفوز وخاصة في الأرياف.
 وبخلاف ذلك فقد توسعت القاعدة التنظيمية والجماهيرية للإصلاح في الفئات الاجتماعية الأخرى, وبالذات بين أفراد القبائل من غير المشايخ, وبقدر يقترب من ما حققه في الفئات المتعلمة والمثقفة في المدن, غير أن شدة التلاحم بين النظام السياسي ومشائخ القبائل وأجهزة وسلطة الدولة, وطبيعة النظام الانتخابي القائم على الدائرة الفردية, تمثل عقبات كأداء تعترض فوزه الانتخابي في الأرياف, ولهذا فإن أكثر المقاعد الانتخابية التي يحصل عليها الإصلاح, غالبا ما تكون في عواصم المحافظات والمناطق الحضرية.
 
وفي الجانب الآخر, ازداد التحام النظام السياسي بمشائخ القبائل في مرحلة التعددية السياسية, وخاصة بعد عام 1994م, فقد منحهم الرئيس مصالح اكبر من تلك التي حصلوا عليها قبل الوحدة, وازداد تواجدهم في المناصب القيادية في المؤسسات العسكرية, والأعمال التجارية والمقاولات, وتمكن النظام من التمدد في هذه الفئة وكسبها بشكل أكبر, عن طريق منحها الاعتمادات المالية, وفرص الاستثمار, والمناصب الهامة والدرجات الوظيفية, والمنح الدراسية, والسيارات والشراكة في الاستثمارات, إلى غير ذلك من الوسائل التي ربط بها المشائخ(20), كما تزايد الاعتماد عليهم في إدارة المناطق المحلية واحتواء الأزمات التي قد تطرأ بين الدولة وبعض القبائل, إلى الحد الذي تشكل معه ما يشبه التنظيم الموازي لسلطة الدولة, يدير به الرئيس البلاد, كما تزايد اعتماد النظام على المشائخ في تأمين التعبئة الشعبية, والقيام بوظيفة الحشد والتأييد لصالح سياساته ودعم مرشحيه في التنافس الانتخابي(21).
 
وفي المقابل أغدق الرئيس على فئة المشائخ بكثير من المصالح والامتيازات, وقدم لكثير منهم الحماية القانونية والسياسية اللازمة سوا من تعلق منها بمخالفات صريحة للقانون(22), أو الانغماس في الفساد المالي والإداري(23).
"وعلى إثر التحول الذي صاحب قيام الوحدة والتعددية, تم إعادة إحياء التشكيلات القبلية الحضرية والبدوية التي تلاشت في فترة ما بعد الاستقلال في جنوب اليمن, واستعاد زعماء القبائل سلطتهم على أفراد قبائلهم, ولو بشكل اسمي.. وقد اعترفت الدولة رسميا بهؤلاء الشيوخ والزعماء, وقدمت لهم التسهيلات التي من شانها إعادة الأدوار التقليدية للقبائل والمراتب الاجتماعية(24).
 
وأثناء التنافس بين الرئيس والحزب الاشتراكي, كثف الأول من جهوده لكسب الزعامات القبلية في بعض المحافظات الجنوبية باستخدام الأموال والمصالح الشخصية, وبعد حرب 1994م, وبهدف تثبيت وجود النظام في تلك المحافظات, تزايد دعم السلطة للمشايخ, وعملت على خلق زعامات جديدة, وإحياء ما اندثر من معالمها, وبشكلٍ خاص في المحافظات التي تتسم بوجود البناء القبلي (أبين, وشبوة, والضالع, وحضرموت الداخل).وهكذا فإن طبيعة نظام حكم الرئيس علي عبد الله صالح, وأسلوب إدارته للأوضاع العامة في البلاد, أديا إلى انبعاث القبلية وإحياء دور مشايخ القبائل في المحافظات الجنوبية والشرقية.
وفي المقابل, اتجهت القبائل في المحافظات الجنوبية إلى إحياء أعرافها وتماسكها, وإبراز مشايخها, لأنها تدرك أن المشايخ هم مفاتيح الحصول على الاهتمام الحكومي, والمصالح والامتيازات المختلفة, وبنفس الوقت عادت الثارات القبلية والاحتكاكات بين بعض القبائل وأجهزة الدولة إلى الظهور من جديد, وهي ظواهر لم تكن موجودة أثناء فترة حكم الحزب الاشتراكي.
وبصورة غير مباشرة, فإن ضعف سلطة القضاء وتطبيق القانون, وتراجع سلطة الدولة, أدى إلى عودة كثير من الأفراد إلى التمسك بالانتماءات والهويات القبلية والمناطقية والمذهبية, وهو ما ساعد على إبراز دور القبيلة في الحياة السياسية, وقيامها ببعض الوظائف نيابة عن الحكومة, وغلبة الانتماء القبلي على الانتماء للدولة, حتى عند عدد من كبار المسئولين الحكوميين(25).
 
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
(1) دكتور عبد الله الفقيه, البنية الاجتماعية وانقسام النخبة الحاكمة في اليمن, في الموقع الالكتروني لصحيفة الأهالي: http://alahale.net/details.asp?id=1824&catid=44
(2) عبد الرحمن عبد الواحد الشجاع، تاريخ اليمن في الإسلام في القرون الأربعة الهجرية الأولى، (صنعاء، مكتبة الإحسان)، ط6، ص: 29-37.
(3) لمعرفة طبيعة التحولات التي أحدثها الإسلام على النظام القبلي في اليمن من الناحيتين البنائية والقيمية, يرجع إلى, عبد الرحمن الشجاع, تاريخ اليمن في الإسلام, مرجع سبق ذكره.
(4) السيد مصطفى سالم، تكوين اليمن الحديث: اليمن والإمام يحيى 1904-1948م, ( القاهرة , المطبعة العالمية), 1993م، ص: 20.
(5) انظر في ذلك:
-        دكتور عبد الله الفقيه, البنية الاجتماعية وانقسام النخبة الحاكمة في اليمن, في الموقع الالكتروني لصحيفة الأهالي: http://alahale.net/details.asp?id=1824&catid=4
-        محمد محسن الظاهري, المجتمع والدولة, دراسة لعلاقة القبلية بالتعددية السياسية والحزبية- الجمهورية اليمنية كدراسة حالة,(القاهرة, مكتبة مدبولي), ط 1, 2004م.
(6) المذهب الهادوي, نسبة إلى الإمام الهادي يحيى بن الحسين, الذي أسس الفرقة الهادوية, وهي إحدى فرق المذهب الزيدي الذي ُينسب إلى الإمام زيد بن على, وقد أسس الدولة الهادوية في مدينة صعدة باليمن عام 280هـ الموافق893م.
(7) سيد مصطفى سالم، تكوين اليمن الحديث، مرجع سبق ذكره، ص: 491.
(8) جريجري جويس, العلاقات اليمنية السعودية, مرجع سبق ذكره, ص: 44.
(9) أحمد يوسف أحمد، الدور المصري في اليمن، مرجع سبق ذكره, ص: 303-304.
(10) نشوان السُميري, التعددية السياسية في اليمن, مرجع سبق ذكره, ص: 59.
(11) فقد توجه إلى عدن ثمانية وستون شيخاً من منطقة خولان, كانوا قد حاربوا مع التيار الملكي, وبعد المصالحة الوطنية واعتراف السعودية بالنظام الجمهوري، اتجهوا إلى عدن, وعند وصولهم نُصبت لهم خيمة لتناول وجبة الغداء, وكانت مفروشة بالألغام, وعند استقرارهم فيها نسفت بالكامل, وأعلنت إذاعة عدن مقتل الشيخ الغادر والهيال وحنتش وخمسة وستين آخرين, وعلقت الإذاعة بان هذا سيكون مصير بقية المشائخ, ومن الأمور الطريفة أن إذاعة = عدن في وقت لاحق قدمت تعليقاً ساخراً يقول: " أريد لحمة طرية حمراء" ففسر البعض هذا وفهمه على أن الوجبة المقبلة ستكون كبار المشائخ في شمال اليمن: أبو لحوم واحمد على المطري والشيخ الأحمر, الجدير ذكره أن هذه الحادثة كانت السبب المباشر لأول حرب بين شطري اليمن عام 1972م.. انظر تفاصيل هذا في: محسن العيني, خمسون عام في الرمال المتحركة, (بيروت, دار النهار)ط1, 2001م, ص: 210- 212.
(12) حمود هاشم الذارحي، ومضات مشرقة من حياة القاضي يحي بن لطف الفسيل، في: "من أعلام الإصلاح والتجديد في اليمن، التجمع اليمني للإصلاح، دائرة الإعلام والثقافة، ص: 97.
(13) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ ميهوب سعيد، رئيس المكتب التنفيذي لمحافظة مأرب وهو ينتمي إلى محافظة تعز وانتدبته الحركة لقيادة العمل التنظيمي في محافظة مأرب, وبقي فيها إلى الآن.
(14) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ ميهوب سعيد, مصدر سبق ذكره.
(15) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ محمد الخميسي, مصدر سبق ذكره.
(16) ناصر احمد يحيى, في تعقيب له خلال ندوة الأصوليات الدينية وحـوار الحضارات, مرجـع سبق ذكره, ص: 64
(17) المثال الواضح هنا يتمثل في: أسرة بيت أبو لحوم, فقد كان عدد من أبنائها يتولون مناصب قيادية في الدولة حتى تم إزاحتهم في فترة حكم الرئيس الحمدي, ولأنهم لم يكونوا على وفاق مع حكم الرئيس علي عبد الله صالح, فقد انسحب اهتمامهم إلى الأعمال التجارية.
(18) في تقييمه لحزب التجمع اليمني للإصلاح, يشير الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر إلى: "أن حزب الإصلاح لا ينقصه التنظيم ولا الديمقراطية الداخلية فهو أفضل الأحزاب اليمنية في هذين الجانبين, إنما ينقصه الإمكانيات المادية, وهذا النقص هو الذي افقد الإصلاح كثيرا من الناس, لأننا نعيش في مجتمع قبلي, الحزبية فيه طارئة, والذين يفهمون الحزبية بمعانيها الحقيقية هم قلة من المتعلمين والمثقفين والسياسيين, أما القبائل وبصورة خاصة مشائخ القبائل ففهمهم للحزبية قاصر, إذ يتصورونها مغنما وينتظرون من قيادات الحزب مصالح مادية, وإذا لم يجدوا ما يصبون إليه يبحثون عن الجهات والتنظيمات الأخرى التي لديها إمكانيات, وكنت دائما أقول للمشائخ والوجهاء من القبائل: تنظيم الإصلاح لديه مبادئ وقيم وأخلاق وأهداف شريفة, وليس لديه مصالح, فمن هو مقتنع فأهلا وسهلا به, ومن كان يصبو إلى تحقيق مصالح مادية فسيجدها عند المؤتمر والحزب الاشتراكي- عندما كان شريكا في السلطة –أما نحن فليس لدينا شيء فتنظيمنا مغرم لا مغنم, ولهذا كان إقبال المشائخ على الإصلاح في بداية تأسيسه كبير جدا لكن لما تأكدوا أن المصالح لدى القوى الأخرى ذهبوا إليها خاصة المؤتمر" .. انظر مذكرات الشيخ الأحمر, ص: 288
(19) مقابلة أجراها الباحث مع الدكتور عبد العظيم العمري, مصدر سبق ذكره.
(20) يشير الشيخ الأحمر إلى ذلك بقوله "أصبح حزب المؤتمر بيده كل شيء حيث كرست قيادة المؤتمر جهدها ووقتها ونشاطها الكبير, لاستقطاب المشائخ بالمال والدرجات الوظيفية والرتب العسكرية والمرتبات المغرية, حتى أصبح ذلك النشاط والجهد والتخطيط والتفكير والتدبير على حساب الوظيفة العامة لهذه القيادات... انظر مذكرات الشيخ الأحمر, ص: 288- 289.
(21) مما يؤكد ذلك, أن الرئيس اعتمد على مشائخ القبائل في تأمين حضور الحشود الجماهيرية لمطالبته بالعدول عن إعلانه عدم ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في شهر سبتمبر 2006م أكثر من اعتماده على المسئولين الحكوميين وقيل في وقتها انه وجه رسائل شكر لبعض المشائخ وأخرى تحمل عتاب لبعض المسئولين الذين لم يكن أداؤهم جيدا.
(22) المثال الواضح هنا هو الانتهاكات الإنسانية التي قام بها الشيخ محمد أحمد المنصور شيخ منطقة الجعاشن في محافظة إب, من الاعتداء على المواطنين في تلك المنطقة واعتقالهم في سجونه الخاصة, وترحيل سكان عزلة بأكملها, ورغم أن منظمات حقوق الإنسان وبعض مؤسسات المجتمع المدني أثارت القضية على المستويين الداخلي والخارجي, إلا إن ذلك لم يوقف تصرف الشيخ المذكور لأنه يتمتع بالحماية من قيادة النظام السياسي. 
(23) القضية الشهيرة هنا هي قضية إفلاس البنك الوطني, والذي تورط فيها بعض مشائخ القبائل, ومع هذا فقد صدر حكم قضائي عليهم خفف حكم قضائي سابق, وفُهم على أن تدخلا رئاسيا حدث لمنع إدانتهم.
(24) عادل الكسادي, التنظيم القبلي والاجتماعي في حضرموت, 1900- 1967م, مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية, العدد (100), ص: 141
(25) في مقابلة صحفيه, اتهم ياسر العواضي, عضو اللجنة العامة للمؤتمر الشعبي العام, وعضو مجلس النواب, الرئيس بالتعصب لمشائخ منطقته.

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك