الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن (الحلقة الثالثة عشرة)... طبيعة البناء الفكري لحركة الإخوان والخصوصية اليمنية

  

نشرنا الأسبوعين الماضيين مبحثين من الفصل الثاني من كتاب "الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن.. من التحالف إلى التنافس".
 
وقد سرد المبحث الأول القصة الكاملة لحرب المناطق الوسطى ودور الإخوان المسلمين فيها ، فيما تحدث المبحث الثاني عن البنية الاجتماعية للمجتمع اليمني وتأثيرها على العلاقة بني الأنظمة والإسلاميين.
 
وفي هذه الحلقة ننشر المبحث الثالث من الفصل الثاني ، والذي عنونه المؤلف بـ" الإطار الفكري والقيادة السياسية للحركة الإسلامية .
 
وقد ارتأينا تقسيم هذا المبحث إلى قسمين ، ننشر القسم المتعلق بالإطار الفكري للحركة الإسلامية ، على أن ننشر الأسبوع المقبل الجزء الثاني الذي يتحدث عن القيادة السياسية للحركة.
 
 
مقدمة:
تُعد الأسس الفكرية من العوامل المهمة في تحديد وضبط علاقة الحركة الإسلامية بالقوى السياسية, كما أن قيادة الحركة تسهم بشكل كبير في صياغة علاقتها السياسية مع الأطراف السياسية والاجتماعية, وهو ما يقتضي تحليل دور المرجعية الفكرية للحركة الإسلامية وقيادتها في رسم خط سير علاقتها مع السلطة السياسية الحاكمة.
 
أولا: الإطار الفكري للحركة الإسلامية الإخوانية:
 
ترتكز حركة الإخوان المسلمين في اليمن ـ مثل غيرها من فروع حركة الإخوان المسلمين ـ إلى أسس عقدية وفكرية تضبط تصوراتها النظرية ومواقفها العملية، وتسهم تلك الأسس -إلى حد كبير- في تحديد علاقتها مع القوى السياسية الداخلية والخارجية, وفي المقدمة منها النظام السياسي.
 
وعلى هذا فإن الأمر يحتاج إلى استعراض البناء الفكري لحركة الإخوان المسلمين وعما إذا كان ثمة خصوصية للحركة الإخوانية اليمنية في هذا الجانب, ومن ثم تحديد درجة تأثير هذا وذاك على علاقتها بقيادة النظام السياسي، وهذا ما سيتم تناوله في الآتي:
 
 
(أ) طبيعة البناء الفكري لحركة الإخوان المسلمين:
   تلتزم حركة الإخوان المسلمين بالمرجعية الإسلامية, بصفتها حركة تنشد تغيير واقع الأمة الإسلامية والنهوض به, وهي في ذلك التغيير تنطلق من أرضية إسلامية, وتضع في أولوياتها الدفاع عن الإسلام، والعمل على سيادة شريعته، ومرجعية أحكامه, وقد ساهمت أوضاع العالم الإسلامي في القرون الأخيرة المتسمة بالانحطاط الحضاري، والتمزق السياسي، والتخلف الاقتصادي، والتفكك الاجتماعي, والتي زادت حدتها وتضاعف تأثيرها بعد انهيار الخلافة العثمانية في عام 1922م، ساهمت تلك الأوضاع في تحديد شكل البناء الفكري وترتيب أولويات ورؤى ومناهج حركة الإخوان المسلمين عند تأسيسها وأثناء سيرها وتطورها, خاصة وأن تخلف المسلمين وجمودهم الفكري والعملي، صاحبه صعود صارخ للحضارة الغربية, اقترن بتطورات علمية وتكنولوجية وثقافية هائلة أخلت بميزان القوة العالمي, بحيث أن نصيب المسلمين من محصلة القوة الشاملة يكاد يكون معدومًا, لاسيما في السنوات الأخيرة من عمر الخلافة العثمانية وبعد انهيارها، ومنذ ذلك الوقت تكاد الدول الغربية تستفرد بميزان القوة في العالم, ويكاد التنافس ينحصر فيما بينها، وأفضى بها ذلك التنافس إلى السباق على تقاسم ما كان يعرف بتركة الرجل المريض (الخلافة العثمانية), واحتلال غالبية الدول العربية والإسلامية.
 
 
   لم يكن خطر الاستعمار مقتصرًا على زوال القيادة الإسلامية الواحدة التي تمثل المسلمين ـ الخلافة العثمانية ـ وتقطيع أوصال العالم الإسلامي, ونهب موارده المادية, واستغلال قدراته البشرية، وإنما أيضًا اقترن كل ذلك ـ وغيره ـ بهيمنة عسكرية وجاذبية فكرية, تحمل مخاطر محققة على الإسلام, قيمًا وثقافةً ومنهجاً للحياة, وقد ساعد على ذلك حالة من الجهل الأسود لغالبية المسلمين بالإسلام, وقدر من الانفصال بين المسلمين والإسلام, سيما في الجوانب العملية ومجالات التعامل، بفعل قرون من الجمود الفكري والتخلف العلمي، وبذلك ـ وغيره ـ صارت الدول الغربية في التاريخ المعاصر في أقصى حالات التأثير العسكري والسياسي والفكري والحضاري، وصار المسلمون في أدنى حالة التأثير, وأقصى حالات التأثر والقابلية للتأثر.
 
لقد أحدثت تفاعلات هذا الوضع بين الطرفين تحولات عميقة في معظم الدول العربية والإسلامية, وانبهر كثير من المسلمين بالوافد الجديد القادم مع المستعمر, سواء كان آلات عسكرية, أو نُظُماً إدارية وتعليمية, أو مؤسسات وقيماً سياسية واجتماعية، ولشدة تخلف المسلمين تصور قطاع ممن يُعرف اليوم (بالنخب السياسية والعلمية) أن الطريق نحو أوروبا هو السبيل الوحيد للتطور والنهوض، ونظروا بجفاء- وفي أحسن الأحوال- بتجاهل نحو الإسلام، كما حاولوا تطبيق نهج الأوروبيين في التعامل مع الدين, بقصره على الشئون التعبدية, وتحجيم تأثيره في الحياة العامة, في مثل تلك الظروف نشأت حركة الإخوان المسلمين، ومن الطبيعي أن تكون تلك الأوضاع حاضرة في تحديد تصوراتها النظرية ووسائلها العملية.
 
إن أفكار شمولية الإسلام واعتماده منهجاً للحياة في كل جوانبها السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وعلى المستويين الفردي والجماعي، وأولوية العمل التربوي، والتدرج في عملية التغيير, برغم أنها من صميم منهج الإسلام في التغيير, إلا أن واقع العالم الإسلامي دفعها لتكون محور ارتكاز فكر الإخوان، ليس هذا فحسب بل وجعلها من الأسس الموضوعية والشرعية لوجود الحركة ذاتها، وانتصابها في شكل تنظيم حركي يستهدف تغيير واقع العالم الإسلامي.
وبدراسة أدبيات هذه الحركة, نجد أن أهم أفكارها المركزية تتمثل في الآتي:
 
1) أولوية التغيير:
 يمثل التغيير لدى حركة الإخوان فكرة مركزية في خريطة أفكارها، إذ لا يقع في أولوياتها فحسب وإنما يمثل مبررًا لشرعيتها وبقائها، فهي إنما وُجدت لتغيير أوضاع الأمة الإسلامية وإصلاحها.
 
ولهذا كان تركيز الإمام البنا على الجوانب العملية والحركية كبيرًا، يفوق تركيزه على الجوانب العلمية والروحية، فقد كان الإمام البنا يرى أن الأزهر الشريف يعطي الأولوية للجوانب العلمية والمعرفية، وبنفس القدر –تقريبا- تركز الطرق الصوفية على الجوانب الروحية، أما الإخوان فيعطون الاهتمام الأكبر للجوانب العملية والحركية.
 
وحيث أن الإخوان يلتزمون بالإسلام في عملية التغيير، وفي إطار الإسلام تتعدد صور وأساليب التغيير، والتي يمكن فرزها بحسب التراث الفكري والخبرة العملية إلى ثلاث مدارس متمايزة, هي(1):
 
الأولى: مدرسة الثورة أو الخروج، وهي التي هيمن على فكرها المعارض مبدأ الثورة أو الخروج، ويمثل الخوارج العَلم الرئيسي لهذه المدرسة، فهم أول من نادى بمبدأ "الخروج" وتسمى به، وهذه تضم في نطاقها بعض الاتجاهات الثورية في فكر الشيعة (الزيدية تحديدًا) وبعض الفرق الأخرى.
 
والثانية: ونطلق عليها مدرسة (الصبر), وغالبية علماء أهل السنة يمثلون القطب الرئيس لهذه المدرسة، حيث يشيع هذا اللفظ في أقوال فقهاء أهل السنة عند الحديث عن الموقف من "أئمة الجور", ومن ثم يعد مبدأ الصبر هو المهيمن على فكر هذه المدرسة.
 
والثالثة: ونطلق عليها مدرسة (التمُّكن) كما يمكن القول بأنها مدرسة الانتظار والترقب، وكذلك مدرسة اشتراط القدرة، فكلها عبارات تفيد التعبير عن المبدأ المهيمن على الفكر المعارض لهذه المدرسة، وهو اشتراط تحقيق الإمكانات المبشرة بنجاح الثورة على الحاكم الظالم متى قامت، والامتناع عن القيام بها في حالة غياب "التمكن", وهو اللفظ الدال على الشرط المميز لتلك المدرسة.
 
وبالنظر إلى فكر الإخوان المسلمين, نجد أن رؤيتهم للتغيير تقترب من المدرسة الثالثة "مدرسة التمكن"، فالإخوان لا يأخذون بمبدأ الانقلابات والثورات, وهذا المصطلح الأخير هو التعبير العصري لمفهوم "الخروج على الحاكم الظالم" لأنه في كل الحالات يعمل على التغيير بالقوة.
 
إذ يحدد الأستاذ البنا في رسالة المؤتمر الخامس موقف الإخوان من الثورة بقوله: "وأما الثورة فلا يفكر الإخوان المسلمون فيها، ولا يعتمدون عليها, ولا يؤمنون بنفعها ونتائجها"(2), ومادام هدف الإخوان في الأخير هو التمكين لسيادة الإسلام... "فإن هذه السيادة لا تتحقق في الأمة قسراً أو قهراً أو كرهاً أو جبراً، لأن الأمر إقامة دين وليس الاستيلاء على السلطة، فالأولى إقامة بناء وتربية وإقناع وإيمان، والثانية سطو وقهر وفرض أمر، ومن ثم فإنه يجب أن تتم عن إرادة واختيار، فالأمر ليس استبدال حكومة بحكومة أخرى, بقدر ما هو تغيير منهج تفكير للحياة بمنهج آخر رباني، والاستبدال لا يعني سيادة المنهج، ولكن في واقع الأمر يصبح تغييراً شكلياً لا جذور له ولا ساق يزول بزوال فارضه والمستولي عليه(3), ومما يؤكد الدور التغييري لحركة الإخوان المسلمين: تركيزها على الجوانب العملية، واهتمامها بكسب مصادر القوة.
 
(2) شمولية الإسلام:
يمثل الاعتقاد بأن الإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة نقطة محورية في فكر الإخوان المسلمين، يقول الإمام البنا: "نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنظم شؤون الناس في الدنيا وفي الآخرة، وأن الذين يظنون أن هذه التعاليم إنما تتناول الناحية العبادية أو الروحية دون غيرها من النواحي مخطئون في هذا الظن, إن الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، ودين ودولة، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف، والقرآن الكريم ينطق بذلك كله، ويعتبره من لب الإسلام ومن صميمه, ويوصي بالإحسان فيه جميعه"(4).
 
 وقد ترتب على هذا أمران, الأول: ضرورة أن تستكمل الجماعة نفسها لما يؤهلها لأن تقوم بالإسلام الشامل, وقد "كان من نتيجة هذا الفهم الشامل للإسلام عند الإخوان المسلمين أن شملت فكرتهم كل نواحي الإصلاح في الأمة, وتمثلت فيها كل عناصر غيرها من الفكر الإصلاحي، وتستطيع أن تقول ولا حرج عليك: إن الإخوان المسلمين(5):
 
1ـ دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
2ـ طريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء, وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.
3ـ حقيقة صوفية: لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس, ونقاء القلب, والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله، والارتباط مع الخير.
4ـ هيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل, وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد.
5ـ جماعة رياضية: لأنهم يُعْنَون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
6ـ رابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ولأن أندية الإخوان هي في الواقع مدارس للتعليم والتثقيف, ومعاهد لتربية الجسم والعقل والروح.
7ـ شركة اقتصادية: لأن الإسلام يُعنى بتدبير المال وكسبه من وجوهه.
8ـ فكرة اجتماعية: لأنهم يُعْنَون بأدواء المجتمع الإسلامي, ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.
 
والأمر الآخر أن عمل الإخوان يتجه ليقوم بتلك الأبعاد العقدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والرياضية في ذات الوقت... "وهكذا نرى أن شمول معنى الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولاً لكل مناحي الإصلاح، ووجه نشاط الإخوان إلى كل هذه النواحي، وهم في الوقت الذي يتجه فيه غيرهم إلى ناحية واحدة دون غيرها, يتجهون إليها جميعًا ويعلمون أن الإسلام يطالبهم بها جميعاً"(6).
 
(3) التدرج في الإصلاح:
ينتمي منهج الإخوان المسلمين في التغيير إلى ما يُعرف بالمدرسة الإصلاحية, التي تتدرج في عملية الإصلاح, وتعتمد على المرحلية والتغيير بعيد المدى، فإن الأمة الإسلامية تعرضت لقرون طويلة من الانحطاط والجمود، ووضع كهذا يصعب إصلاحه في سنوات معدودة وإنما يحتاج إلى فترة كافية، يقول الإمام البنا: "إن منهاج الإخوان المسلمين محدد المراحل واضح الخطوات، فهي تعلم تمامًا ما تريد, ومعرفة الوسيلة إلى تحقيق هذه الإرادة:
 
1ـ نريد أولاً الرجل المسلم في تفكيره وعقيدته، وخُلُقِه، وعاطفتِه, وفي عمله وتصرفه، فهذا هو تكويننا الفردي.
2ـ ونريد بعد ذلك البيتَ المسلمَ في تفكيرِه وعقيدتِه وفي خُلُقِه وعاطفتِه وفي عمله وتصرفه, فوفقًا لهذا نُعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل, ونُعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب، وهذا هو تكويننا الأُسري.
3ـ ونريد بعد ذلك الشعبَ المسلمَ, ونحن لهذا نعمل على أن تصل دعوتنا إلى كل بيت, وأن يُسَمع صوتُنا في كل مكان, وأن تسير فكرتُنا وتتغلغل في القرى والنجوع والمدن, والمراكز والحواضر والأمصار, لا نألو في ذلك جُهدًا ولا نترك وسيلة.
4ـ ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة... وسنعمل على إحياء نظام الحكم الإسلامي بكل مظاهره, وتكوين الحكومة الإسلامية على هذا الأساس.
5ـ ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي, الذي فرقته السياسة الغربية, وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية.
6ـ ونريد بعد ذلك ومعه, أن نعلن دعوتَنا على العالم, وأن نُبلغ الناس جميعًا, وأن تعم بها آفاق الأرض... (7).
(4) اعتماد أسلوب التربية:
تعتمد جماعة الإخوان المسلمين على التربية أسلوبًا لتحقيق أهدافها، وذلك بالتوجه نحو المجتمع وتعريفه بفكر الإخوان ودعوتهم, واصطفاء الأفراد المؤهلين لحمل الدعوة والمتفاعلين معها, وإخضاعهم لتنشئة جديدة تعيد رسم ملامح الشخصية الفردية والجماعية والاعتناء بهم إيمانيا وفكريا وبدنيا, من خلال برامج تثقيفية وأنشطة دعوية وسياسية ورياضية, ويتلازم ذلك بربطهم بخدمة المجتمع والتفاعل مع قضاياه, وإعدادهم ليكونوا قيادات اجتماعية ونقابية وسياسية, وتوظيف مؤسسات الحركة وما تديره من مؤسسات أهلية أو رسمية لتكون محاضن تربوية لأفراد المجتمع, والاستفادة من وسائل التنشئة العامة في الرعاية الفكرية والدعوية للأفراد الذين لم تصل الحركة إليهم(8).
 
 
(ب) المصادر الفكرية للحركة الإخوانية في اليمن:
الحركة الإسلامية الإخوانية في اليمن, وإن كانت تحمل السمات العامة للحركة الإسلامية الحديثة (الإخوان المسلمين)، إلا أنها مولود يمني، وكل مولود هو إبن بيئته, سواء كان هذا المولود شخصًا طبيعيًا أم معنويًا، ولهذا فقد حملت الحركة الإسلامية اليمنية خصائص ومقومات الشخصية اليمنية، فالظروف التي مرت بها اليمن مختلفة عن الظروف التي مرت بها دول أخرى، ولهذا جاءت هموم الحركة الإسلامية اليمنية مختلفة عن هموم نظيراتها في البلدان الإسلامية(9), ولم يقتصر هذا التفرد في اختلاف البيئة والاستجابات الحركية والسياسية لها, وإنما امتد أيضًا إلى الجوانب الفكرية, وربما ابتدأ بها.
 
فالحركة الإسلامية اليمنية استقت فكرها من روافد محلية, إلى جانب الروافد التي اكتسبتها من المدرسة الإخوانية, فقد ظهر باليمن في القرنين الماضيين علماء أفذاذ, طالبوا بإصلاح الأوضاع السياسية والفكرية والاقتصادية في البلاد, وفتح باب الاجتهاد والخروج من دائرة التقليد, وتجاوز معضلة التعصب المذهبي, بالاعتماد على القرآن والسنة المطهرة وأعمال الصحابة في القرون الأولى, وكان من أبرز المشاركين في تيار الإصلاح الديني والسياسي في اليمن العلامة المحقق محمد بن إبراهيم الوزير (ت840ھ/1436م)، والحسن بن أحمد الجلال (ت1084ھ/1673م)، وصالح مهدي المقبلي (1108هـ /1696م) ومحمد بن إسماعيل الأمير (ت1182ھ/1768م)(10)، وآخرهم شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني, والذي يعد من رواد حركة الإصلاح في العالمين العربي والإسلامي, وقد ترك تراثا علميا وعمليا في عملية الإصلاح والتغيير(11) يقوم على بعدين:
الأول: الإصلاح الديني والفقهي، فقد هاجم شيخ الإسلام محمد علي الشوكاني التقليد وطالب بفتح باب الاجتهاد، وركز في تخريجاته الفقهية على القرآن الكريم والسنة النبوية، وأولى الأحاديث النبوية اهتمامًا كبيرًا, ودخل الشوكاني في معارك فقهية مع المتعصبين مذهبيا من علماء عصره, وقدم تأصيلاً شرعيًا لطريقة التعامل مع الحكام، تختلف عن السائد في التراث الفقهي، فقد حث العلماء العاملين الأتقياء إلى التقرب من الحكام، وتولي المناصب المعاونة لهم، وأوضح أن المصالح الشرعية تكون أوكد, خلافاً لمقاطعة الحكام, وأن ذلك يعطي المبرر في أن أحداً لم يوضح لهم أحكام الشرع.
 
وتمثل رؤية الشوكاني، تجاه مسألة اتصال العلماء بالحكام محاولة منه لتشجيع وحث أفاضل العلماء بالاتصال بالحكام والعمل معهم، لأنهم الأكثر اعتزالاً للحكام والأكثر زهداً, الأمر الذي يترتب عليه آثار سلبية عديدة, فمن خلال استقراء الشوكاني للتاريخ الإسلامي وتاريخ اليمن، ومعايشته للواقع السياسي والفكري الذي كان سائدًا في عهده، وجد أن العلماء الأكثر علمًا وخُلُقًا ودينًا وأمانة وفضلاً هم من يعتزلون الحكام، وأن من يتقرب ويتزلف إليهم, هم علماء الدنيا الجهال وأنصاف المتعلمين، مما يؤدي أحيانًا إلى عواقب وخيمة, مثل تعطيل أحكام الشريعة الإسلامية، وفساد الحكام، وذهاب شعائر الإسلام وغير ذلك.
 
ويرى الشوكاني أن العلماء بقربهم من الحكام قد يتمكنون من تخفيف سوء استعمال السلطة من قبل الحكام وأعوانهم من الوزراء والعمال وأهل خاصته وحاشيته، وذلك بحسب الحال وبما تبلغ إليه الطاقة، فوجود مثل هؤلاء العلماء الأفاضل إلى جانب الحكام، حتى وإن كانوا ظلمة وجائرين يعطيهم الفرصة لتخفيف ظلم الحكام وجورهم، ولو بأقل قليل أو أحقر حقير، وأن العالم مع ما هو فيه من المنصب مأجور أبلغ أجر, لأنه صار مع منصبه، في حكم من يطلب الحق ويكره الباطل، ويسعى بما تبلغ إليه طاقته في دفعه(12).
 
وإجمالاً فإن الشوكاني يرى أن إقامة شرع الله والقيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتالي إقامة المجتمع المسلم، كما صوره الكتاب والسنة، مرتبط بالمشاركة السياسية للعلماء، والتي يتسع نطاقها إلى المشاركة في الحكم, فيتولى المناصب الحكومية والدينية، ففي إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الرؤية الإسلامية تصبح المشاركة السياسية بمعناها الواسع، فرضًا وإلزامًا وتكليفًا شرعيًا على كل مسلم، وأن من تقاعس عن القيام بهذا الواجب فردًا أو جماعة, فإنه آثم قلبه، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لعامة الناس، فإن لقيام العلماء بأداء هذا الواجب يمثل أعلى درجات المشاركة السياسية(13)، وتقريبًا, فإن نفس المضامين الشرعية والفقهية التي طرحها الشوكاني هي التي تطرحها الحركة الإسلامية الإخوانية المعاصرة في اليمن اليوم.
 
الثاني: أن الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ لم يتوقف عند قضية التأصيل الشرعي وتوضيح المصالح العامة من الاقتراب بالحكام، وتفنيد بعض الآراء التي تدعو إلى الابتعاد عنهم(14), وإنما مارس ما دعى إليه بنفسه، فقد تولى منصب "القضاء الأكبر" في عهد "الإمام المنصور علي", وفي عهد ابنه "المتوكل أحمد", وابن ابنه "المهدي عبد الله", أي أنه استمر في شغل هذا المنصب مدة تقرب من أربعين عاماً، وإلى جانب منصب القضاء الأكبر والذي يعد مرجعية الأحكام في الدولة، تولى الشوكاني منصب الإفتاء، وهو منصب جديد أدخله في دولة الأئمة الهادويين بعد أن حكم الأتراك، كما تولى الشوكاني منصب "الوزارة" وهو أعلى منصب في الدولة بعد منصب الإمام, وقد تولاها في عهد الإمام "المنصور علي بن العباس", وظل فيها حتى توفي عام (1250ھ)(15), وقد حاول شيخ الإسلام الشوكاني، توظيف سلطانه في المناصب التي شغلها في تنفيذ بعض رؤاه الإصلاحية.
 
وعلى هذا فإن التيار الإصلاحي قد تأسس من فترة مبكرة, وقادهُ كوكبة من العلماء, بدءاً من محمد بن إبراهيم الوزير وحتى الإمام الشوكاني, وتعتبر مطالب النخبة العلمية المستنيرة في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين, أمثال: أحمد أحمد المطاع، وأحمد عبد الوهاب الوريث, والعزي صالح السنيدار, والحاج محمد المحلوي, وعبد الله العزب, والشيخ حسن الدعيس, وأحمد الحورش, وزيد الموشكي, وأحمد البراق, وعبد السلام صبره، وحتى محمد محمود الزبيري, ومحمد أحمد نعمان، وعبد الرحمن الإرياني, تعتبر مطالبهم امتداداً للمدرسة الإصلاحية اليمنية, والتي مثلت رافداً فكريا في الحركة الإسلامية الإخوانية اليمنية المعاصرة.
 
وحدث تزاوج بين الرافد القادم من المدرسة الإخوانية المصرية برؤاها الفكرية وأساليبها التنظيمية، وبين الرافد الإصلاحي التقليدي ذي الجذور اليمنية، وأوجد التزاوج فيما بينهما ملامح الشخصية اليمنية للحركة الإسلامية, ومن اللافت أنه لم يحدث شيء من التوجس أو الاستغراب بين الرافدين في بداية التأسيس، فقد انخرط سريعًا في الحركة الإسلامية كثير من الشخصيات ذات الخلفية العلمية والشرعية دون أي توجس, ولاحقاً فإن أبرز علماء اليمن في المذهبين الزيدي والشافعي انسجموا مع الحركة في كيان واحد, هو "الجمعية العلمية اليمنية", وربما يعود ذلك إلى التأثير المتبادل، فالجهود الإصلاحية التي تركها علماء اليمن كانت تمثل رافدا للحركة الإصلاحية الحديثة في العالم الإسلامي، ولاسيما جهود ابن الوزير، وابن الأمير، وشيخ الإسلام الشوكاني، ويكفي أن نعلم أن المصلح "رشيد رضا" هو الذي أشرف على طبع كتب الشوكاني، ومعلوم مقدار تأثير "رشيد رضا" على الإمام البنا وحركة الإخوان المسلمين(16), وإلى جانب أن السياق الإصلاحي هو القاسم المشترك بين التيار التقليدي في اليمن والحركة الإسلامية الحديثة، فإن قيادات تأسيس الحركة الإسلامية الإخوانية في اليمن لم يكونوا مفصولين عن القضايا الوطنية اليمنية، فالأستاذ محمد محمود الزبيري، أفنى حياته في النضال لإصلاح الأوضاع في اليمن، وكانت القضايا الوطنية تمثل همًا يقع في صدر أولوياته, ونفس الأمر تقريبًا للأستاذ عبد المجيد الزنداني الذي كان أسلوبه يميل إلى التقرب من الوجاهات الاجتماعية والعلماء.
 
لقد أثرت خصوصية الأوضاع وطبيعة التطورات السياسية والاجتماعية في اليمن, على إعادة رسم خريطة الأفكار لدى الحركة الإسلامية في اليمن وترتيب أولوياتها, فقضايا مثل سيادة الشريعة واحتكام السلطة والشعب إليها, وشمولية الإسلام, مع أنها كانت حاضرة في خريطة أفكار الحركة الإخوانية في اليمن, إلا أنها لم تكن في الأولوية كما هو الحال في دولة مثل مصر أو تونس، والسبب أن الوسط المجتمعي الذي تعمل فيه يَعُدُّ مثل هذه القضايا من المسلمات التي لا تحتاج إلى نضال للإيمان بها، ولهذا فإن الحركة الإسلامية في مصر، كانت تناضل لأجل الوصول إلى تحكيم الشريعة, وتثبيت ذلك في النظم الدستورية والقانونية، بينما كانت أولويات الحركة الإسلامية اليمنية ـ في هذه النقطة بالذات ـ هي العكس تمامًا؛ فقد كانت تناضل لأجل إدخال الدستور والقانون في الشريعة الإسلامية(17)، وفيما كانت بعض الحركات تعمل جهدها لوقاية المجتمع من بعض أضرار التحديث، فإن الحركات الإسلامية كانت إحدى القوى الدافعة للتحديث في اليمن(18)، فالحركة الإسلامية الإخوانية هي أول من أدخل مفاهيم: الدستور، الإمام الدستوري, الحكومة الدستورية، واختصاصات الحكومة إلى الحياة الفكرية والسياسية اليمنية في عام 1948م*.
 
وبصورة عامة، فإن الواقع اليمني بمكوناته الاجتماعية، وأوضاعه السياسية والثقافية, قد دفع الحركة إلى إعادة ترتيب أفكارها المركزية، فلم تقف الحركة -على سبيل المثال- عند قضية سيادة الشريعة كثيرًا, فقد تم حسمها وتثبيتها دستوريا في عام 1971م، ونفس الأمر بالنسبة لهوية النظام السياسي، ولعل ذلك دفع الحركة إلى التركيز على بناء التنظيم والتغلغل في مؤسسات النظام السياسي, والمشاركة في الانتخابات, وغيرها من الممارسات العملية.
 
ولعل نفس الظروف هي التي جعلت الحركة تواجه مشاكل من نوع آخر, من قبيل مبررات تكوين تنظيم إسلامي في مجتمع ونظام مسلم، ومبررات التسمية "الإخوان المسلمون" في ذات المجتمع، ولذلك لم تكن قيادات الإخوان متحمسة للتعامل العلني بمسمى" الإخوان المسلمون" فكانت تشتق لها مسميات أخرى, مثل الحركة الإسلامية الإصلاحية، والاتجاه الإسلامي, وغيرها من الأسماء, بما فيها مسمى الحزب الذي أسسته بعد قيام الوحدة "التجمع اليمني للإصلاح".
 
فقد انعكست خصوصية الأوضاع السياسية والاجتماعية والفكرية وطبيعة التطورات التي مرت بها اليمن على البناء الفكري للحركة الإسلامية الإخوانية في اليمن, كما يشير الى ذلك أحد الباحثين الغربيين " فلم تكن مفاجأة كبيرة أن يبدو أتباع حسن البنا في اليمن منتجًا محليًا له خصوصيات قوية، بقدر اختلاف مجتمعات جنوب شبه الجزيرة العربية عن المجتمعات في المغرب العربي أو في ضفاف النيل مع وجود جوانب (مشتركة) تتجاوز البلدان لها قيمة شاملة على المستوى العربي العام"(19).
 
 
(ج) الخصائص الفكرية للحركة الإخوانية في اليمن:
 تتسم خريطة أفكار حركة الإخوان المسلمين اليمنية بمرونتها الفكرية, ومن الواضح أن ذلك نتيجة عدد من العوامل, منها ما هو متصل بطبيعة فكر المدرسة الإخوانية من جانب، وطبيعة التطورات السياسية والفكرية المتلاحقة في اليمن وتعامل الحركة معها من جانب آخر، ومنها ما له علاقة بطبيعة البيئة اليمنية التي تعيش فيها الحركة وتتفاعل معها.. كل تلك العوامل أدت إلى مرونة الإطار الفكري للحركة الإسلامية اليمنية، وربما أفضى في بعض الأحيان إلى إضعافه وفقدانه للتميز والوضوح الكافين.
 
فالبناء الفكري لمدرسة الإخوان المسلمين يتسم بالمرونة أساساً, لأن منهجها يستهدف الأخذ بالإسلام "كل الإسلام" في جميع الجوانب العقدية والعبادية والتشريعية والسياسية والفكرية والثقافية... الخ، وللوفاء بكل هذا لا بد من أن يكون الإطار واسعاً, وعكس ذلك عندما يتركز اهتمام الحركة الإسلامية على بعدٍ واحدٍ من أبعاد الدين ـ قضية الجهاد مثلاً ـ فإن هذا يستلزم بناءً فكريًا صارمًا, ثم لأن حركة الإخوان تنتمي إلى المدرسة الإصلاحية التي تعتمد المرحلية والتدرج, والتغيير بعيد المدى, مما يستلزم مرونة فكرية تمكنها من التعامل مع مجمل المتغيرات في البيئة التي تعمل فيها, وأخيرًا لأن حركة الإخوان تستهدف تجميع أكبر قدر من الطاقات والاستفادة بما لدى الآخرين، ولهذا كان فكرها ـ باستثناء فكر الشهيد سيد قطب ـ فكرا تبشيريا يقرب أكثر مما يفاصل، ويتعامل مع الواقع وفق أولويات, بحيث يتم تحريك قائمة الأولويات بحسب تغيير الظروف، ومن ثم فإنه فكر غير جامد, وغالبا ما يتم التمييز في فكر الإخوان بين شيئين:
 
1ـ الثوابت: وهي التي تعبر عن القطعيات من نصوص الكتاب والسنة النبوية, والتي لا تتغير بتغير الزمان والمكان, وما اتفق عليه إجماع الأمة واستقر عليه أمرها علما وعملا وفكرا وتطبيقا, يأتي في مقدمتها السعي إلى إقامة المجتمع المسلم كما صور في الكتاب والسنة, وبحيث يكون نظامه الفكري والتربوي والتشريعي قائما على أساسهما, وكذا إقامة الشعائر الدينية لله وحده, والحكم بما أنزل, وتحقيق المقاصد العليا للشريعة الإسلامية بحفظ الضرورات الخمس.. وغيرها من الثوابت, والتي رغم أنها دائمة قليلة ومحددة من ناحية الكم, إلا أنها في غاية الأهمية من ناحية (الكيف), لأنها تجسد وحدة الأمة, وقدرتها على الصمود محتفظة بمقوماتها وخصائصها(20).
2ـ المتغيرات: وهي الأمور التي يمكن أن يعتريها التبديل والتغيير والتأويل والتطوير, ويعتبر التغيير فيها أمرًا لا يخرج الأصل عن استمراريته وخصائصه المميزة التي لا تمس أساسياته، فهي أمور مرنة لأن تغيير الزمان والمكان يحتاج مرونة وتكيفًا وتجاوبًا مع الاحتفاظ بالثوابت، والله عز وجل أودع في الإسلام من الثوابت ما يضمن به الاستمرار, ومن المتغيرات ما يكفل له بها الصلاحية والملائمة لكل الظروف والأزمان(21).
 
 أما العامل الآخر الذي أدى إلى ضعف الجانب الفكري للحركة الإسلامية الإخوانية في اليمن، فيعود إلى كثافة التطورات السياسية المتلاحقة، وحاجة الحركة الإسلامية إلى تحديد موقف منها والتعامل معها لاسيما في مرحلة التعددية السياسية والحزبية, فقد كانت الحركة طرفًا في سلسلة متصلة من الانتخابات العامة والتحالفات السياسية، والتحول معها وبسببها من موقع المعارضة إلى المشاركة في السلطة إلى المعارضة مرة أخرى، وفي كل هذه التفاعلات طغى الجانب السياسي على ما عداه من الجوانب الأخرى التي تستهدف الحركة تغييرها, "واقتضت التطورات السياسية والفكرية المتسارعة أن تتعامل معها الحركة, وبعض تلك المواقف كان يتم التعامل معها عن فكر ورؤية نظرية والبعض الآخر كان التعامل سابقاً للرؤية النظرية والفكرية، كما يقول أحد قيادات الحركة(22).
 
وهكذا انغمست الحركة في تفاصيل القضايا السياسية والاقتصادية، وشيئًا فشيئًا تراجعت المضامين الدعوية في الخطاب السياسي للإصلاح, وتصدرت تلك المواضع المتصلة بالحقوق والحريات العامة والفساد وتصحيح منظومة الانتخابات, وأصبح الإصلاح أقرب إلى الحزب المدني ذي المرجعية الإسلامية منه إلى الحركة الإسلامية(23).
 
ومن جهة أخرى فقد أدى تغلغل الإسلاميين المبكر في النظام السياسي إلى نشر خطهم الفكري في المؤسسات الرسمية والاجتماعية, وصار المجتمع والحركة بنفس اللون الأمر الذي حرمها التميز, كما يشير إلى ذلك المستشرق الفرنسي "فرانسوا برجوا" بقوله: "ومن مفارقات براعة الإسلاميين اليمنيين السياسية أن قدرتهم على فرض مراجعهم العقائدية قد كان على نحوٍ ما في غير صالحهم, لأنه حرمهم من جزء مهم من الأسلحة التي يمتلكها نظراؤهم في الصراع مع سلطات "علمانية" صريحة(24).
 
كما أن تنافس السلطة مع الإسلاميين, وخوفها من الفوائد السياسية لخطابهم الديني دفع نظام الرئيس علي عبد الله صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم إلى صبغ الخطاب السياسي الرسمي والحزبي بخطاب ديني لسحب البساط من تحت أقدام الإسلاميين, ولتحقيق مكاسب سياسية وشعبية في الانتخابات العامة.
 
(هـ) تأثير الإطار الفكري للحركة على علاقتها بالنظام
يمثل البُعد الفكري للحركة الإسلامية أحد العوامل التي تؤثر في تحديد وصياغة علاقتها بالنظام السياسي والقوى السياسية والاجتماعية الأخرى, بل وحتى من الأطراف والقضايا الدولية على الصعيدين الإقليمي والدولي, وتكمن أهمية الجانب الفكري والعقدي في طبيعة الدور الوظيفي الذي يقوم به, فهو في إطار الحركات العقائدية يقوم "بتحديد الأهداف, وتحقيق التضامن الداخلي, وتحقيق التمّيز, والانتشار, وتحديد الإستراتيجية التي تحقق الأهداف(25) وطبيعة علاقتها مع الأطراف الأخرى.
 
وبشكل عام فإن حركة الإخوان المسلمين، وتحديدًا الفرع اليمني منها "انطلقت من منطلقات فكرية واضحة في تعاملها مع السلطة, وفي القلب منها الاعتقاد بأن المجتمع اليمني مجتمع مسلم، وأن العلاقة بينها وبين الشعب اليمني، وبين القوى السياسية المختلفة بما فيها النظام, هي علاقة نصح وليست علاقة تكفير أو تخوين, ولم تنظر الحركة الإسلامية في اليمن في يوم من الأيام إلى الدولة على أنها كافرة أو مرتدة, بما يؤدي إلى أن تقف منها موقف عداء وصدام، ولم يحدث هذا في تاريخ الحركة حتى في أسوأ أحوال الانحراف الفكري والحزبي داخل أجهزة الدولة، ولم يحدث لدى الحركة اقتناع أنه يجب أن تعتزل المجتمع, أو تقوم بأعمال عنف وصدام, ومن هنا كانت علاقة الحركة بالدولة تقوم على أساس النصح والإرشاد والتوجيه ومحاولة الاستقطاب والكسب, الأمر الذي مكنها من مد جسور العلاقة وفتح لها أبواب التعاون مع المواطنين بمختلف شرائحهم, سواء كانوا من القبائل أو السياسيين أو المثقفين أو غيرهم(26), وبسبب هذا يمكن تفسير التحالفات الواسعة التي أقامتها الحركة مع القوى الاجتماعية والسياسية الأخرى, والتي تشبه في بعض المراحل الاصطفاف الجبهوي, ويشدد بعض قيادات الحركة على "أن المرجعية الفكرية لم تكن سببًا في حدوث توتر بين الحركة والسلطة في شمال اليمن في يوم من الأيام، وأن أي توتر في العلاقة بين الطرفين إنما يعود إلى أسباب سياسية وليست فكرية(27).
 
 وعلى هذا فإن الخلفية الفكرية للنظام السياسي عامل هام في تحديد طبيعة العلاقة بين النظام السياسي وبين الحركة الإسلامية, فكل النظم السياسية التي حكمت شمال اليمن بعد الثورة لم تتبن توجهاً فكرياً يهدد المنظومة الفكرية للحركة الإسلامية, وظل الإطار العقدي والفكري للحركة يضبط تعاملها مع السلطة, من حيث أن للحاكم الحق في السمع والطاعة, والنصح له, وعدم الخروج علية, والصبر على ظلمه, ووجوب الاقتراب منه ومعاونته.
 
ومع أن الحركة ملتزمة بالخيارات الفقهية لأهل السنة والجماعة فيما يتعلق بعلاقتها مع النظام السياسي, إلا انه يمكن القول: إنه تم تضييق مفهوم الخروج على الحاكم, بحيث لم يَعُدْ منه, منافسته في الانتخابات أو توجيه النقد الصريح له, وتنظيم الإعتصامات والمظاهرات, مادام ذلك في إطار الدستور المتفق عليه بين الحاكم والمحكومين, بمعنى أن الإسلاميين الإخوان تجاوزوا من الناحية العملية المفاهيم التقليدية عن طاعة الحاكم وعدم الخروج عليه.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 المراجع:
 
(1) نيفين عبد الخالق مصطفى، المعارضة في الفكر السياسي الإسلامي، (القاهرة، مكتبة الملك فيصل الإسلامية)، ط1، 1985, ص: 230.
(2) الإمام حسن البنا، مجموعة رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، (القاهرة، دار الدعوة)، ط1، 2002م، ص: 85-186.
(3) جمعة أمين عبد العزيز، منهج التغيير عند الإمام حسن البنا، (القاهرة، دار الدعوة)، ط2، 2002م، ص: 106.
(4) حسن البنا، مجموع رسائل الإمام الشهيد حسن البنا، مرجع سبق ذكره، ص: 178.
 (5) المرجع نفسه, ص: 170-171.
(6) حسن البنا، مجموع الرسائل، مرجع سبق ذكره، ص: 171.
(7)حسن البنا، مجموع الرسائل، مرجع سبق ذكره ، ص: 95-96.
(8) ينظر في هذا: سعيد حواء, المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين,( القاهرة, مكتبة وهبة),الطبعة الثالثة,1984م.
(9) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ محمد محمد قحطان, عضو الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح, بتاريخ 16/3/2006.
(10) عبد العزيز المسعودي، الشوكانية الوهابية، (القاهرة ، مكتبة مدبولي)، ط1, 2006م، ص: 85.
(11) لمعرفة تأثير التراث الفكري والعملي للإمام الشوكاني على الحركة الإسلامية في اليمن, يرجع إلى الدراسة الرائدة للدكتورة أشواق أحمد مهدي غليس, فكر الشوكاني السياسي وأثره المعاصر في اليمن, التجمع اليمني للإصلاح "نموذجا",(صنعاء, مركز عبادي للدراسات والنشر,2007م), ط 1.
(12) شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني, رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين, نقلا عن, أشواق احمد مهدي, رؤية الشوكاني للتغيير السياسي, مجلة شؤون العصر, العدد السادس عشر, السنة الثامنة, يوليو- سبتمبر 2004م, ص: 115.
(13) أشواق احمد مهدي, رؤية الشوكاني للتغيير, مرجع سبق ذكره,ص: 123.
(14) ينظر في هذا رسالة لشيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني، "رفع الأساطين في حكم الاتصال بالسلاطين، تحقيق د. حسن الظاهر محمد, (صنعاء مكتبة الجيل الجديد).
(15) أشواق احمد مهدي, رؤية الشوكاني للتغيير, مرجع سبق ذكره, ص: 121.
(16) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ حسن الذاري بتاريخ, 1/3/2006م.
(17) فرناسو برجوا، الإسلام السياسي في زمن القاعدة, (دمشق, قدمس للنشر والتوزيع), ط1, ترجمة, سحر سعيد, ص: 46.
(18) المرجع نفسه، ص: 48.
(*) يمكن العودة إلى المبحث الثالث من الفصل الأول من هذه الدراسة.
(19) فرنسوا برجوا, إسلاميو اليمن بين العالمية والمحلية, مرجع سبق ذكره, ص: 80.
(20) دكتور يوسف القرضاوي, السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها,(القاهرة,مكتبة وهبة), ط 1, ص: 225- 227.
(21) جمعة أمين، منهج الإمام البنا، الثوابت والمتغيرات، القاهرة، دار التوزيع والنشر الإسلامية، ط1، 2000م، ص: 49.
(22) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ أحمد القميري، مصدر سبق ذكره.
(23) تعرضت حركة الإخوان المسلمين في اليمن لنقد شديد من قبل أفراد من الواضح أن لهم ميولاً سلفية, وتركز النقد في كتاب وزعته جهات مجهولة على مقرات الإصلاح, باسم مؤلف مستعار (صادق أمين), تحت عنوان "إلى أين يتجه الإخوان المسلمون في اليمن, نصيحة ودعوة إلى تفعيل الاحتساب داخل الحركات الإسلامية".
(24) فرنسوا برجوا, إسلاميو اليمن بين العالمية والمحلية, مرجع سبق ذكره, ص: 94.
(25) عبد العاطي محمد أحمد، الحركات الإسلامية في مصر وقضايا التحول الديمقراطي، (القاهرة، مركز الأهرام للترجمة والنشر)، ط1 ، 1995م، ص: 39.
(26) مقابلة أجراها الباحث مع الدكتور عبد العظيم العمري، مصدر سبق ذكره.
(27) المصدر نفسه.

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك