كيف تكيف "الإخوان" مع الواقع الجديد وكيف تأسس حزب الإصلاح؟

  

في الحلقة 16 من كتاب "الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن .. من التحالف إلى التنافس" للباحث ناصر الطويل، نبدأ بنشر الفصل الثالث الذي يتحدث عن المحددات الداخلية للعلاقة بين النظام السياسي والحركة الإسلامية بعد الوحدة.
 
الفصل مقسم إلى 3 مباحث، يتناول الأول التعددية الحزبية والتنافس الانتخابي، ويتناول الثاني والثالث استراتيجيات النظام تجاه الحركة الإسلامية، وإستراتيجية الحركة تجاه النظام، فيما يتناول الرابع التباين حول بعض السياسات الحكومية.
 
وهنا ننشر المبحث الأول من الفصل الثالث.
 
 
 
مقدمة:
في 22 مايو عام 1990م, كانت اليمن على موعد مع واحد من أهم أحداثها في العصر الحديث، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، تمثل هذا الحدث في إعادة الوحدة الاندماجية بين شطري اليمن، وبقدر ما كان هذا الحدث المدوي كفيلاً بتغيير إيقاع حياة اليمنيين بكل أبعادها، نظرًا لأنه حقق طموحات وآمالاً يمنية وعربية ظلت تترقب مثل هذا اليوم، فإنه اقترن بحدث قد لا يقل عنه أهمية، فقد تأسس النظام اليمني الجديد, على أساس التعددية السياسية والحزبية، وبعض مظاهر الحريات السياسية والاقتصادية.
 
 وشهدت الحياة السياسية بفعل ذينك الحدثين ديناميكية, وحيوية غير مسبوقة، حيث اتجهت القوى السياسية إلى الإعلان عن نفسها وبرامجها وقياداتها, وتنافست فيما بينها حول العديد من القضايا السياسية والانتخابية, إلى الحد الذي تغيرت معه ملامح الحياة السياسية التي كانت سائدة قبل ذلك في الشطرين.  
 
وسريعا تكيفت القوى السياسية الحاكمة والمعارضة مع الواقع السياسي الجديد, فقد التحم نظام الرئيس علي عبدالله صالح -في بعض بنيته- مع نظام الحزب الاشتراكي وشكلا ائتلافا حاكما, واندمجت الحركة الإسلامية الإخوانية مع حلفائها التاريخيين في حزب التجمع اليمني للإصلاح, الذي سُيعدُّ من الآن فصاعدا أحد الأحزاب العلنية في اليمن.   
 
وبقدر ما أثرت تلك المتغيرات على علاقة حركة الإخوان المسلمين في طورها الجديد "التجمع اليمني للإصلاح" بنظام الرئيس علي عبد الله صالح، فقد تأثرت أيضًا بأهداف النظام وتوجهاته نحو الحركة، وهي أهداف ومصالح متغيرة بتغير الظروف نفسها, وبنفس القدر ـ تقريباـ فقد مثلت إستراتيجية الحركة وطريقة تعاملها مع الواقع السياسي أحد العوامل المؤثرة على صياغة علاقتها مع النظام.
 
وأخيرًا فقد كان عدد من القضايا المتعلقة بإدارة الدولة والمجتمع محلاً لاتفاق أو اختلاف الطرفين كما هو حال موضوع الفساد المالي والإداري، وبرنامج الإصلاحات الاقتصادية, والإصلاح السياسي, ومواجهة ما تسميه الحركة بالاستبداد السياسي.
 
وعلى هذا فسيتم تقسيم هذا الفصل إلى أربعة مباحث, نتناول فيها الآتي:
 
 المبحث الأول: التعددية الحزبية والتنافس الانتخابي.
المبحث الثاني: استراتيجيات النظام تجاه الحركة الإسلامية.
المبحث الثالث: استراتيجيات الحركة الإسلامية تجاه الدولة والمجتمع.
المبحث الرابع: التباين حول بعض السياسات الحكومية.
 
المبحث الأول: التعددية الحزبية والتنافس الانتخابي.
 
مقدمة:
اقترن إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في منتصف عام 1990م بشرعية التعددية الحزبية, وحق القوى السياسية في تشكيل أحزاب سياسية علنية, وامتلاك الصحف والإصدارات الإعلامية، والمنافسة في الانتخابات العامة، وهو ما مثل نمطًا جديدًا للحياة السياسية لم يكن مألوفًا في كلا الشطرين في مرحلة ما قبل الوحدة.
 
احتفظ الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام, وهما التنظيمان السلطويان الحاكمان في دولتي ما قبل الوحدة بكيانيهما، وسارعت القوى والتيارات السياسية للخروج من إطار المؤتمر الشعبي العام لتشكل أحزاب خاصة بها, لممارسة حقها في العمل السياسي العلني، وإلى جانب البعثيين فقد كان تنظيم الإخوان المسلمين أكبر القوى السياسية التي انسحبت من المؤتمر، وشكلت مع أبرز حلفائها التاريخيين من القوى الاجتماعية والسياسية والشخصيات العامة, حزب التجمع اليمني للإصلاح.
 
 تكيفت حركة الإخوان المسلمين سريعًا مع الواقع السياسي والاجتماعي الجديد، وتمكنت من التعامل بسلاسة مع متغيراته, "ولا شك أن تطور ونمو حركة الإخوان خلال الثمانينيات وانتشارها في محافظات لم تكن موجودة فيها من قبل, قد هيأها لمرحلة التعددية والعلنية... كما أن وجود عناصرها داخل المواقع التنظيمية المختلفة للمؤتمر الشعبي العام, قد أزال الكثير من الحواجز النفسية بينها وبين الأطراف السياسية الأخرى, واكسبها قدرا كبيرا من المرونة وسعة الأفق, وإمكانية القبول بالآخر"(1)، فتصدرت في السنوات الثلاث الأولى من عمر الوحدة معارضة الحزبين الحاكمين, وأدارت في مواجهتهما معارك سياسية وإعلامية، وشاركت في أول انتخابات برلمانية وأول ائتلاف حكومي, وانحازت في المراحل الأخيرة من الصراع بين الحزب الاشتراكي وقيادات المؤتمر الشعبي العام إلى جانب الأخير, وتكاملت معه في إدارة سياسية وعسكرية وإعلامية ناجحة لحرب عام 1994م, وبخروج الحزب الاشتراكي من مربع التنافس مع نظام الرئيس علي عبد الله صالح تصدرت الحركة الإسلامية موقع المنافس الأقوى للسلطة في أغلب الانتخابات المحلية والنيابية والرئاسية, وأخذت العلاقة بينهما تنتقل - شيئًا فشيئا- من التحالف إلى التعايش إلى التنافس الحاد، وتغيرت مع كل ذلك خارطة التحالفات السياسية للطرفين, وفقًا للتحول في ميزان القوة, وهـو ما سيتم عرضه تفصيلاً من خـلال النقـاط التالية:
 
أولاً: تطور ملامح التعددية الحزبية:
 
 لم يكن موضوع التعددية السياسية حاضرًا في كل الخطوات الوحدوية بين الشطرين, فقد كان التصور المتداول هو إقامة تنظيم سياسي واحد، حيث نص بيان طرابلس الموقع عليه من قبل رئيسي الشطرين في ذلك الوقت على أن : "ينشأ تنظيم سياسي موحد يضم جميع فئات الشعب المنتخبة صاحبة المصلحة في الثورة, للعمل ضد التخلف ومخلفات العهدين الإمامي والاستعماري، وضد الاستعمار القديم والجديد والصهيونية، وتشكل لجنة مشتركة لوضع النظام الأساسي للتنظيم السياسي ولوائحه, مستهدية بالنظام الخاص بإقامة الإتحاد الاشتراكي في الجمهورية العربية الليبية... وعلى ضوء مناقشته من قبل فئات الشعب"(2).
 
وبالرغم من التقدم في مناقشة القضايا الأخرى المتعلقة بإجراءات إقامة الوحدة, إلا أن موضوع التنظيم السياسي ظل بعيدًا نظرًا لحساسيته، ولم تشكل لجنة التنظيم السياسي إلا في عام 1989م, وفي هذه الفترة كانت مياه كثيرة قد جرت من تحت الجسر, وحدثت متغيرات داخل الشطرين, وأُخرى إقليمية ودولية غيرت موقف النظامين السياسيين من التعددية الحزبية.
 
وأوضحت نتائج اجتماعات اللجنة المكلفة ببحث موضوع التنظيم السياسي لدولة الوحدة مدى التغيير الجذري في التوجه الرسمي القائم, فقد توصلت في 3/11/1989م إلى تقديم مقترح بأربعة بدائل لتنظيم الحياة السياسية, هي(3):
 
   دمج المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني في كيان واحد.
 
2ـ استمرار الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام كتنظيمين مستقلين مع حق القوى الوطنية والشخصيات الاجتماعية الوطنية في ممارسة النشاط السياسي.
 
3ـ أن يعمد الحزب والمؤتمر إلى حل نفسيهما, وتترك الحرية لقيام التنظيمات السياسية.
 
4ـ تأليف جبهة وطنية عريضة, تضم المؤتمر والحزب والقوى الوطنية المؤمنة بأهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر في إطار تنظيم سياسي, مع احتفاظ كل هذه القوى باستقلالها ضمنًا.
 
وكان الرئيس علي عبد الله صالح يميل إلى البديل الأخير, باعتبار أن له خبرة في التعامل مع مثل هذا الأسلوب، ولأنه سيمكنه من احتواء الاشتراكيين, أما الحزب الاشتراكي, ولأسباب تتعلق بتداعيات أحداث 13 يناير، وحرصه على كسب ود الغرب, والحصول على جواز قبول في النظام الدولي الجديد، وإحساسه بالحاجة إلى حماية كيانه من الذوبان في إطار المؤتمر الشعبي العام إذا تم الأخذ بالخيار الأول، وثقته بقدرته على إدارة العمل السياسي كتنظيم يمتلك تجربة في العمل السياسي والتنظيمي لا يستهان بها(4), فضل الأخذ بخيار التعددية الحزبية, وأصر على فرضه على الطرف الآخر.
 
كما لا يمكن إغفال تأثير المناخ الدولي في ذلك الوقت، فانهيار حلف وارسو، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وسقوط النظم الشمولية في أوروبا الشرقية، والعمل الدعائي الواسع الذي قامت به الولايات المتحدة والدول الغربية للترويج للديموقراطية والتبشير بها, مثّلت بمجملها عامل ضاغطة باتجاه ترجيح الأخذ بالخيار الديمقراطي كأساس للنظام السياسي اليمني الجديد, وأخيرًا تأتي ضغوط بعض القوى السياسية، فقد أصدرت لجنة التنظيم السياسي الموحد المشكلة من الشطرين قرارًا بتاريخ 10/1/1990م, بالأخذ بخيار حرية العمل الحزبي, على أن يتم تنفيذه بعد قيام الوحدة, إلا أن بعض القوى السياسية سارعت الى الإعلان عن نفسها، وعقد بعض فعاليتها، وذلك حتى لا تتيح للسلطتين في الشطرين فرصة للتراجع عن خيار الحريات العامة, وفي مقدمتها الحق في تشكيل الأحزاب السياسية(5).
 
وبعد إعلان قيام الوحدة, تتابع إعلان تشكيل العشرات من الأحزاب والتنظيمات السياسية، واتسمت تلك الفترة بتضخم الظاهرة الحزبية والإعلامية, حيث وصل عدد الأحزاب والتنظيمات السياسية المعلنة إلى (46) حزبًا, وعدد كبير من الإصدارات الإعلامية اليومية والأسبوعية والشهرية.
 
أما من حيث المنافسة, فقد اقتصرت منذ أول انتخابات والتي جرت في 27 أبريل 1993م, على القوى السياسية التي تم بناء تنظيماتها في مرحلة ما قبل الوحدة، حيث انحصرت في ثلاث قوى رئيسية, هي حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يمثل الامتداد السياسي لنظام الرئيس علي عبد الله صالح, والحزب الاشتراكي اليمني الذي تفرد بحكم الجنوب في مرحلة التشطير، وحزب التجمع اليمني للإصلاح الذي ضم حركة الإخوان والقوى السياسية المتحالفة معها.
 
جاء تحول اليمن الموحد نحو الديمقراطية والتعددية الحزبية من خلال اتفاق النخبة المتمثلة في قيادة الحزب الاشتراكي اليمني والمؤتمر الشعبي العام، وتوحي الظروف التي أحاطت بترجيح خيار حرية العمل السياسي والحزبي، بأن هذا التحول لم يكن عن اقتناع كامل من قبل الطرفين المشاركين في صنعه، كما أنهما لم يتخذا من الترتيبات ما يحوله إلى مشروع سياسي للنظام السياسي الجديد، " فالطرف الأول المتمثل بالمؤتمر الشعبي العام لم يكن مقتنعًا بضرورة التعددية وكان يخشى أن تنمو الأحزاب الحقيقية ذات الخبرة في ظل التعددية فتتجاوزه(6), وبصفة مماثلة فهناك من يقول: إن الحزب الاشتراكي قَبِل الوحدة مدفوعاً بالخوف من مصير مجهول في حالة عدم الموافقة عليها، وبنفس الوقت فقد شارك في قيامها وهو يأمل أن يكون القوة الأساسية في الحياة السياسية بعد الوحدة, خاصة وانه يمتلك تنظيماً جيداً، ووسائل إعلام متمرسة, وقوات مسلحة وأجهزة أمنية وميليشيات شعبية مسيسة، وكان يتوقع أن يحصل على دعم من الأفراد والقوى الاجتماعية والسياسية المتذمرة من حكم الرئيس علي عبد الله صالح في المحافظات الشمالية.
 
وعلى هذا فإن الطرفين اللذين صنعا الوحدة لم يكونا مقتنعين بالتوجه الديمقراطي, كما لم يكونا مستعدين لقبول مترتبات العملية الديمقراطية ونتائج الانتخابات التنافسية، فقد سعى الحزب الاشتراكي -قدر استطاعته- إلى تأجيل الانتخابات النيابية الأولى وتطويل الفترة الانتقالية, ودفع الطرف الآخر للدخول في ترتيبات تضمن بقاءه بعد الانتخابات بنفس القوة مهما كانت نتائج الانتخابات, أما قيادة المؤتمر فلم تكن حريصة على تأخير الانتخابات البرلمانية الأولى عن موعدها لأنها تدرك أن نتائج الانتخابات ستكون في صالحها، وقد تمكنها من إضعاف الحزب الاشتراكي, وتجاوز صيغة التقاسم بين الطرفين.
 
وبدلاً من إعادة بناء النظام السياسي بناءًا يتناسب مع متطلبات الحياة الحزبية والديمقراطية، حافظ كل طرف على مصادر قوته، ووظف إمكانات الدولة ومقدراتها بشكل مفرط, لتعزيز تلك القوة, وتحقيق نقاط سبق في تنافسه مع الطرف الآخر.
 
جاء تشكيل التجمع اليمني للإصلاح بالتنسيق بين الإخوان المسلمين والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر, وعدد كبير من الشخصيات السياسية والاجتماعية الأخرى, ولقي دعما من قبل الرئيس علي عبد الله صالح في إطار سياسة التوازنات التي يعتمد عليها في إدارة الأوضاع السياسية في البلاد(7), حمل التجمع اليمني للإصلاح –مبكرا- لواء المعركة السياسية والفكرية الذي كانت قد بدأته حركة الإخوان حول موضوع التعديلات الدستورية, والتي كانت قد طالبت بضرورة إجراء تعديل على الدستور, بما يؤكد على الهوية الإسلامية للنظام السياسي لدولة الوحدة, واشتبك الخطاب السياسي للتجمع اليمني للإصلاح مع الحزب الاشتراكي اليمني حول العديد من القضايا، وحدث ما يشبه الفرز بين المواطنين حيث اتجه أغلب المتدينين إلى الانضمام أو التعاطف مع حزب التجمع اليمني للإصلاح، وحدث العكس بالنسبة للحزب الاشتراكي, حيث تعاطف معه معظم الأفراد الذين كانت لهم توجهات فكرية قومية أو يسارية أو ليبرالية.
 
 وبالرغم من قوة الحزب الاشتراكي التنظيمية والإعلامية, واعتماده على مؤسسات وأجهزة الدولة, إلا إن الإصلاح- بفعل خطابه, وأداءه السياسي- بدى للمتابع أكثر جماهيرية من الحزب الاشتراكي، وربما من المؤتمر الشعبي العام خلال الفترة الانتقالية, فقد استفاد من المواجهة الإعلامية والسياسية مع الحزب الاشتراكي, واستمرت شعبيته أثناء الفترة الانتقالية (1990ـ 1993م) في تزايد يوماً بعد آخر, بسبب قوة خطابه الإعلامي ومواقفه السياسية ضد الحزبين الحاكمين رغم علاقته الوثيقة بأحدهما (المؤتمر), وكان ذلك أمراً طبيعياً إذ كان الناس بحاجة لسماع خطاب قوي من طرف قوي خارج السلطة، مقابل الخلافات التي اتسمت بها الفترة الانتقالية بين المؤتمر والاشتراكي, وما تسببت به من تدمير الإمكانيات وموارد البلاد, وما أدت إليه من انهيار في الأوضاع المعيشية والاقتصادية(8).
 
زودت مرحلة التعددية الحزبية كلاً من النظام والحركة الإسلامية بمصادر للقوة, وبالعديد من التحديات أيضا, فقد أكسبت النظام حيوية وشرعية جديدة أمكنته من تسويق نفسه خارجيا وداخليا, وعُدَّت إلى جانب الوحدة أبرز منجزات الرئيس علي عبد الله صالح, ونقطة تميز نظامه, غير أنها منحت خصومه ومنافسيه مشروعية نقده علنا ومزاحمته على السلطة كما أن إدارة الحياة الحزبية مرهِقة, وتتسم في بعض الأحيان بالمغامرة, ومثل النظام فإن مرحلة التعددية منحت الحركة الإسلامية في اليمن الشرعية القانونية في العمل السياسي, ومكنتها من تجاوز ما يمكن تسميته بالشرعية الواقيعة التي كان يمنحها النظام وظلت متعلقة برضاه وموافقته, وهذا مكنها من التحرك بيسر ودون كلفة, فتمكنت من فتح المقرات الحزبية, والإصدارات الإعلامية, ونشر أفكارها وبرامجها والتحرك في أوساط المجتمع ورفع مستوى خطابها السياسي, والمشاركة في الانتخابات العامة, والاستناد في كل ذلك إلى الشرعية الدستورية, وهي شرعية تعي الحركة أهميتها جيدا.
 
ولهذا فقد احتلت الضمانات الدستورية للتعددية الحزبية والسياسية حيزاً رئيسياً من اهتمامات (الحركة), أثناء مطالبتها بتعديل الدستور قبل الاستفتاء عليه عام 1991م, إذ أن الدستور بصيغته المطروحة للاستفتاء حسب المادة (39) أشار تلميحاً -وليس تصريحا- إلى التعددية الحزبية والسياسية, حيث تنص المادة السابقة على: " أن للمواطنين في عموم الجمهورية بما لا يتعارض مع نصوص الدستور الحق في تنظيم أنفسهم سياسيا ومهنيا ونقابيا والحق في تكوين المنظمات العلمية والثقافية والاجتماعية والاتحادات الوطنية بما يخدم أهداف الدستور, وتضمن الدولة هذا الحق ..", وهو النص الذي اكتسبت منه الأحزاب شرعيتها, وهو نص مرن يحتمل التأويل من وجوه عدة, ويتيح الفرصة أمام السلطة(9) لإمكانية التراجع الكلي أو الجزئي عن خيار التعددية الحزبية والنهج الديمقراطي, وعندما أتيحت للإسلاميين الفرصة في المشاركة في صياغة التعديلات الدستورية بعد الحرب الأهلية عام 1994م, ضمّنوا الدستور العديد من النصوص التي تؤكد على الحريات العامة, وبشكل خاص التعددية الحزبية, فقد أبقى المشرع على نص المادة السابقة والتي صارت في الدستور المعدل المادة رقم (57), وعززها بمادة إضافية هي المادة (الخامسة) التي تنص على أن "يقوم النظام السياسي للجمهورية اليمنية على التعددية السياسية والحزبية وذلك بهدف تداول السلطة سلميا, وينظم القانون الأحكام والإجراءات الخاصة بتكوين التنظيمات والأحزاب السياسية, وممارسة النشاط السياسي ولا يجوز تسخير الوظيفة العامة أو المال العام لمصلحة خاصة بحزب أو تنظيم سياسي معين"(10).
 
وبرغم الفوائد التي جنتها الحركة الإسلامية الإخوانية في اليمن في مرحلة التعددية السياسية والحزبية, إلا أنها في المقابل خسرت أشياء أخرى, فقد تغيرت نظرة كثير من الناس إليها, من حركة جامعة إلى حزب سياسي, وبسبب تنافسها مع السلطة والحزب الحاكم سُدَّت الآفاق أمام بعض مطالبها ورؤاها, وانزلق خطابها السياسي في بعض الأحيان إلى دائرة المناكفات الحزبية, إلى جانب المضايقة التي تعرضت لها بعض مؤسساتها وأعضاءها, كما صارت بعض مواقفها السياسية محلاً للتشهير من قبل بعض الشخصيات والجماعات السلفية والجهادية, والأشد من ذلك كله, أن التعددية الحزبية تعمل في بيئة اجتماعية تتسم بارتفاع معدلات الفقر والبطالة والأمية والتعدد القبلي, مما يخلق صعوبات لا حصر لها أمام العمل الحزبي ويحد من قدرت الأحزاب على التغيير في بنية النظام السياسي ويجعل من الوصول إلى التداول السلمي للسلطة أمرا في غاية الصعوبة.
 
ثانيا: تأثير التنافس الانتخابي:
 
 انتظم إجراء الانتخابات بمستوياتها الثلاثة في مواعيدها القانونية فخلال الفترة الممتدة من قيام الوحدة وحتى اليوم (2008م), تم إجراء ثلاث دورات انتخابية برلمانية, الأولى في عام 1993م، والثانية في عام 1997م، والثالثة في عام 2003م، على أن تجرى الدورة القادمة في شهر أبريل عام 2009م، وكما هو ملاحظ, فقد كان الفارق بين كل دورتين انتخابيتين أربع سنوات وهي الفترة المحددة دستوريًا، وبسبب التعديلات التي أُدخلت على الدستور عام 2001م, تم مدها إلى ست سنوات, وتم إضافة سنتين إلى عمر مجلس النواب الذي أقر تلك التعديلات, وبالنسبة للانتخابات الرئاسية, فقد تم إجراء دورتين: الأولى في شهر سبتمبر 1999م، والثانية في نفس الشهر من عام 2006م، وطبقًا للتعديلات الدستورية التي تم إقرارها, فقد تم تحديد مدة الدورة الانتخابية لرئيس الجمهورية بسبع سنوات بدلا عن خمس، وكانت التعديلات التي أضيفت على الدستور في عام 1994م، قد حددت مدة رئيس جمهورية بفترتين رئاسيتين فقط, أما بالنسبة للانتخابات المحلية, فقد تم إجراء دورتين انتخابيتين ايضا: الأولى عام 2001م، والثانية صاحبت الانتخابات الرئاسية في عام 2006م, وأخيرًا فقد تم تنفيذ استفتاءين عامين في ذات الفترة، الاستفتاء الأول كان على مشروع دستور الوحدة في عام 1992م، والثاني في 20 فبراير 2001م، كما أُدخلت على الدستور تعديلات قام بها مجلس النواب عقب انتهاء حرب عام 1994م, ويلاحظ للوهلة الأولى كثافة الانتخابات والاستفتاءات العامة, إذ يتم إجراء انتخابات عامة أو استفتاء بمعدل مرة واحدة كل عامين.
 
وقد لعبت الانتخابات العامة دورًا هامًا في التأثير على مجرى العلاقات بين الحركة الإسلامية والنظام السياسي، وساهمت في توسيع الفجوة بينهما، ويمكن القول: إنها من العوامل التي عجلت في تدهور العلاقة بينهما, ونقلتها من التحالف والتعاون إلى التنافس ومحاولات التحجيم، فهي تضعهما في مواجهة كل عامين على الأقل, خاصة بعد أن اتجهت الحياة السياسية في اليمن نحو ما يطلق عليه بالقطبية الثنائية, ويقصد بها انحصار التنافس بين النظام السياسي والحركة الإسلامية, بفعل ضعف القوى السياسية الأخرى, وهي ظاهرة عامة في اغلب الدول العربية.
 
 ومما ضاعف من التأثير السلبي للانتخابات على علاقة السلطة الحاكمة بالإسلاميين, غياب شروط التحول الديمقراطي, وفي مقدمتها عدم اعتماد الديمقراطية كخيار استراتيجي لتنظيم الحياة السياسية, وضعف المصداقية في التعامل مع الانتخابات, والجدية في التسليم بنتائجها من قبل الأطراف السياسية وفي مقدمتها النظام السياسي.
 
 إن غياب ذلك يجعل من الانتخابات جبهة من جبهات الصراع السياسي بين القوى السياسية المختلفة, وبالذات بين الحركة الإسلامية والنظام, فالحركة تريد أن تجعل من الانتخابات وسيلة لتراكم مكاسبها وآليةً لإحداث التغيير الذي تنشده, والنظام يقاوم ويعمل على أن تكون الانتخابات وسيلة لتجديد شرعيته وأداهً لإعادة تنظيم الحياة السياسية بالكيفية التي يريدها.
 
 اختلال التوازن في القوة أثر بدوره على العملية الانتخابية, فالتوازن شرط أساس لضمان النزاهة الانتخابية, وغيابه لا يسمح بذلك, وهناك ما يدلل على ذلك من واقع التجربة اليمنية, ففي أبريل عام 1993م، تم إجراء أول انتخابات حزبية تعددية في عهد الجمهورية اليمنية, بل وفي التاريخ اليمني المعاصر، في ظل توازن بين الحزبين الحاكمين (المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي), وهو توازن استند إلى ما يملكه كل منهما من قدرات عسكرية وإعلامية وسياسية جاء بها من مرحلة التشطير، حيث كانت تلك الانتخابات برأي كثير من المراقبين أنزه انتخابات جرت في اليمن بعد الوحدة.
 
 وهو الأمر الذي لم يعد متوفراً بعد إقصاء الحزب الاشتراكي من السلطة, فقد انعكس اختلال التوازن على العملية الانتخابية, بل والسياسية برمتها, حيث تتضاعف كلفة مشاركة الأحزاب في الانتخابات, وتتراجع ثقتها في مصداقيتها, في ظل زيادة التلاحم بين الحزب الحاكم وأجهزة الدولة, وصارت ترتفع أصوات من داخل الحركة الإسلامية بأن العائد من المشاركة في الانتخابات في ظل اختلال التوازن لا يتناسب بحال مع ما يبذل فيها من جهد.
 
وغالبا ما تتحول العمليات الانتخابية والاستفتاءات العامة إلى مصدر للتنازع السياسي والقضائي بين الإسلاميين والحزب الحاكم, وقد استمر هذا الوضع سمة عامة لأي انتخابات في اليمن، إذ لا يكاد يخلو إجراء من إجراءات الانتخابات من الاختلاف والتنازع, بدءاً من تشكيل اللجان الانتخابية وحتى إعلان النتائج النهائية, وقد تمتد إلى التصادم كما حدث في الانتخابات المحلية 2001م بين أفراد من الجيش والأمن وبعض المواطنين من أنصار الإصلاح في مديريتي الحيمة بمحافظة صنعاء, والرضمة بمحافظة إب, قتل على إثرها أكثر من عشرة أفراد, وقد مثل ذلك ذروة الصراع بين الإسلاميين والسلطة الحاكمة وهي الحالة الوحيدة التي تلونت العلاقة بينهما بالدم.  
 
 وفي موضوع ذي علاقة, غالبًا ما يتم استنزاف قدرات الأحزاب في الصراع السياسي والإعلامي والقانوني حول إجراءات الانتخابات، فكل مرحلة انتخابية بدءًا من صياغة قانون الانتخابات أو إدخال تعديلات عليه, ومرورًا بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات، ومراحل تسجيل المواطنين في سجلات قيد الناخبين وانتهاءً بتحديد لجان الانتخابات، والترشيح, والتصويت, والفرز, وإعلان النتائج، تضطر الأحزاب فيها إلى الدخول في معارك سياسية وإعلامية إستنزافية تنهك قدراتها المادية والبشرية والقيادية.
 
لم يكن التنافس في الانتخابات البرلمانية الأولى التي جرت في ابريل 1993م بين التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي العام حاداً, بسبب وجود الحزب الاشتراكي اليمني, وبنفس الوقت لم يكن هناك تحالف انتخابي بينهما, وان كانا قد نسقا معاً في عدد من الدوائر, وفي المقابل كان هناك اتفاق بين الرئيس والحزب الاشتراكي, يقضي بعدم منافسة المؤتمر للحزب في المحافظات الجنوبية والشرقية.
 
 لكن التنافس بين الطرفين أخذ منحىً تنافسيا في الانتخابات البرلمانية الثانية, التي جرت في ابريل عام 1997م, بسبب سعي المؤتمر للحصول على ما اسماه في ذلك الوقت "بالأغلبية المريحة", ولطبيعة الإجراءات التي اتبعها المؤتمر في مراحل الإعداد للانتخابات, والتي أثارت مخاوف الإصلاح, وكان لاتفاقية التحالف التنسيق الانتخابي بين الطرفين دور في التأثير على نتائج الانتخابات, فقد كانت مجرد تسكين للإصلاح وشغله عن الإعداد للانتخابات وهو إعداد اتسم أصلا بالضعف, إذا سرعان ما تم خرق الاتفاق, ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على تراجع المقاعد الرسمية التي فاز بها الإصلاح.
 
وبخلاف ذلك فقد وقف كل من الإصلاح والمؤتمر خلف الرئيس علي عبد الله صالح عام 1999م, وتحالفا لإنجاح أول انتخابات رئاسية, حيث سارع الإصلاح إلى إعلان الرئيس مرشحا له في تلك الانتخابات, حتى قبل أن يتم إعلان ترشيحه من قبل المؤتمر, ويعود ذلك إلى رغبة الإصلاح في قطع الطريق على أي تحالف يمكن أن ينشأ بين الرئيس وكل أو بعض أحزاب المجلس الأعلى للمعارضة, خاصة بعد ما ألمح الرئيس في وقت سابق إلى إمكانية قيام تحالف يضم ما اسماه بالقوى التقدمية, وفهم الإصلاح ذلك على أنه سيكون عملا موجها ضده.
 
ثم لأن المعطيات التي كان يعيشها الإصلاح آنذاك رجحت ترشيحه للرئيس عوضا عن منافسته, فالمصالح الخاصة والعامة تقتضي ذلك, فالرئيس لديه القدرة على استنفار إمكانات الدولة إذا ما تم منافسته, بما يمكن أن يضر بالخزينة العامة والمال العام, كما أن احتمال الانقلاب على العملية الديمقراطية يظل واردا, خصوصا وأنها لم تترسخ بعد, إضافة إلى إمكانية إلغاء المعاهد العلمية, والتي لا تُعد في أدبيات الإصلاح مصلحة خاصة بقدر ما هي مصلحة عامة, فضلا عن عدم توفر الشروط الذاتية والموضوعية لدى الإصلاح للمنافسة, ولهذا لم يكن بالإمكان المجازفة والدخول في رهان مجهول النتائج.
 
ويبدو أن ما حدث في الانتخابات الرئاسية مثل ظرفا استثنائيا, فقد اتسمت بقية الانتخابات التي جرت بعد ذلك (الانتخابات المحلية الأولى 2001م, والانتخابات البرلمانية الثالثة 2003م) بحدة التنافس بين الطرفين, ووصلت إلى أوسع مداها أثناء الانتخابات الرئاسية والمحلية التي جرت في 20 سبتمبر 2006م.
 
ثالثاً: المشاركة الرسمية في التشكيلات الحكومية:
 
لم تكن حركة الإخوان المسلمين في اليمن, وتحديدا في الشطر الشمالي بعيدة عن المشاركة في المؤسسات الحكومية في يوم من الأيام منذ نشأتها، إذ ظلت تشارك من خلال بعض أعضائها أو المقربين منها في بعض المناصب الوزارية, وقيادات عدد من المؤسسات الحكومية, والوحدات المحلية (المحافظات ـ المديريات) بشكل يخضع للظروف والمتغيرات الخاصة بكل مرحلة من المراحل.
 
كما حافظت على وجود متميزٍ لها في المؤسسات التشريعية, والمجالس المحلية, وهيئات التعاون للتطوير، وبعض النقابات المهنية لاسيما الاتحاد العام للطلاب، وعدد من المناصب القيادية في تنظيم المؤتمر الشعبي العام قبل أن يتحول إلى حزب في مرحلة التعددية الحزبية, أما مشاركتها في الحكومة بصورة رسمية فقد تمت في مرحلة التعددية الحزبية في حكومة ائتلاف ثلاثي إلى جانب المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي بعد انتخابات 1993م, وإلى جانب المؤتمر الشعبي العام في حكومة ائتلاف ثنائي بعد حرب عام 1994م وحتى انتخابات عام 1997م.
 
(أ) حكومة الائتلاف الثلاثي:
 
   كانت أول مشاركة رسمية للحركة في التشكيل الحكومي بعد انتخابات عام 1993م، والتي حصل فيها الإصلاح على المرتبة الثانية, في نتيجةٍ متقاربةٍ مع الحزب الاشتراكي, وتاليةٍ لحزب المؤتمر الشعبي العام, الذي حاز على نسبة كبيرة.
 
فرضت نتيجة الانتخابات التي لم يحصل فيها حزب معين على الأغلبية، والظروف السياسية التي لا تسمح في ذلك الوقت لأي حزب بتشكيل حكومة منفردة حتى ولو كان المؤتمر الشعبي العام, فرضت على حزبي المؤتمر والاشتراكي إشراك الإصلاح معهما في حكومة ائتلاف ثلاثي. إذ لم يكن بالإمكان إقصاء الحزب الاشتراكي من السلطة, لما في ذلك من مخاطر على الوحدة، ولا أن ينفرد الحزبان بتشكيل حكومة ائتلافية, لما تركه انفرادهما بالسلطة وتقاسمها لها في الفترة الانتقالية من انطباعات بالغة السوء لدى غالبية المواطنين, ولحاجتهما إلى طرف ثالث يُسهم في إيجاد توازن بينهما.
 
درست قيادات الإصلاح منذ وقت مبكر -سبق الانتخابات بشهور- الخيارات المتاحة أمام الإصلاح بعد الانتخابات, وما هو الخيار الأنسب لأداء دوره في مرحلة ما بعد الانتخابات, وماذا يمكن أن يقدم الإصلاح من مشاركته في السلطة، والمفاضلة بين سلبيات المشاركة في الحكومة, بسلبيات عدم المشاركة، وترجح أن يشارك، ليحقق هدفاً أساسياً هو الحفاظ على الوحدة, ولم يكن واردًا لدى الإصلاح في ذلك الوقت مسألة بناء دولة المؤسسات، حيث أن بناء المؤسسات يحتاج إلى استقرار، وهو الأمر الذي لم يكن موجودا في ذلك الوقت ولهذا لم يهتم بالوزارات الأساسية حيث تولى وزارات خدمية, إذ كان يأمل أن يستغلها في تهدئة الأوضاع والتقليل من التهاب الأحداث(11), وقد وضعت مؤسسات الإصلاح عددًا من الأهداف لمشاركته في الحكومة، وهي في مجملها لا تخرج عن الهدف العام وهو تخفيف التوتر بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي, واحتواء الخلافات بينهما حتى لا تحمل تداعياتها مخاطر على الوحدة..تمثلت أبرز الأهداف في الآتي(12):
 
1ـ الحفاظ على الوحدة، فقيادة الإصلاح أدركت بأن الصراع الذي حدث في الفترة الانتقالية بين حزبي السلطة قد يدفع بهما إلى التفكير بالعودة باليمن إلى ما كانت عليه قبل 22 مايو 1990م.
 
2ـ إزالة شكوك الحزب الاشتراكي وطمأنته بأن الإصلاح ليس متحالفاً في الخفاء مع قيادة المؤتمر الشعبي العام.
 
3ـ كان لدى الإصلاح شبه يقين بأن تفرد المؤتمر والاشتراكي بالحكم, سيؤدي إلى عودة أجواء الفترة الانتقالية، وهذا ما لم تكن ظروف اليمن السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتحمله.
 
4ـ الخوف من حدوث انقلاب عسكري, فقد ترتب على الاصطفاف الذي شهدته الفترة الانتقالية حدوث بعض التمردات العسكرية، وكان هذا ينذر بإمكانية أن يقوم الجيش بانقلاب بما يحمله ذلك من مخاطر على التعددية الحزبية والديمقراطية.
 
5ـ الخشية من أن استمرار الحكم الثنائي بين المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي, بالكيفية التي كانت عليها قبل الانتخابات قد يؤدي إلى انفجارات اجتماعية وسياسية غير محسوسة.
 
6ـ كان الإصلاح يخشى ـ لأسباب عديدة ـ أن تنحاز الأطراف الإقليمية غير الراضية عن الوحدة إلى أحد الطرفين المتصارعين, وبالذات الاشتراكي, مما سيكون له مخاطر محققة على الوحدة, وهذا ما تم فعلاً في مرحلة لاحقة.
 
وأثناء التفاوض حول تشكيل الحكومة, كان الحزب الاشتراكي أكثر تعاونًا وتجاوبًا مع الإصلاح, بخلاف المؤتمر الشعبي العام الذي رفضت قياداته التعامل مع الإصلاح كشريك، وظلت تتعامل معه كتابع, وهذه السمة متأصلة في قيادة النظام، إذ ترفض التعامل مع الأطراف الأخرى كشركاء, حتى لو كان ذلك بحجم الاشتراكي الذي كان دوره أساسيًا في قيام الوحدة(13).
 
وقع الإصلاح مع حزبي المؤتمر والاشتراكي اتفاقية ائتلاف, وتشكلت حكومة ائتلافية ثلاثية في 30 مايو 1993م, برئاسة حيدر أبو بكر العطاس, وكان توزيع الحقائب الوزارية على أحزاب الائتلاف بواقع (15) وزيراً للمؤتمر, منهم نائبان لرئيس الوزراء, و(10) وزراء للحزب الاشتراكي, منهم رئيس الوزراء ونائب لرئيس الوزراء, و(4 ) وزراء للإصلاح, إلا أن الإصلاح رفض المشاركة في الحكومة لانتقاص حصته في الحقائب الوزارية فلم يحضر وزراؤه أول اجتماع للحكومة, ولا أداء اليمين, وطالب بإعطائه وزارتين أخريين.
 
وأقر مجلس الرئاسة في اجتماعه المنعقد بتاريخ 10/6/1993م القرار رقم (71 ) لسنة 1993م, قضى بتعيين عبد الوهاب الآنسي نائبا لرئيس الوزراء ( وهو حينها الأمين العام للإصلاح ), وتعيين عبد السلام خالد كرمان وزيرا للشؤون القانونية وشؤون مجلس النواب, وانتهى بذلك الخلاف(14), وإجمالا فقد تولى الإصلاح رئاسة مجلس النواب من خلال شخص رئيس الهيئة العليا الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، ومقعداً في مجلس الرئاسة, مثله فيه الأستاذ عبد المجيد الزنداني, وفي الحكومة حصل الإصلاح على خمسة مقاعد وزارية هي: وزارة الإدارة المحلية، ووزارة الشؤون القانونية وشئون مجلس النواب، ووزارة التموين والتجارة، ووزارة الأوقاف والإرشاد، ووزارة الصحة(15), شغلها كلٌ من: الشيخ محمد حسن دماج, وعبد السلام خالد كرمان, والدكتور غالب القرشي, والدكتور نجيب غانم, على التوالي, إضافة إلى منصب نائب رئيس الوزراء الذي عين فيه الأستاذ عبد الوهاب الآنسي.
 
 جاء اختيار الوزراء المشاركين عن الإصلاح في الحكومة مختلفا عما كان عليه الوضع قبل الوحدة, ففي السابق كان يتم اختيار الأشخاص الذين يمتلكون قدرات علمية أو مهارات إدارية أو علاقات عامة, بغض النظر عن مستوى التزامهم التنظيمي, وقد كانت الحركة تفقد العديد من أعضائها أثناء مشاركتهم بفعل إغراء المناصب، أما في مرحلة المشاركة الرسمية, فإن اختيار الوزراء تم على أساس الجمع بين المعيار التنظيمي ومعيار الكفاءة, حيث تم اختيار الشخصيات ذات الفاعلية التنظيمية, والتي تمتلك في ذات الوقت مهارات إدارية وعلمية, ولها اهتمام وخبرة بمجال تخصص الوزارة التي ستشغلها(16) , وبالرغم من ذلك, فقد خسرت الحركة أحد الوزراء المشاركين باسمها في حكومة الائتلاف الثنائي مع المؤتمر الشعبي العام(17).
 
وقد مثلت حكومة الائتلاف الثلاثية تجربة متميزة ونادرة في العالم العربي والإسلامي, حيث جمعت الإسلاميين إلى جانب الاشتراكيين على ما بينهما من خلاف فكري وصدام تاريخي, ودلت تلك التجربة على درجة مرونة وواقعية اليساريين والإسلاميين اليمنيين على السواء وقدرتهم على تجاوز المعوقات التاريخية والحواجز الفكرية، والتعاون في إطار حكومة واحدة وبرنامج واحد.
 
وفي تلك المرحلة تعزز التواصل بين قيادة الحزب الاشتراكي والتجمع اليمني للإصلاح، وكان معظمها بمبادرة من علي سالم البيض, الأمين العام للحزب الاشتراكي، ولقيت رغبة وتجاوباً سريعاً من قيادة الإصلاح التي كانت تميل إلى التعامل المباشر مع الحزب الاشتراكي(18), وليس عن طريق الرئيس الذي كان يمثل قناة اتصال بين الطرفين.. وتشدد بعض قيادات الإصلاح على أن تجربة الحكومة الائتلافية مع الحزب الاشتراكي والمؤتمر الشعبي العام -في بداية عهدها- كانت تحمل مؤشرات النجاح، الأمر الذي ضاعف من جهود الإصلاح للتخفيف من غلو الخلاف بين الطرفين الأساسيين في الحكومة: المؤتمر والاشتراكي, ومع ذلك لم تُعَّمر تلك الحكومة طويلا بسبب تصاعد الخلاف بين حزبي المؤتمر والاشتراكي, حيث سيطر الجمود بشكل متدرج على نشاطها, إلى إن شُلَّت تماما مع وصول الخلاف بين الرئيس ونائبه إلى ذروته.
 
 وبعد اندلاع الحرب, صدر قرار من مجلس الرئاسة بتجميد أعضاء الحزب الاشتراكي, وكلف الدكتور محمد سعيد العطار القائم بأعمال رئيس الحكومة بإدارتها, وتولى وزراء المؤتمر والإصلاح تسيير أعمال الحكومة.
 
(ب) حكومة الائتلاف الثنائي:
 
 بانتهاء الحرب, وانتصار تيار الوحدة بقيادة المؤتمر والإصلاح, عادت مؤسسات الإصلاح مجددًا إلى مناقشة الموقف المناسب تجاه المتغيرات الكبيرة التي أحدثتها نتائج حرب تثبيت الوحدة, وهل من الأفضل للإصلاح والوطن البقاء في الائتلاف مع المؤتمر في حكومة واحدة أم العودة إلى المعارضة ؟, ولاعتبارات تتعلق بقراءة الإصلاح للالتفاف الشعبي الواسع حول المؤسسات الشرعية، وفهمه لها أنها تتجاوز الوقوف إلى جانب الوحدة إلى ضيق الناس بالخلافات التي كانت سائدة في المرحلة السابقة, وتوقهم إلى الإصلاح الشامل، وعدم تمكن المؤتمر من تشكيل حكومة بمفرده لعدم امتلاكه للأغلبية المطلوبة في مجلس النواب، ولأن الإصلاح والمؤتمر كانا شريكين في الحفاظ على الوحدة، فمن الأولى أن تستمر هذه الشراكة لمواجهة تحديات ما بعد الحرب(19), مع أن التحديات كانت في تلك الفترة كثيرة وخطيرة في كل الجوانب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإقليمية والدولية، وهي كفيلة بأن تغري أي حزب بالابتعاد عن السلطة في هذه المرحلة الحرجة, لتحقيق مزيد من الكسب السياسي والشعبي(20).
 
في بداية التفاوض حول الائتلاف، صارحت قيادة الإصلاح الرئيس وقيادات المؤتمر بوضوح تام بخطورة المرحلة التي تمر بها البلاد، والحاجة الماسة إلى برنامج للإصلاح الشامل(21)، واتفق الطرفان على وثيقة الائتلاف, و"التي خرجت بشكل متوازن وواقعي, حيث شملت الكثير من التفصيلات التي تهدف لمعالجة واحتواء أي خلاف في المستقبل, وبموجبها تم تشكيل قيادة الائتلاف من خمسة أعضاء من كل تنظيم, برئاسة رئيس الجمهورية(22), وحددت أيضاً الخطوط العريضة لبرنامج الإصلاحات التي تحتاج إليها البلاد، كما اتفقا على مشروع التعديلات الدستورية, التي كان أبرز ما فيها تغيير شكل رئاسة الدولة من مجلس للرئاسة إلى رئيس للجمهورية ونائب له يختاره رئيس الجمهورية، وتعديل المادة الثالثة من الدستور, بحيث يصير فيها "أن الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جميعًا".
 
تشكلت الحكومة الثالثة في ظل دولة الوحدة في 6 أكتوبر 1994م، وهي حكومة ائتلاف ثنائي, جمعت بين المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح, برئاسة الأستاذ عبد العزيز عبد الغني، وتولى المؤتمر الشعبي العام ثمانية عشر مقعداً, بما فيها منصب رئيس الوزراء وثلاثة نواب لرئيس الوزراء، وفي أواخر عام 1995م أضيف إلى حصة المؤتمر مقعد وزاري جديد, حين أسندت وزارة التموين والتجارة إلى المؤتمر, بعد أن استقال الوزير الإصلاحي "الدكتور محمد الأفندي", أما الإصلاح فقد كان من نصيبه ثمانية مقاعد منها منصب النائب الأول لرئيس الوزراء، ومنذ أواخر عام 1995م، اقتصر تمثيله على سبعة مقاعد فقط, وبحسب الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر: فان قيادة المؤتمر اختارت للإصلاح الوزارات الخدمية التي تتعامل مباشرةً مع الشعب, والتي كانت تعاني من مشاكل وصعوبات كبيرة(23).
 
وتشير بعض المصادر إلى أن قيادات الإصلاح كانت تتصور أن مشاركتهم في الحكومة الائتلافية مع المؤتمر ستكون أكثر فاعلية, فقد كانت فرص نجاح حكومة الائتلاف بين الحزبين متوفرة، فالقواسم التاريخية والفكرية والسياسية بينهما كبيرة ولا توجد خلافات جوهرية, كما هو الحال أثناء الحكومة الائتلافية بين الأحزاب الثلاثة، غير أنهم صدموا، فحزب المؤتمر مانع في إشراكهم في صنع القرار, ونظر إلى الإصلاح على أنه حليف ضعيف ولا يمتلك جيشاً ولا أجهزة أمنية ولا مالاً, وبحسب وزراء إصلاحيين شاركوا في الحكومة الثلاثية والحكومة الثنائية، فإن مشاركتهم في الحكومة التي جمعتهم مع المؤتمر أصعب من سابقتها، ففي الحكومة السابقة, كان وزراء الإصلاح موضع احترام من قبل الطرفين, خاصة الحزب الاشتراكي، حيث أن التعامل معه أيسر من التعامل مع حزب المؤتمر, فقد سعى المؤتمر إلى أن يستأثر بكل شيء, متجاوزاً الصلاحيات الممنوحة للوزراء الإصلاحيين(24).
 
وسريعاً ما فرضت المماحكات الحزبية نفسها على حكومة الائتلاف الثنائي، ومن الطبيعي أن يكون وزراء الإصلاح الأكثر تضررًا لكونهم الطرف الأضعف بسبب بنية النظام, والوزن الضعيف الذي تشغله الحكومة في إطار النظام السياسي، فالمناصب القيادية في الوزارات بدءاً من وكلاء الوزارة والوكلاء المساعدين ومدراء العموم, مرتبطة برئيس الجمهورية, ويصعب تغيير وكيل الوزارة أو الوكيل المساعد إلا بقرار جمهوري، وحتى منصب "مدير عام", اُتخذ قرار في الحكومة بعدم جواز تغييره إلا بموافقة الحكومة.
 
وأمام الاختلاف بين الحزبين, والمضايقات التي تعرض لها الإصلاح, فكر الأخير أكثر من مرة بالانسحاب من الائتلاف, ولم يحل دون ذلك إلا تدخل الرئيس والشيخ عبد الله بن حسين الأحمر, ويعزو الشيخ الأحمر تصرف الرئيس والمؤتمر على ذلك النحو إلى زوال الأسباب التي دفعتهما للتمسك بالإصلاح في السابق, فقد كان النظام طوال الفترة الماضية في حاجة إلى الائتلاف والتحالف مع الإصلاح, لأنه لم يكن قادراً على تشكيل حكومة منفردا لعدم حصوله على الأغلبية, ولحاجته إلى دعم الإصلاح أثناء الأزمة السياسية والحرب, فلما انتهت الحرب لم يعد بحاجة لأن يكون الإصلاح شريكا له, بل أصبح يعتبر الإصلاح عبئا يود التخلص منه, وفي السنتين الأخيرتين لم تعد مشاركة الإصلاح في الحكومة إلا مشاركة صورية(25).
 
 وقد تمثلت أبرز قضايا الخلاف بين المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح فيما يلي(26):
 
1) خلاف الحزبين حول تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي:
 
أدى تردي الأوضاع في كل القطاعات الاقتصادية وشدة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد إلى أن تضع الحكومة معالجة القضايا الاقتصادية في أولوية اهتماماتها، وتبنت الحكومة بالتفاوض مع صندوق النقد والبنك الدوليين برنامج للإصلاح الاقتصادي في البلاد.
 
ولقد أثارت الإصلاحات الاقتصادية خلافات تصاعدية بين الحزبين منذ البدء في تنفيذ المرحلة الأولى من البرنامج، ولكن تم الاتفاق عليها بهدوء وشروط, فقد كانت عملية الإصلاح المالي والإداري وإزالة المفسدين هي شرط التجمع اليمني للإصلاح للقبول بالمرحلة الأولى، والإصلاح المقصود هو ضغط النفقات الحكومية مقابل الزيادة المقترحة في أسعار بعض الخدمات والمشتقات النفطية بحيث يصبح العبء الرئيسي على كاهل الحكومة وليس على كاهل المواطن فقط، علمًا بأن هذه الشروط هي جزء من الخطة الاقتصادية التي أقرها الحزبان.
 
وحينما قرب موعد تنفيذ المرحلة الثانية من البرنامج وقف الحزبان على طرفي نقيض فبينما كان يصر المؤتمر الشعبي العام على تنفيذها، كان موقف التجمع اليمني للإصلاح هو الرفض بالرغم من اتفاقهما على ضرورة استمرار عملية الإصلاح الاقتصادي، غير أن المؤتمر الشعبي العام مضى قدمًا في تنفيذ المرحلة الثانية في حين أعلن التجمع اليمني للإصلاح تحفظه عليها.
 
2) التنازع على سلطة ات<

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك