من التركيز على الهوية والاندماج في النظام إلى اللقاء المشترك والمنافسة على الرئاسة

  

في هذه الحلقة (18) ننشر المبحث الثالث من الفصل الثاني من كتاب "الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن .. من التحالف إلى التنافس".
ويتحدث هذا الفصل عن استراتيجيات الحركة الإسلامية تجاه الدولة والمجتمع.
 
 
مقدمة:
يصعب الجزم بأن الحركة الإسلامية الإخوانية في اليمن انضبطت في عملها السياسي والدعوي بإستراتيجية مكتوبة ومحددة في المراحل الأولى من نشأتها, وهذا بخلاف وضعها مع بداية الثمانينيات إذ غالباً ما ينتظم أداؤها في إطار إستراتيجيات تُرسم في أثناء مرور الحركة أو الواقع الذي تعيش فيه بمنعطفات جديدة يُحدد فيها الأهداف والموجهات العامة، وضوابط العمل السياسي والدعوي والاجتماعي.
 
وبطبيعة الحال فإنه يراعى عند وضع تلك الاستراتيجيات العديد من العوامل منها الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية العامة في البلاد، وطبيعة علاقات الحركة مع القوى السياسية الأخرى, وخاصة النظام السياسي، والإنجازات التي تحققت في المراحل السابقة والفرص والتحديات التي تعايشها الحركة في تلك الفترة.
 
ومثلما تمثل تلك الاستراتيجيات خطوطاً عامة لنشاط قيادات وأعضاء الحركة, فإنها كذلك تمثل محددًا لعلاقتهم بالنظام السياسي وبقية الأطراف السياسية والاجتماعية.
 
 وبشكل عام يمكننا من الناحية النظرية, وعلى غرار ما اعتمدناه في تعاملنا مع استراتيجيات النظام السياسي تحزيم اهتمامات الحركة ونشاطها في إطار ثلاث استراتيجيات عامة، ركزت الأولى على الدفاع عن هوية اليمن الإسلامية وتثبيتها في النصوص التشريعية, ومن خلال وسائل التنشئة العامة على الصعيدين الرسمي والمجتمعي.
 
واهتمت الإستراتيجية الثانية بتكثيف مشاركتها الفكرية والعملية في الحياة السياسية والنظام السياسي, وركزت الإستراتيجية الثالثة ـ وهي الاستراتيجية الحالية ـ على العمل الجماهيري والشعبي، وإعادة صياغة الحياة السياسية وفق رؤى الحركة الفكرية.
 
ترتيب الاستراتيجيات السابقة بني على المعيار الزمني, حيث غلبت الإستراتيجية الأولى في فترة تأسيس الحركة خلال حقبتي الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وانتظمت الاستراتيجية الثانية معظم سنوات عقد الثمانينيات, فيما تم اعتماد استراتيجية العمل الشعبي والجماهيري منذ عام 2005م، إلا أن ذلك لا ينفي حدوث تداخل بين الاستراتيجيات في الفترات الزمنية المحددة بحسب مقتضيات الحال.
 
أولا: تجذير المرجعية الإسلامية للسلطة والمجتمع في اليمن:
الدفاع عن الإسلام وشموليته واتساع حكمه لكافة مجالات الحياة, مثّل الغاية العامة والعاجلة للحركة الإسلامية في بداية تأسيسها وفي المراحل الأولى لنشوئها، بل يعد من دوافع إنشائها وانضمام عدد كبير من الأفراد إليها.
 
وقد ارتبط ذلك بالمناخ الفكري والسياسي السائد في ذلك الوقت عربيا ويمنيا، وهو مناخ اتسم بهيمنة الأفكار القومية واليسارية واكتساحها للمشرق العربي، وسيطرتها على الحكم في عدد من الدول العربية, واقترابها منه في عدد آخر, وقد مثل الاستعمار البريطاني في الجنوب أكبر مهدد للهوية العربية الإسلامية, لاسيما في عدن وبعض المناطق الأخرى, فيما مثلت التنظيمات اليسارية والقومية مهددا لها في الشطر الشمالي.
 
فبعد قيام ثورة 26 سبتمبر سعت القيادة العسكرية للثورة إلى جانب التنظيمات السرية اليسارية والقومية لصبغ النظام الجديد بصبغة قومية ذات نزعة علمانية على غرار ما يحدث في دول عربية أخرى، مما ولد استقطاباً حاداً بين القوى السياسية على خلفية اتجاهاتها السياسية، وباستمرار بقاء قوة الأحزاب والتنظيمات اليسارية العلمانية, ظلت مواجهة تلك الأطراف سياسيا وفكريًا وشعبيًا, وحتى عسكريًا تتصدر اهتمامات الحركة الإخوانية باعتبارها دفاع عن الهوية الإسلامية لليمن .
 
ولهذا فقط احتفظت هذه الإستراتيجية بقوتها وفي بعض الأحيان بتصدرها أولويات الحركة حتى ضعفت التيارات والتنظيمات اليسارية والقومية منتصف الثمانينات, وتراجع مستوى ما تمثله من خطر على هوية البلاد السياسية والفكرية.
 
بنت الحركة إستراتيجيتها في الدفاع عن الهوية الإسلامية على أن الشعب اليمني شعب مسلم وشديد التدين, وأن اليمن بتاريخها الإسلامي وإسهاماتها، ومكانتها في الكتاب والسنة, ودورها التاريخي في نشر الإسلام والدفاع عنه, لا يمكن أن تقبل بالأفكار غير الإسلامية، وأن مخالفة ذلك يمثل اعتداءً على أهم خصائص الشعب اليمني وتاريخه وهويته الإسلامية شديدة الوضوح, وعلى ذلك فقد تبلورت تلك الاستراتيجية حول مواجهة الأفكار والتنظيمات غير الإسلامية, ومحاصرتها ومنعها من التغلغل في الأوساط الرسمية والشعبية, وتعزيز الهوية الإسلامية وتثبيتها في التشريعات الدستورية والقانونية, والسياسات التعليمة والثقافية, ووسائل التنشئة العامة, وتجذير تلك الهوية وجعلها إحدى الثوابت والمسلمات الأساسية للشعب اليمني.
 
وبسبب إدراك الحركة للمخاطر التي تهدد البلاد بعد قيام الثورة، انشغلت مبكرًا بالعمل السياسي العام، ولم يكن لديها فسحة للبناء الذاتي، فمنذ كانت مجموعة صغيرة من الطلاب في القاهرة دخلت في منافسة فكرية وسياسية مع التنظيمات اليسارية والقومية، وكان هذا الوضع حافزًا لنشاط أفرادها وحركتهم في أوساط الطلاب اليمنيين.
 
لقد كان بناء التنظيم الخاص بالحركة ومبررات وجودها تستمد من هذا الواقع القائم على التنازع الفكري والاستقطاب السياسي، والمخاطر التي تحملها الأفكار الأخرى على الإسلام وحاكميته، ولهذا فقد كان بناء التنظيم وضرورة وجود الحركة للتصدي للأطراف الأخرى أول وربما أهم آليات ووسائل تنفيذ إستراتيجية الحفاظ على الهوية الإسلامية.
 
واستمرت الحركة تستمد بعض جوانب مشروعية وجودها وعملها من واقع خطورة فراغ الساحة اليمنية من أي تنظيم يأخذ براية المواجهة الفكرية والسياسية والتنظيمية في مواجهة التنظيمات والأفكار غير الإسلامية.
 
وظلت عناية الإخوان ببناء التنظيم ورفع كفاءته تأتي من شعورهم بتلك المخاطر, وحيث أن بناء التنظيم لا يكفي بمفرده, لاسيما وأن القوى السياسية الأخرى كانت تتمتع بإمكانات ذاتية وإسناد خارجي يجعلانها تفوق بكثير ما لدى الحركة من أسباب القوة، لجأت الأخيرة إلى بناء صيغ تحالفية مع القوى السياسية والاجتماعية التي تتفق معها في الأهداف العامة، وذلك بهدف تعديل ميزان القوة ومحاولة تغييره، فكانت طرفًا في تحالف واسع يعارض توجهات الرئيس السلال, وضم إلى جانبها مشايخ القبائل، وزعماء حزب الأحرار، وتنظيم حزب البعث, وبعض الشخصيات المدنية والعسكرية المستقلة، وهو التحالف الذي لعب دورًا محوريًا في التخفيف من تطرف نظام الرئيس السلال والتنظيمات الفكرية اليسارية والقومية المتحالفة معه.
 
وفي فترة حكم الرئيس الإرياني, سارع هذا التحالف والذي كان الإخوان طرفاً فاعلاً فيه, في حسم مسألة الهوية دستوريًا، ومؤسسيًا، حيث تم تشكيل المجلس الوطني, وتولى الإعداد لمشروع الدستور الدائم للجمهورية العربية اليمنية، بعد أن كان دستور خَمِر هو الدستور المعمول به في البلاد منذ نوفمبر 1967م، وقد أعدت ذلك الدستور لجنة من العلماء ورجال القانون اليمنيين، وتميز بأن جميع مواده استمدت من الشريعة الإسلامية (القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة), ووضُحَ فيه- وبدون لبس- هوية اليمن الإسلامية, حيث نصت المادة الثالثة منه على أن الشريعة الإسلامية مصدر القوانين جمعيا, وقد تولى مجلس الشورى الذي تم تشكيله بالانتخاب عام 1971م مناقشة وإقرار مشروع الدستور الدائم ورعاية تطبيقه.
 
واستمرت القوانين اليمنية والتعديلات الدستورية ملتزمة بنص وروح الدستور الدائم حتى قيام الوحدة، حيث صدرت جميع القوانين مراعيةً لهذا التوجه، ولضمان ذلك، تشكلت لجنة برلمانية في المجالس التشريعية الثلاثة(1)، هي لجنة "تقنين أحكام الشريعة الإسلامية"، ومن أبرز مهامها التأكد من عدم مخالفة مشاريع القوانين للشريعة الإسلامية, بحيث لا يتم إقرار أي مشروع قانون إلا بعد أن تبدي اللجنة رأيها فيه.
 
وطوال تلك الفترة قطع المشرّع اليمني شوطاً كبيراً في تقنين أحكام الشريعة الإسلامية, وهو جهد تشريعي تميزت به اليمن، وعكس مستوى ترسخ البعد الإسلامي في الجوانب التشريعية والقانونية, وقد كان ذلك التوجه بدعم من بعض العلماء ومشايخ القبائل, واهتمام خاص من القاضي عبد الكريم العرشي الذي رأس مجلس الشعب التأسيسي ومجلس الشورى بالجمهورية العربية اليمنية خلال عقد الثمانينيات.
 
عادت بعض الأهداف المتعلقة بالدفاع عن الهوية الإسلامية لليمن إلى أولويات الحركة, مع تجدد ما تعتبره مخاطر تهددها بعد قيام الوحدة, بسبب الحضور السياسي والتنظيمي والفكري للحزب الاشتراكي.
 
وفي هذا الإطار يمكن تفسير موقف التجمع اليمني للإصلاح فيما يعرف "بأزمة الدستور" في عام 1990م, عندما طُرح مشروع دستور دولة الوحدة للنقاش قبل إجراء الاستفتاء الشعبي عليه, فقد رأى الإصلاح في بعض مواد هذا المشروع ما يتعارض (أو لا يتفق) مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية وأصولها العامة, وبصورة خاصة, المادة الثالثة من مشروع الدستور, والتي كانت تنص على أن "الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع", حيث طالب بتعديلها لتصبح "الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريعات جميعا", فقد اعتبر أن الصيغة المقترحة تغاير من ناحية نص المادة الثانية من مشروع الدستور, والتي جعلت من الدين الإسلامي دين الدولة اليمنية الموحدة, وان بقاء المادة الثالثة كما هي عليه في مشروع الدستور من ناحية أخرى سيتيح الفرصة لمن يريد أن يفسرها على ظاهرها بحيث يُفهم بأن هناك مصادر فرعية أخرى للتشريع ليس بالضرورة أن تكون نابعة من الشريعة الإسلامية, مثل اعتبار الاقتصاد الاشتراكي أحد المصادر الفرعية للتشريع وهذا يتناقض مع الشريعة الإسلامية.
 
في الوقت نفسه كان الإصلاح يرى أن التعديل الذي يقترحه يتفق من ناحية مع نص المادة الثانية من مشروع الدستور, وفي الوقت نفسه مع عقيدة الشعب اليمني الإسلامية, ومن ناحية أخرى فإن النص المعدل المقترح من قبله سيعني الالتزام عند سن التشريعات الدستورية والقانونية بان تكون الشريعة الإسلامية مصدرا ماديا تتأسس عليه القواعد الشرعية التي يتم وضعها, ويصبح من اللازم وجوبا استمداد كافة أحكام التشريعات منها(2).
 
وفي إطار المعركة السياسية والإعلامية الواسعة التي قادها الإصلاح, مطالبا بتعديل مشروع الدستور قبل الاستفتاء عليه, "رد الإصلاح على الانتقادات التي وجهت إليه من الحزبين الحاكمين آنذاك, وبالذات على موقفه المتشدد تجاه المادة الثالثة, بأنه يعتبر نفسه في المقام الأول حركة إسلامية إصلاحية قبل أن يكون حزبا سياسيا, كما أن المواد التي يطالب بتعديلها, وبالذات المادة الثالثة, لم تمس الهوية الإسلامية للمجتمع اليمني, ولذلك كان عليه العمل على التأكيد على عدم المساس بها باعتبارها إحدى أولوياته وأهدافه الأساسية.
 
لهذا قرر التجمع اليمني للإصلاح أن يقود معارضة شعبية واسعة للدستور, وقد اصطف وراءه عدد من الأحزاب من مختلف الاتجاهات الإسلامية والقومية والوطنية, وهكذا بدأت حملة المعارضة بالمحاضرات والندوات والملصقات والمهرجانات الجماهيرية, فيما اتفق أكثر من أربعمائة من كبار علماء الشريعة في اليمن على توقيع وثيقة تطالب السلطة بتعديل الدستور قبل الاستفتاء عليه, وفي ذات الوقت بدأ حزب التجمع اليمني للإصلاح بجمع توقيعات المواطنين المطالبين بتعديل الدستور حتى تجاوزت هذه التوقيعات مليونا ونصف المليون من مختلف مناطق البلاد.
 
بلغت الحملة ذروتها بالمسيرة المليونية التي قادها الإصلاح داخل العاصمة, وشارك فيها مواطنون من مختلف أنحاء البلاد, اتجهوا إلى مقر رئاسة الجمهورية, مطالبين بالتعديل, فاصدر مجلس الرئاسة بيانا سياسيا ضمنه أهم مطالب حزب التجمع اليمني للإصلاح, ومنها الالتزام بجعل الشريعة الإسلامية المصدر الوحيد للتشريع, وبطلان أي قانون يخالفها, والالتزام بالنظام الديمقراطي القائم على أساس التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة, وبتعديل الدستور إثر أول انعقاد لمجلس النواب بعد نهاية الفترة الانتقالية, فرحب حزب التجمع اليمني للإصلاح وأحزاب المعارضة المتحالفة معه بالبيان, وطالبوا بجعله جزءا من الدستور, والاستفتاء عليه حتى يكتسب قوة دستورية وقانونية, ولما لم تستجب السلطة لهذا الطلب, أصدر عدد من علماء الشريعة فتوى بوجوب مقاطعة الاستفتاء على الدستور(3).
 
ويرى أحد الباحثين أن موقف الإصلاح المتشدد كان يستند إلى إدراكه لأهمية وضرورة حسم هذه المسالة على مستوى الدستور بصورة نهائية غير قابلة للنقاش والحوار, ذلك أن الإطار القانوني والتشريعي للدولة ابتداءاً من الدستور إنما يعكس الأسس العقدية والفكرية للمجتمع, ويعكس توجه الدولة الإيديولوجي, وبالتالي يجب أن تستمد التشريعات القانونية والدستورية والتنظيمية في المجتمع اليمني شرعيتها من الإسلام الذي هو دين جميع اليمنيين, ومع أن الإصلاح كان يدرك أن حسم هذه القضية على مستوى النصوص القانونية والدستورية لن يؤدي بالضرورة إلى تطبيقها العملي بصورة كاملة وشاملة, إلا أنه كان يرى أن أهمية ذلك تكمن في تأكيد الهوية الإسلامية للمجتمع اليمني, وإن كان على المستوى القانوني, لإسقاط محاولات أي قوة أخرى تطرح "العلمانية" كهوية للمجتمع اليمني(4).
 
ثانياً: الاندماج في النظـــام السياسي:
لعل من أبرز الخصائص الفكرية والحركية للحركة الإسلامية الإخوانية في اليمن اندماجها في المؤسسات الرسمية والشعبية, وقد كان اندماجها مبكرًا، فالقيادات التاريخية للحركة انطلقت من داخل المؤسسات الحكومية، فالأستاذ الزبيري شغل منذ عودته من مصر بعد قيام الثورة منصب نائب رئيس الوزراء ووزير المعارف, وظل فيه إلى أن توترت علاقته بالرئيس السلال, واضطر للخروج إلى القبائل لتحقيق الأهداف التي فشل في تحقيقها من خلال منصبه الرسمي, وكذلك الحال مع بقية القيادات, فالأستاذان الزنداني، وعبده محمد المخلافي، انخرطا سريعًا في مؤسسات الدولة, حيث إنشغل الأول في الإذاعة الجمهورية، وتولى الثاني العمل في إحدى مدارس مدينة تعز وإدارة المركز الإسلامي, الذي كان قد أنشأه الأستاذ غالب قاسم بدعم من الوجود المصري، وذلك قبل أن يتولى الأستاذ المخلافي إدارة فرع وزارة التربية والتعليم بمحافظة تعز، وينتقل إلى صنعاء في مارس 1969م عضوًا في المجلس الوطني.
 
ومن هنا يمكن القول إن "الحركة الإسلامية" في اليمن لم تعرف مرحلة انزواء عن الهموم العامة, كما يحدث عادة مع بعض الجماعات الإسلامية, التي تبدأ مسيرتها بالاهتمام بالجوانب السلوكية والأخلاقية والعقائدية قبل أن تنشط في المجال الوطني العام، بسبب الظروف الخاصة التي كان يمر بها اليمن ـ بشطريه آنذاك ـ وحالة الغليان السياسي والفكري في أوساط الشباب اليمني, والتي أسهمت في تغليب الاهتمام بالمشاكل العامة(5), ثم وهذا هو الأهم, لأن الحركة لم يكن لديها مشاكل نظرية مع السلطة، فالحركة كانت تنظر إلى الدولة على أنها دولة مسلمة.
 
ومن الواضح أن الحركة الإخوانية كانت واعية لأهمية كسب مؤسسات وإمكانات الدولة في تنافسها مع التيارات الفكرية والسياسية الأخرى، ولهذا فإن الصفين الأول والثاني من قياداتها اتجها للعمل في جهاز وزارة التربية والتعليم والمدارس والمعاهد الحكومية.
 
وفي فترة حكم الرئيس الارياني تبنت الحركة تصعيد القاضي عبد الله الحجري, وهو أحد المحسوبين عليها إلى المجلس الجمهوري فقد كُلف أحمد الأكوع بإقناع الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس مجلس الشورى في ذلك الوقت بضم القاضي الحجري إلى قائمة المرشحين لعضوية المجلس الجمهوري والتي شملت كل من: أحمد محمد نعمان, وأحمد الكباب, وأحمد جابر عفيف, ونشط الإخوان في المجلس لحشد التأييد للحجري وضمان فوزه, وبرغم شدة المنافسة إلا أن المفاجأة كانت في حصول القاضي الحجري على أعلى الأصوات, وإن لم يحوز على الأغلبية المطلوبة, وعند إعادة التصويت بين الاثنين اللذين حصلا على أعلى الأصوات (الحجري والنعمان) فاز القاضي الحجري(6), وفي فترة تالية, ساند الإخوان -ومعهم قوى سياسية أخرى- القاضي الحجري ليتولى رئاسة الحكومة, إلى جانب كونه عضوا في المجلس الجمهوري, ليتمكن من فرض سلطة الدولة ومواجهة تمرد اليساريين, وعندما توافرت المؤشرات على إمكانية إقصاء القاضي الارياني من رئاسة الدولة, سعى الإخوان ليكون القاضي الحجري هو البديل, وحاولوا إقناع الشيخ الأحمر بذلك, خاصة وأن الحجري كان يتمتع بمواصفات رجل الدولة, فقد كان معروفاً بالحزم والكفاءة والنزاهة والحفاظ على المال العام, غير أن الشيخ عبد الله اعتذر بسبب اتفاقه المسبق مع الشيخ سنان أبو لحوم على شخصية الحمدي ليكون بديلا عن الارياني.
 
 واتساقا مع الاتجاه العام في الحركة التي تفضل العمل من خلال المؤسسات الرسمية, قررت -كما رأينا في السابق- استيعاب المؤسسات الحكومية الثلاث التي أنشأها الرئيس إبراهيم الحمدي في بداية حكمه، وهي مكتب الإرشاد والتوجيه، الهيئة العامة للمعاهد العلمية، الهيئة العلمية التربوية، ووزعت المهام بين أعضائها لغرض استيعاب تلك المؤسسات ومُمارسة النشاط من خلالها.
 
وفي مرحلة الرئيس علي عبد الله صالح، شاركت(7) الحركة مشاركةً فاعلة في الحياة السياسية, وتمكنت بذلك من التوسع والانتشار الحركي والتنظيمي, جغرافيا وسياسيا, الأمر الذي ساهم في نشر أفكارها ورؤاها, وكسب المزيد من العناصر والمؤيدين لها, ..فقد تمكنت حركة الإخوان من توسيع نشاطها ومد حركتها إلى مختلف المناطق التي لم تكن متواجدة أو معروفة فيها من قبل, فمع التسليم بما ساهمت به المعاهد العلمية ومكتب الإرشاد منذ بداية إنشائهما في عهد الرئيس إبراهيم الحمدي, في منتصف عقد السبعينيات في توسيع نشاط الحركة وأفكارها ورؤاها في مختلف المناطق اليمنية في الشطر الشمالي من اليمن, فإن مشاركة الحركة في كافة الانتخابات التي جرت في هذا الشطر خلال عقد الثمانينيات ( المجالس المحلية للتطوير التعاوني, والمجالس البلدية, وانتخابات توسيع عضوية المؤتمر الشعبي العام, وأخيرا انتخابات مجلس الشورى في عام 1988م) قد ساهمت أيضا وبصورة كبيرة في تطوير ونمو حركة الإخوان خلال هذا العقد, وانتشارها جغرافيا على مستوى البلاد(8), وعلى المستوى السياسي, اتسعت المشاركة السياسية لحركة الإخوان لتشمل أيضا إتاحة الفرصة لها في المشاركة في الحكم, وتمكين أعضائها ومؤيديها من العمل والتواجد داخل المواقع التنظيمية المختلفة لتنظيم المؤتمر الشعبي العام, وفي مختلف مرافق الدولة وأجهزتها, بحيث تولى الإسلاميون خلال عقد الثمانينيات العديد من المناصب الحكومية الرسمية, بما في ذلك المناصب الوزارية والقيادية ( وزراء, نواب وزراء, محافظين, ورؤساء مؤسسات وهيئات وأجهزة حكومية عديدة)(9).
 
إن المشاركة المتواصلة لحركة الإخوان اليمنية قد أكسبتها خبرات ومهارات العمل السياسي, ومكنتها من فهم وإدراك أهمية الانتخابات العامة وآلياتها, والقدرة كذلك على إدراك وفهم حقائق الواقع السياسي المعاش ومحاولة استيعاب ما يحدث فيه من تغيرات ومستجدات متلاحقة ومتسارعة في أحيان أخرى, كما ساهمت تلك المشاركة في تطوير عمل الحركة وأنشطتها ورؤاها الفكرية, بما يتفق مع حقائق الواقع ومتغيراته ومستجداته, في حدود قدراتها وإمكاناتها الفكرية والعملية, وفي مجالات الحركة والنطاقات التي كان يُسمح بها(10).
 
أما في مرحلة ما بعد الوحدة, فقد غلب طابع المشاركة الرسمية من قبل الحركة في عضوية "مجلس النواب(11)، ومجالس السلطة المحلية"(12), وعلى المستوى الحكومي في ائتلاف ثلاثي خلال الفترة 1993ـ1994م، ضم إلى جانبها كلاً من المؤتمر الشعبي العام، والحزب الاشتراكي اليمني, وفي ائتلاف ثنائي مع حزب المؤتمر الشعبي العام, خلال الفترة 1994ـ1997م(13).
 
ولا شك أن حزب التجمع اليمني للإصلاح استفاد من الخبرات والمهارات المكتسبة بصورة أو أخرى من التاريخ الطويل لمشاركة حركة الإخوان, واندماجها في النظام السياسي, وقد اكتسب نضجا فكريا وملكات سياسية, ومن بين الأمثلة التي تدل على ذلك يمكن الإشارة إلى ثلاث حالات رئيسية(14): تتمثل الأولى في قدرة الحركة على استعادة توازنها وتنظيم صفوفها وتوحيد رؤيتها خلال فترة قياسية, فقدت خلالها توازنها وسادت في أوساطها حالة من الارتباك تجاه الخطوات المتسارعة لقيادة شطري اليمن لتحقيق الوحدة في نهاية عقد الثمانينيات من القرن الماضي, وما ترافق معها من تغيرات ومستجدات متلاحقة, فبعد نحو أربعة أشهر من قيام الوحدة, تمكنت الحركة من تجميع رؤاها وتوحيد قواها تجاه الوضع الجديد, ودخول الحزب الاشتراكي شريكا أساسيا في النظام السياسي الجديد, بحيث لم يشكل الإعلان عن قيام التجمع اليمني للإصلاح في سبتمبر 1990م إعلانا لتحول حركة الإخوان اليمنية من حركة إسلامية سرية إلى حزب سياسي علني فحسب, وإنما أيضا كان إشارةً إلى استعادة الإسلاميين لتوازنهم, وقبولهم بقواعد المشاركة السياسية في ظل النظام السياسي الجديد, وقد تأكد ذلك من خلال تمكن حزب الإصلاح من التعامل بقدر كبير من العقلانية والوعي السياسي مع أزمة الاستفتاء على دستور دولة الوحدة في مايو 1991م, مع أنه لم تمض سوى شهور معدودة على إعلان تأسيسه.
 
وأما الحالة الثانية فتتعلق بتعامل الإصلاح مع نتائج انتخابات 1993م النيابية, فعلى الرغم مما حققه من فوز, إلا أنه كان يدرك أن موازين القوى في ذلك الوقت كانت تختلف عما خرجت به الانتخابات من نتائج, وأن عليه التعامل مع هذه الموازين, والقبول بها دون القفز عليها, ولذلك قَبِل المشاركة في حكومة الائتلاف بعدد أقل من المناصب الوزارية والقيادية مقارنة بعدد المقاعد التي فاز بها, والتي تزيد عن عدد المقاعد التي فاز بها الحزب الاشتراكي اليمني, كما وافق على تمديد فترة مجلس الرئاسة الذي تشكل عقب قيام الوحدة لمدة خمسة أشهر أخرى, رغم أنه كان يدرك أن هذا التمديد يُعتبر مخالفا للدستور من ناحية, ومن ناحية أخرى سيؤدي إلى حرمانه من حقه السياسي في المشاركة في هذا المجلس, وعند إعادة تشكيل مجلس الرئاسة حصل الإصلاح على مقعد واحد مقابل مقعدين لكل من المؤتمر والاشتراكي, مع احتفاظهما في الوقت نفسه بمنصبي رئيس المجلس ونائبه.
 
وتتمثل الحالة الثالثة في خروجه السلمي من السلطة بعد انتخابات 1997م, حيث فضل الانتقال إلى المعارضة على الرغم من دعوة الرئيس علي عبد الله صالح له للاستمرار في مشاركة المؤتمر في حكومة ائتلافية ثنائية جديدة, تقوم بتنفيذ البرنامج الانتخابي لحزب المؤتمر, فقد شعر بأن تجربة الائتلافين الثلاثي ثم الثنائي لم تحقق ثمارها المتوقعة, وان استمرار مشاركته في الحكم ستكون شكلية, وأنه طالما لم يكن بمقدوره التأثير في القرارات والسياسات التي اتخذت في ظل الائتلاف الثنائي السابق, فإن وضعه بعد انتخابات 1997م, وحصول المؤتمر على الأغلبية في مجلس النواب سيكون أقل وزنا وتأثيرا, كما وجد في نتائج الانتخابات فرصة للخروج من السلطة, ليتحمل المؤتمر بمفرده المسؤولية الكاملة بعد تجريده من الأعذار والمبررات التي يسوقها لتبرير قراراته وسياساته الخاطئة, وما وصلت إليه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية من تدهور.
 
ومن هنا وبناء على ما سبق, أشارت إحدى الدراسات إلى أن عدد من الدراسات الغربية تتفق على أن خصوصية الحركة الإسلامية في اليمن تكمن في اندماجها القوي في النظام السياسي(15).
 
ثالثا: إستراتيجية النضال السلمي:
تقوم هذه الاستراتيجية على انتقال الحركة من التركيز على العمل التنظيمي إلى العمل الجماهيري والشعبي, وتوثيق العلاقة مع الأحزاب والشخصيات العامة والتكوينات الاجتماعية, لتحقيق أهداف تتعلق بالحقوق والحريات العامة، والضغط باتجاه تنفيذ المطالب الشعبية في إعادة بناء النظام السياسي، وتوزيع السلطات والصلاحيات للمؤسسات العامة, بما يضمن حق الشعب في اختيار ورقابة وعزل القيادات العليا في الدولة, والحفاظ على ما تسميه قيادات الحركة بالهامش الديمقراطي، ونقل الانتخابات من الإطار الشكلي إلى الواقع العملي.
 
وقد اعتمدت هذه الاستراتيجية منذ عام 2005م، خلال المؤتمر العام الثالث للتجمع اليمني للإصلاح ـ الدورة الثانيةـ الذي كان شعاره "النضال السلمي لانتزاع الحقوق والحريات".
 
وقد قاد الإصلاح بعد مؤتمره العام حملة ميدانية بين قواعده وأنصاره وفي صفوف الجماهير, للتوعية بالحقوق الدستورية والقانونية والسياسية للمواطنين وآليات تحقيقها بالطرق السلمية(16).
 
تعد هذه الإستراتيجية خطوة متقدمة, تسبق بها الحركة الإسلامية في اليمن معظم الحركات الإسلامية في المنطقة العربية، فلأول مرة تعلن حركة إسلامية عن استراتيجية تتضمن أهدافاً ووسائل تضعها في مواجهة مباشرة وعلنية مع السلطة السياسية، وفي ذات الوقت تعد نقطة فارقة في العلاقة بين الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن، إذ من شأنها أن تجعلها في مواجهة سياسية, وإعلامية, وجماهيرية مباشرة مع الرئيس, وهو أمر كانت الحركة الإسلامية في المراحل السابقة تحرص على عدم حدوثه, فقد كان نقد الرئيس يمثل خطاً أحمر بالنسبة لمؤسسات وأفراد الحركة حتى في ذروة الحملات الانتخابية.
 
ودون شك فإن الظروف الموضوعية توفرت لإعلان مثل تلك الاستراتيجية, فقد استمر تراجع علاقة الحركة بالنظام, مع ما صاحب ذلك من جمود سياسي, وتراجع في الحياة الاقتصادية, وركود في الحياة العامة, لا سبيل للخروج منها إلا بإقامة تحالف واسع للقوى السياسية والاجتماعية, يعيد قدراً من التوازن إلى الحياة السياسية، وخروج قطاع كبير من الجمهور من السلبية إلى دائرة المشاركة, من خلال إقناعه بأن التغيير الايجابي في الأوضاع السياسية سيترتب عليه تغيير ايجابي في حياة المواطنين الاقتصادية والمعيشية.
 
وبعد الإعلان عن الإستراتيجية الجديدة خلال المؤتمر العام الثالث، كثفت قيادات الإصلاح من الدورات التثقيفية والمحاضرات العامة, حول مفهوم النضال السلمي ومتطلباته ووسائله ومردوداته على حياة الناس, وذلك في أوساط أعضاء الإصلاح، وفي ذات الوقت تبنت وسائل الإصلاح الإعلامية حملة مركزة حول ذات الموضوع, لاسيما التأصيل الشرعي للنضال السلمي والظروف التي استوجبته، و التجارب الناجحة في عدد من الدول ودورها في إحداث تغيير في أنظمتها السياسية, وعَمِل الإصلاح على تهيئة البلاد لهذا الأسلوب من العمل السياسي، وكان من الطبيعي أن تقابل أعماله بقدر من النقد والتشويه من قبل وسائل الإعلام الرسمية والحزبية التابعة لحزب المؤتمر الشعبي العام.
 
وفي إطار هذه الإستراتيجية, وفي القلب منها يمكن فهم أبرز الأحداث السياسية التي شارك فيها الإصلاح في الفترة الأخيرة، وهي: تشكيل تكتل اللقاء المشترك، وإعلان برنامج الإصلاح السياسي، والمشاركة في الانتخابات الرئاسية والمحلية التي جرت في 20 سبتمبر 2006م .
 
(1) تشكيل تحالف (اللقاء المشترك):
تحالف الإصلاح مع المشترك جاء ضمن إستراتيجية الانتقال من المشروعية التنظيمية إلى المشروعية الشعبية, وهو قرار جريء أتخذه الإصلاح بعد أن كان في السلطة(17), فهو يلبي حاجة الأطراف السياسية المشاركة فيه، وفي مقدمتها التجمع اليمني للإصلاح الذي يدرك حجم الاختلال في توازن القوة، وميلها لصالح النظام، وعجزه بمفرده عن تعديل ميزان القوة, وأن العديد من المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تواجهها اليمن تعود في غالبها إلى اختلال ميزان القوة, ونفس الأمر بالنسبة للتراجع في الحقوق والحريات العامة والانفتاح السياسي.
 
ومن ثم فإن تحالفاً سياسياً واسعاً يشمل أبرز الأحزاب السياسية الفاعلة, ويحوز على دعم بعض مؤسسات المجتمع المدني والتكوينات الاجتماعية، يُعد المخرج الممكن من هذا الوضع, وعلى هذا يمكن فهم حرص الإصلاح على بناء تكتل اللقاء المشترك، وتوثيق العلاقات بين أطرافه والانتقال به من صيغة التنسيق والتعاون إلى صيغة التحالف والتكتل القائم على مؤسسات وسياسات(18).
 
(2) مشروع الإصلاح السياسي والوطني الشامل:
تقدمت أحزاب اللقاء المشترك بمشروع للإصلاح السياسي, أطلقت عليه: "مشروع اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني" وكان ثمرة لحوار فيما بينها استمر قرابة عام كامل، شدد البرنامج في مقدمته على: "أن اليمن تقف على مفترق طرق، فإما أن تختار طريق الإصلاح السياسي والوطني الشامل لكي تتعافى أوضاعها وتتهيأ أمامها فرص النهوض والفوز بمستقبل أفضل، وإما أن تستمر في مواصلة السير في الطريق الراهن الذي أفضى بها إلى أن تغدو دولة هشة، وسيفضي بها حتمًا إلى السقوط في هاوية الفشل والانهيار..." (19).
 
وأكد على: "أن الإصلاح الشامل غدى خياراً لا بديل عنه, وضرورة حياتية لكل أبناء الشعب اليمني، في ضوء استحكام أزمة شاملة طالت أوضاع بلادهم كافة..." (20).
 
تضمن مشروع الإصلاح السياسي لأحزاب اللقاء المشترك قسمين: الأول تم فيه تشخيص للأوضاع العامة في البلاد والأسباب التي تقف وراء ذلك، والقسم الثاني خصص للحلول والمعالجات التي تراها تلك الأحزاب,... "فالأزمة في بُعدها السياسي تتجلى مظاهرها في غياب دولة القانون والمؤسسات، وانعدام المساواة أمام القانون، وتركيز السلطة في يد رئيس الدولة بدون توفر الحد الأدنى من التكافؤ بين الصلاحيات والمسؤوليات, فلا محاسبة ولا مساءلة, في ظل وجود سلطتين تشريعية وقضائية غير مستقلتين ومسيطر عليهما، وجهاز حكومي ضعيف وعاجز، وتحويل العملية السياسية برمتها إلى مظاهر شكلية تعيد إنتاج الأوضاع القائمة، وتعثر عملية التحول الديمقراطي وصيرورته إلى أداة لتكريس الحكم الفردي، وإفراغ التعددية الحزبية من مضامينها وتفكيك أحزاب المعارضة واستنساخ بدائلها, وتحريض القوات المسلحة والأمن على أحزاب المعارضة بصورة شبه دائمة, وتسخير المال العام والوظيفة العامة وكل مقدرات الدولة لصالح الحزب الحاكم..." (21), أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي "ومظاهر الأزمة تبرز في: تخلف عملية التنمية، وعزوف رؤوس الأموال الوطنية والأجنبية عن الاستثمار في اليمن، واستغلال المسؤولين لسلطاتهم في مواجهة التجار والمستثمرين، وفرض الشراكات الجائرة عليهم، واستفحال الفقر واتساع رقعته ليشمل غالبية السكان, ووصول نسبة العاطلين إلى مستويات خطيرة جدًا, والتراجع المضطرد لمستوى خدمات التعليم والصحة والكهرباء وبقية الخدمات الاجتماعية, وتخلف مستوى وكفاءة البنى الأساسية، وإطلاق يد الفساد، وتسلط مافيا المصالح غير المشروعة، واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء، وفشل المعالجات الاقتصادية الانتقائية..." (22).
 
ويخلُص إلى أن مظاهر الأزمة الشاملة التي تعاني منها البلاد تتجه نحو الاتساع والتجذر رأسيًا وأفقيًا، ومعها بدأت حياة المجتمع تقترب من درجة الاستحالة، ولمواجهتها ومعالجة آثارها صار من الضروري تنفيذ مشروع وطني للإصلاح الشامل.
 
ومثلما أرجع تردي أوضاع البلاد إلى طبيعة النظام السياسي الحاكم، والصلاحيات المطلقة لرئيس الجمهورية، أكد ذات المشروع على أن أي مشروع للإصلاح اليمني لا يمكن ضمان نجاحه ما لم يبدأ بالإصلاح السياسي أولاً.
 
إن أولوية الإصلاح السياسي في اليمن يمثل حاجة موضوعية، وليست مجرد رغبات أو أهواء، أو تقديرات انتقائية مجازفة، وذلك بالنظر إلى طبيعة النظام القائم وما يمارسه من سيطرة واستحواذ على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وتسميم للحياة الثقافية والأخلاقية، وما تسببه تلك الممارسات من اختلالات في مجمل الأوضاع... وأضحى من غير الممكن إصلاح جوانب الحياة الأخرى قبل إصلاح النظام السياسي وتحويله من معول هدم وتدمير، إلى أداة للبناء والإصلاح ومحاربة الفساد, .وبالإصلاح السياسي يمكن الإمساك بالمفاتيح العملية للشروع في تحقيق الإصلاحات في المجالات الأخرى(23).
 
إستهدف مشروع أحزاب اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني بصورة عامة تغيير المناخ العام في البلاد، بما يؤدي إلى إزالة وتجفيف منابع الفساد، وترسيخ قيم التعددية، والحيلولة دون تمكين أي حزب أو فئة من الاستئثار بالسلطة والاستبداد بها, كما يتوخى تحقيق الأهداف التالية(24):
 
أولا: ترسيخ النظام الجمهوري، وإقامة حكم ديمقراطي رشيد وعادل، يحقق التوازن بين سلطات الدولة، ويطلق الممارسات الديمقراطية، ويضمن الحقوق والحريات، ويوسع قاعدة المشاركة السياسية، ويوفر شروط التداول السلمي للسلطة كأساس متين للاستقرار السياسي ، ويمكن المرأة اليمنية من ممارسة حقوقها الدستورية والقانونية, وقيامها بدورها الإيجابي في الحياة العامة.
 
ثانيا: إيجاد مجتمع مدني قوي, مسلح بمؤسسات منيعة تستمد قوتها من استقلاليتها ومن قدرتها على تمثيل مصالح المجتمع والدفاع عنها, ووضع حد لطغيان النزعات الشمولية والميول نحو الاستبداد الفردي أو الفئوي.
 
ثالثا: تحريك عجلة التنمية المستدامة إلى الأمام, ومعالجة مشاكل الفقر والبطالة, والعمل من أجل تحقيق العدالة، وتحسين ظروف المعيشة لكل المواطنين, ومحاربة الفساد, والقضاء على العوامل المولّدة لنزعات العنف والتطرف والإرهاب.
 
رابعا: توظيف العلاقات الخارجية لليمن لخدمة التنمية, ولتحقيق الاستقرار والتعاون المثمر مع البلدان الأخرى ..
 
وقد توزعت المعالجات والإصلاحات التي تضمنها المشروع على ستة محاور, هي:
 
أولاً: الإصلاح السياسي والدستوري.
ثانياً: تعزيز الوحدة اليمنية والوحدة الوطنية.
ثالثاً: الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد.
رابعاً: الإصلاح الاقتصادي والمالي.
خامساً: إصلاح السياسات الثقافية والاجتماعية.
سادساً: إصلاح السياسة الخارجية.
 
ومع هذا فقد ربطت أحزاب اللقاء المشترك بين الإصلاح في تلك المجالات وبين إصلاح النظام السياسي, وجعلت الأخير شرطًا لإمكانية تحقيق السابق، حيث جاء في المشروع: "لقد استخلصت أحزاب اللقاء المشترك من دروس التجربة التاريخية لليمن, أن الأخذ بالنظام البرلماني بديلاً عن النظام القائم, سيمثل خطوة نوعية حاسمة في تحقيق الإصلاح السياسي, وتهيئة قطار الإصلاحات في المجالات الأخرى للانطلاق, فالنظام البرلماني كفيل بإنهاء المعاناة من الحكم الفردي, الذي شكل معضلة تاريخية لليمنيين وكان التخلص منه هدفًا للمطالب الإصلاحية للحركة الوطنية اليمنية منذ ثلاثينيات القرن الماضي وحتى الآن"(25).
 
ولهذا فقد كان هدف استكمال مقومات النظام البرلماني في إطار تطوير التنظيم الدستوري لسلطات الدولة في مقدمة المعالجات, من خلال:
 
    * تشكيل الحكومة من قبل حزب أو ائتلاف الأغلبية وفق نتائج الانتخابات.
    * خضوع الحكومة بشكل مستمر للمسائلة البرلمانية.
    * منح رئيس الجمهورية الصلاحيات السيادية المتعارف عليها في النظم البرلمانية.
    * ثنائية السلطة التشريعية ـ البرلمان ـ والأخذ بنظام المجلسين.
 
مثّل إعلان مشروع اللقاء المشترك للإصلاح السياسي والوطني خطوة إضافية لزيادة تماسك أحزاب اللقاء المشترك، فقد امتلكت به رؤية سياسية متفق عليها تجاه العديد من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما مثل لها دليلاً نظرياً للتعامل مع التطورات والمستجدات, وموجهًا لخطابها السياسي والإعلامي, وأرضيةً للتفاوض مع الأطراف الداخلية والخارجية بما فيها النظام السياسي.
 
لكنه من جانب آخر, كان مصدر توتر جديد في العلاقة بين أحزاب اللقاء المشترك بصفة عامة والحركة الإسلامية بصفة خاصة من جهة, والرئيس وحزب المؤتمر الشعبي العام من جهة ثانية، بسبب النقد الذي وجهه مشروع الإصلاح السياسي لرئيس الجمهورية وتحميله المسؤولية عن الأزمة الشاملة التي تعيشها البلاد، وتركيزه على أولوية الإصلاح السياسي وإعادة بناء النظام السياسي، بتحويله من نظام شبه رئاسي إلى نظام برلماني.
 
فقد أثار إعلان المشروع أزمة بين الطرفين، وظل محلاً للتجاذب السياسي والإعلامي بينهما, حيث اتهمت وسائل الإعلام الرسمية والحزبية التابعة للحزب الحاكم، أحزاب اللقاء المشترك بشخصنة مشروع الإصلاح, وأنها تحمل ثأراً سياسياً تجاه الرئيس، وأن مشروعها يفتقد إلى الواقعية, ويهدف إلى الانقلاب على النظام السياسي القائم...الخ.
 
   حققت هذه الاستراتيجية بعض النجاح في المجالين المعرفي والعملي, فقد قدم الإسلاميون تأصيلاً شرعياً لعدد من وسائل النضال السلمي, وسوقوها في الأوساط الشعبية, ومارسوا مع بقية أحزاب اللقاء المشترك عدداً من الفعاليات الاحتجاجية والمطلبية, لكن هذه الاستراتيجية أسهمت في زيادة التوتر بين أطراف العملية السياسية، خاصة وأن صوت المعارضة والإصلاح في المقدمة بدى عاليًا وحادًا أكثر من اللازم، مما ضاعف من مخاوف الرئيس وحزب المؤتمر, وقد يكون استفزهم، ودفعهم لحشد كل ما يستطيعون لمواجهة مطالب الحركة واللقاء المشترك, وبنفس الوقت فقد أدى التركيز على شخص الرئيس إلى تحميل العلاقات بين الطرفين وشحنها بالعواطف والضغائن والانفعالات الذاتية, مما كان له أثر في تردي العلاقة بين الطرفين بشكلٍ حادٍ.
 
(3) الانتخابات الرئاسية والمحلية 2006م:
مثلت الانتخابات الرئاسية والمحلية التي أجريت في 20 سبتمبر2006م محطة هامة في مسيرة العلاقة بين الرئيس علي عبد الله صالح وحركة الإخوان المسلمين في اليمن, فقد وصل التنافس والصراع بينهما خلالها إلى ذروته.
 
وتعد هذه الولاية الخامسة للرئيس علي عبد الله صالح منذ توليه السلطة في شمال اليمن في 17 يوليو 1978م, وقد سبق له أن أعلن عدم رغبته في الاستمرار في السلطة مرتين قبل الوحدة, وفي كل مرة كانت الجماهير تطالبه بالعدول عن قراره, وهو ينزل عند رغبتها, وفي 17 يوليو 2005م أعلن عدم رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة, وأكد عزمه على إرساء مبدأ التداول السلمي للسلطة, وإفساح المجال أمام الدماء الشابة للمشاركة في عملية النهوض بالبلاد(26). 
 
وقد فرض الاستحقاق الانتخابي نفسه على الحركة الإسلامية, ويبدو أنه لم يكن بوسعها الابتعاد عن مواجهة الرئيس انتخابيا, كما فعلت في الانتخابات الرئاسية الأولى التي جرت في سبتمبر 1999م, حيث سارعت حينها إلى ترشيح الرئيس قبل أن يرشحه حزبه, أما بالنسبة لانتخابات 2006م فإن التطورات السياسية جعلت من منافستها للرئيس أمراً لا محالة عنه.
 
وحرصا من الحركة على مراعاة واقع وظروف الحياة السياسية في اليمن التي تتسم بتجميع مصادر القوة بيد طرف واحد, وعدم تجذر الثقافة الديمقراطية, وإمكانية تجيير موارد الدولة واستنزافها في عملية التنافس الانتخابي, قرر قيادة الحركة أن تدخل في حوار مع الرئيس, بعيدا عن مسألة

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك