الإصلاح.. من الائتلاف إلى معارضة "بين البين" إلى ذروة المنافسة

  

كنا قد نشرنا في الحلقة الماضية استراتيجيات الحركة الإسلامية تجاه الدولة والمجتمع وكيف حول الإخوان تركيزهم من التركيز على الهوية إلى الاندماج في النظام ثم اللقاء المشترك والمنافسة فيما بعد على الرئاسة.
 
في هذه الحلقة (19) ننشر المبحث الرابع من الفصل الثالث من كتاب "الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن .. من التحالف إلى التنافس".
ويتحدث هذا الفصل عن تباين الإخوان حول بعض القضايا السياسية والحكومية.
 
 
مقدمة:
تصدر التجمع اليمني للإصلاح المعارضة السياسية للشراكة بين المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي اليمني في السنوات الثلاث الأولى من عمر الوحدة, وقد اتسمت العلاقات بين الأحزاب والقوى السياسية في ذلك الوقت بطابع الصراع الفكري والسياسي, وتركز بين حزب الإصلاح والحزب الاشتراكي, باعتبار الأول حاملا لراية الدفاع عن الهوية الإسلامية للبلاد, والثاني قائدا للواء الحداثة والتقدم.
 
وبرغم مشاركته في ائتلاف حكومي خلال الفترة (1993-1997م), إلا أن مذاق المعارضة ظل حاضرًا في الممارسات السياسية لحزب الإصلاح, أما خلال الفترة (1997 ـ 2001م), فقد عاد من جديد إلى مربع المعارضة, لكنه اختط لنفسه منهجا جديدا أطلق عليه البعض معارضة (البين بين) أو المراوحة في منزلة بين منزلتين, أما الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس الهيئة العليا للحزب, فقد وصف معارضة الإصلاح في تلك الفترة بالمعارضة الهادئة وغير الايجابية, وبحسب رؤيته فإن الأسباب التي جعلت معارضة الإصلاح على ذلك النحو تتمثل في الآتي(1):
 
1. أن الرئيس ظل يؤكد لقيادة الإصلاح ولغيرهم أن الإصلاح بالنسبة للمؤتمر يعد حليفا استراتيجيا.
2. عدم اقتناع الإصلاح بنهج أحزاب المعارضة الأخرى, حيث أنها تعارض في الأمور الايجابية والسلبية على السواء.
3. أن مشاعر الإصلاح وتكوينه أقرب إلى المؤتمر من أحزاب المعارضة.
4. العلاقة التي تربط الإصلاح برئيس الدولة وزعيم المؤتمر وهي علاقة مصيرية, حيث يلتقون معه على ثوابت وقواسم مشتركة.
 
وأوضح الشيخ الأحمر أن الإصلاح اُنتقد بسبب ذلك من قبل الكثيرين, وأنهم كانوا على حق في نقدهم للإصلاح.
 
أخذ الإصلاح يرفع سقف معارضته لسياسات السلطة منذ عام 2001م تقريبا, وأبدى معارضة واضحة للتعديلات الدستورية, ونافس بشدة في الانتخابات المحلية التي جرت في عام 2001م, والتي تعد أول انتخابات تحدث فيها تنافس بصورة كلية بين الإصلاح وحزب المؤتمر, واتضح أثناءها أن الإصلاح يُعد منافسا قويا للسلطة, وهو الأمر الذي ينسحب على الانتخابات البرلمانية التي جرت في ابريل 2003م, وبشكل اشد على الانتخابات الرئاسية والمحلية التي جرت في سبتمبر 2006م, فقد وصلت منافسة الإصلاح للنظام السياسي إلى ذروتها.
 
 استمر حزب الإصلاح بعد الانتخابات الرئاسية -ومعه تحالف اللقاء المشترك- في رفع سقف معارضته, فقد أقام العديد من الاعتصامات والمهرجانات الجماهيرية والوقفات الاحتجاجية, والمظاهرات في المدن الرئيسية ومراكز المديريات, حول قضايا مختلفة: الدفاع عن الحقوق والحريات أو للاحتجاج على ارتفاع الأسعار وتردي الأوضاع المعيشية, أو للمطالبة بإصلاح آليات العملية الانتخابية.
 
وخلال تلك الفعاليات, كثف الإصلاح من نقده لسياسات الرئيس, وحملها مسؤولية تفشي للفساد والاستبداد وتدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد, كما رفعت الصحف التابعة للإصلاح والمقربة منه, مستوى نقدها للأوضاع العامة وربطت بشكل مستمر بين الصعوبات في الحياة المعيشية التي يعاني منها المواطنون وبين بنية وسياسات النظام.
 
وهنا سنعرض بعض القضايا التي ظلت محل خلاف بين التجمع اليمني للإصلاح وحزب المؤتمر الشعبي العام الذي يقوده الرئيس علي عبد الله صالح.
 
 

 

أولاً: الإصلاحات الاقتصادية:

 

 
تتسم اليمن-بشكل عام- بندرة الموارد الاقتصادية, وظلت الزراعة والتجارة أهم القطاعات الاقتصادية خلال القرون الأخيرة, غير أن القطاع الزراعي الذي يعمل فيه أكثر من 50% من الأيدي العاملة تعرض لتدهور حاد بسبب الجفاف وندرة الأمطار, وبسبب ذلك ـ وغيره ـ هاجر مئات الآلاف من اليمنيين منذ منتصف القرن الماضي إلى عدد من دول العالم، وبشكل خاص إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج, للاستفادة من الطفرة النفطية التي ظهرت في تلك الدول بعد الحرب العربية الإسرائيلية عام 1973م.
 
استفادت اليمن ابتداء من منتصف السبعينيات من فائض الطلب على العمالة في الدول المجاورة, وقامت بتصدير جزء من قوة العمل، وبالتالي الاستفادة بشكل غير مباشر من العوائد النفطية بتلك الدول، بل أن تحويلات المغتربين اليمنيين تعتبر العامل الرئيسي الذي أثر على أداء الاقتصاد اليمني خلال تلك الفترة وحتى نهاية الثمانينيات، حيث أظهرت الإحصائيات المسجلة أن متوسط التحويلات السنوية قد تجاوز المليار دولار، وبذلك حظيت اليمن بوضع متميز مكنها من تحقيق مستوى معيشة يتجاوز بكثير إمكاناتها ومواردها المحلية(2).
 
وإلى جانب قلة الموارد الاقتصادية, وعدم تناسبها مع الزيادة السكانية، فقد أضافت إدارة الاقتصاد في الشطرين مشاكل إضافية إلى الاقتصاد اليمني, فبالرغم من تباين الفلسفة والأداء الاقتصادي طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات في الشطرين، كلاً على حدة، إلا أنهما اجتمعا معًا على مشترك المردود الضعيف والمحدود لعائد التنمية الشطرية، واتسما معاً بسمات الاعتماد على موارد خارجية (من قروض ومنح وعائدات عمالة)، وقلة المصادر الداخلية، وضعف القاعدة الإنتاجية المحلية, سواء الزراعية أو الصناعية، واستنزاف أعباء الأمن والجيش نسبة كبيرة من الموازنة العامة للدولة، وأيضًا غلبة الطابع الخدمي على مكونات الأداء الاقتصادي الكلي، والاعتماد على دور كبير نسبيًا للقطاع العام، ووضع الآمال على عائد النفط في تحسين مجمل شروط الأداء الاقتصادي في المستقبل(3).
 
ومنذ أواخر الثمانينيات تتابع عدد من المتغيرات الداخلية والخارجية التي أثرت بشكل حاد على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في اليمن, فقد تراجع سعر النفط الخام، ووصلت الدول الخليجية إلى مرحلة اكتفاء من حيث البناء، وتراجعت قدراتها على تشغيل عدد كبير من الأيدي العاملة اليمنية, وتدنت بالتالي عائدات المغتربين اليمنيين في تلك الدول, ولم يخلُ تكوين وتأسيس دولة الوحدة ذاتها من أعباء أثقلت الموازنة العامة للدولة, إذ استنزفت عمليات دمج الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية، وانتقال الكوادر الوظيفية من عدن إلى صنعاء، وتوفير مستلزمات الحياة المناسبة لهم، استنزف كل ذلك موارد مالية ضخمة, في الوقت الذي تقلصت فيه الموارد الكلية للدولة(4).
 
وأدى تقاسم السلطة بين حزبي المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي, والتنافس السياسي بينهما خلال الفترة الانتقالية، إلى إرهاق الاقتصاد اليمني، حيث تسابق الطرفان للاستحواذ على الموارد العامة, وتسخيرها لأغراض حزبية وفردية, في ظل غياب دور مؤسسات الدولة السيادية والرقابية وضعف تطبيق القانون, وغياب رؤية واحدة لإدارة الدولة، وتنصل الطرفين الحاكمين عن تحمل المسؤولية.
 
وخارجيا قيمت دول الخليج الموقف اليمني الرسمي والشعبي من غزو العراق لدولة الكويت وحرب الخليج الثانية على أنه مؤيدا للعراق, وتبنت إجراءات عقابية, فقد ألغت السعودية الإمتيازات التي كانت تتمتع بها الجالية اليمنية, مما اضطر أكثر من (800.000) يمني إلى العودة بصورة جماعية, إضافة إلى عدد آخر من الكويت وبقية دول الخليج, الأمر الذي حرم اليمن من عائدات العمالة التي كانت تزيد على المليار دولار سنويا, وحمّل الاقتصاد اليمني أعباء إضافية, حيث تضاعفت نسبة البطالة والفقر, والضغط على الخدمات الحكومية, ومشاريع البنية التحتية التي تعاني من الضعف أصلا, كما حرمت اليمن من المساعدات الخارجية, من الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية, وتضافرت الجهود الإقليمية والدولية لتطويق اليمن بعزلة غير معلنه الأمر الذي فاقم من حدة المشاكل الاقتصادية.
 
 لقد بددت تلك المتغيرات سريعًا قوة الدفع التي انطلقت بها دولة الوحدة، وخيبت طموحات وتفاعل غالبية المواطنين, وسلّمت البلاد منهكة الموارد لمرحلة أسوأ, هي مرحلة حرب الانفصال، التي قضت على البقية الباقية من قوة الاقتصاد اليمني, "حيث تراوحت كلفة حرب عام 1994م ما بين (10) مليارات دولار إلى (11) مليار دولار بحسب تقدير جهات مختلفة، فتقديرات جامعة الدول العربية أشارت إلى أن تكلفة الحرب (10) مليارات دولار, والتقديرات الرسمية الحكومية اليمنية أشارت إلى أن تكلفة الحرب في حدود (11) مليار دولار, وهذه التكلفة الأخيرة تتوزع كما يلي: تكلفة الحرب من النواحي العسكرية(3) مليارات دولار، وتكلفة التعويضات للمواطنين (4) مليارات دولار، وتكلفة عمليات النهب والسلب والتدمير في محافظة عدن (3.5) مليار دولار"(5).
 
وإن كان بعض الخبراء أشاروا إلى أن تكلفة الحرب الفعلية تتجاوز في أرقامها التقديرات السابقة, نظرًا لوجود بنود وعناصر للآثار الاقتصادية لم توضع في الاعتبار عند تقدير التكلفة المذكورة أعلاه(6).
 
وهكذا وبعد انتهاء الحرب, "كان الوضع الاقتصادي يمثل التحدي الرئيس البارز أمام الائتلاف الحكومي بين حزبي المؤتمر والإصلاح, فقد وصل إلى حافة الانهيار وكان هذا الوضع يتطلب سرعة المبادرة لوضع برنامج للإصلاح الشامل, وبمرور الأيام ازدادت الأحوال الاقتصادية سوءاً، وكان الانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية إزاء العملات الأخرى أبرز مؤشرات الخطر, وبعد نقاشات وحوارات بين قيادتي المؤتمر والإصلاح, تم التوصل إلى أنه ونظراً للخطورة التي وصل إليها الوضع الاقتصادي في البلاد لابد من القيام بالإجراءات الضرورية كمعالجات إسعافية بهدف تجاوز الخطر (برنامج التثبيت ), على أن يتم اتخاذ إجراءات إدارية مرافقة للإجراءات المالية للحد من الفساد والعبث بالمال العام، وبحيث تتحمل الحكومة أكبر قدر من الأعباء، وأن يتم البدء فوراً بوضع برنامج الإصلاح الشامل, وقد تُرجم ذلك في القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في اجتماعه بتاريخ 29/03/1995م، وتحرك الإصلاح بصورة جادة ومسؤولية لإقناع الناس بالبرنامج, والتوضيح بأن تحملهم لبعض الأعباء الناتجة عن البرنامج إنما هو مؤقت وضرورة لتجاوز الخطر الذي يهدد الاقتصاد الوطني وأن تبعات عدم المعالجة ستكون أكثر كلفة, وأن تنفيذ البرنامج الإسعافي هو المدخل للإصلاح الشامل الذي هو الأصل(7).  
 
وعلى خلفية تباين وجهات النظر بين الطرفين، أصر المؤتمر الشعبي العام على الإسراع في تنفيذ برنامج الإصلاح الهيكلي، وتجاوز وزراؤه نظراءهم الإصلاحيين, واتفقوا مع البنك وصندوق النقد الدوليين على تنفيذ برنامج للإصلاحات الاقتصادية فيما عُرف "ببرنامج التكييف والإصلاح الهيكلي", وهو في جوهره لا يخرج عن الوصفة المعتادة للبنك الدولي القائمة على تعويم العملة، ورفع الدعم عن السلع والخدمات والمشتقات النفطية، وتقليل النفقات الحكومية, وإعادة بناء الجهاز الإداري للدولة.
 
أما حزب التجمع اليمني للإصلاح, فقد شدد على الحاجة الماسة لبرنامج للإصلاح الاقتصادي وبذات الوقت على الحاجة إلى البحث عن الخيارات المتاحة ودراستها والمفاضلة بينها, لاختيار البرنامج الأفضل والمناسب للأوضاع اليمنية، وقدم مواصفات للبرنامج الذي يراه, وقد تبلورت رؤيته في البيان الختامي للدورة الاستثنائية لمجلس الشورى التابع له التي عقدت لمناقشة موقفه من الإصلاحات الاقتصادية وتضمنت التأكيد على أهمية الإسراع في وضع برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي المؤسسي الشامل, باعتباره الإطار الأمثل لمعالجة كل الاهتزازات الاقتصادية والإدارية والمؤسسية, وضماناً لتحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية وسياسية متينة، والتأكيد بصورة خاصة على أن الإصلاح الإداري يعتبر ركنًا أساسيًا وضمانة كبيرة لنجاح الإصلاحات العاجلة والشاملة، وأن المعالجات المالية العاجلة المطلوبة لإصلاح اختلالات الموازنة العامة تمثل جزءاً من الإصلاحات الاقتصادية الشاملة إلى جانب الحاجة إلى ترشيد الإنفاق بإعادة النظر في أبواب الموازنة لتصبح أكثر واقعية ولاسيما الباب الأول الذي يمثل 50% من مشروع الموازنة العامة للدولة تقريبًا، وذلك بتخفيض هذا الباب ليكون خاصًا بالموظفين العاملين فقط في القطاعين: المدني والعسكري وأن يتم تنزيل كل المبالغ المعتمدة للوظائف والدرجات الحزبية أو المكررة, والمرتبات التي تدفع لمن لا يعملون، وإصلاح الأوعية الإيرادية للدولة، وإصلاح الاختلالات في نظام التعريفة الجمركية، وأن تخفيض عجز الموازنة العامة ينبغي أن يتم من مصادر أخرى, لا تؤدي إلى المعاناة, بل تؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة للمواطنين، وطالب بتأجيل النظر في الإصلاحات السعرية للمشتقات النفطية إلى أن يتم وضع وتنفيذ برنامج الإصلاح الشامل، وضرورة الإسراع في تشكيل لجان الإصلاح الإداري والمالي في كافة مؤسسات ووزارات الدولة، وإبعاد من يثبت فساده (8).
 
وبعد جدل كبير بينهما, اتفق الطرفان على تنفيذ الحزمة الأولى من برنامج الإصلاح, بما في ذلك رفع السعر عن المشتقات النفطية, فيما عُرف عند المواطنين "بالجرعة الأولى", على أن يرافقها تنفيذ عدد من الإجراءات المتعلقة بالإصلاحات الإدارية, وعندما حان موعد تنفيذ المرحلة الثانية من برنامج الإصلاحات السعرية، اعترض وزراء الإصلاح وانسحبوا من مجلس الوزراء, احتجاجًا على ما أسموه "الانتقائية في تنفيذ البرنامج" وعدم العدالة في توزيع أعباء عملية الإصلاح حيث تحمل المواطنون وليس الدولة كل تلك الأعباء".
 
ومع أن الطرفين استمرا في الحكومة الائتلافية، إلا أن المؤتمر أصر على المضي في تطبيق البرنامج, وعدم الالتفات إلى ملاحظات شريكه، في حين شدد الإصلاح من معارضته للطريقة التي تنفذ بها الإصلاحات الاقتصادية, وظل متمسكا بأن: "الإصلاح المطلوب والذي انتظره الناس طويلاً يبدأ من التوجه الجاد لبناء الدولة اليمنية الحديثة, دولة النظام والقانون، ومحاربة الفساد الذي أصبح أهم تحديات الإصلاح الاقتصادي والمالي والإداري, وأن أي معالجات انتقائية وجزئية لن تحل مشكلات أو تزيل تشوهات الاقتصاد الوطني، ولن تكون مثل تلك الإجراءات الانتقائية سوى مشروع جباية تثقل كاهل المواطنين, ولذلك فإن التجمع اليمني للإصلاح بكافة هيئاته الرسمية والحزبية يتحفظ على أي برنامج انتقائي يقوم على إجراءات تنحصر فقط في جباية الأموال, ولا تأتي ضمن برنامج شامل للإصلاحات المالية والإدارية والاقتصادية والمؤسسية, وصولاً إلى بناء الدولة اليمنية الحديثة(9).
 
ومنذ ذلك التاريخ اتسع الخلاف داخل حكومة الائتلاف، فقد اتهم المؤتمر الإصلاح بأنه يمارس السلطة والمعارضة في ذات الوقت, أو بحسب العبارة التي راجت في تلك المرحلة "بأن الإصلاح يمتلك رجلا في السلطة ورجلا في المعارضة", في حين اتهم الإصلاح المؤتمر بأنه تعامل معه باستعلاء، وفرض على شريكه في الحكومة والبلاد برنامجاً غير مناسب, وامتنع عن إعطاء وقت كافٍ لمناقشة الخيارات الأخرى, وفوت فرصة كان يمكن معها إصلاح الأوضاع الاقتصادية والإدارية والمالية, بما يؤدي إلى بناء دولة المؤسسات والقانون.
 
وبعد خروجه من الحكومة، استمر الإصلاح يوجه انتقاداته إلى برنامج الإصلاحات الهيكلية, وإلى السياسيات الاقتصادية لحكومات المؤتمر الشعبي العام، حتى في فترة المعارضة الهادئة (1997م ـ 2000م) وغالبا ما تكون مواعيد إقرار الموازنة العامة للدولة، وتنفيذ الإصلاحات السعرية, محطات لتوتر علاقة الإصلاح بالسلطة نظراً لرفضه لتلك الإصلاحات ومقاومته لها.
 
وقد استمر الإصلاح في إعلان موقفه الرافض للإصلاحات الاقتصادية من خلال كتلته البرلمانية في مجلس النواب, والتي غالبًا ما تنسق في ذلك مع الكتل البرلمانية لأحزاب المعارضة الأخرى (قبل تشكيل اللقاء المشترك) وكتلة المستقلين، بإصدار بيان سياسي موحد باسم تلك الكتل, والانسحاب من الجلسات التي يتم فيها إقرار الموازنة التي تتضمن إصلاحات سعرية، وكذلك من خلال وسائل الإعلام التابعة له والمقربة منه، وإن كانت معارضته للإصلاحات السعرية لا تمتد إلى أكثر من ذلك, إذ يمتنع عن الدعوة أو المشاركة في المظاهرات الشعبية الاحتجاجية التي تاتي كرد فعل شعبي على تنفيذ زيادات سعرية (جرعة جديدة), ويبدو أن ذلك يعود إلى مخاوفه من تصاعد أعمال الشغب إلى ما يهدد استقرار البلاد، وحرصه على عدم إعطاء السلطة فرصة لإدانته وتحميله مسؤولية ما يمكن أن يحدث في مظاهرات ليس بمقدوره السيطرة عليها, وبإمكان طرف آخر أن يحولها عن مسارها.
 
وظّف التجمع اليمني للإصلاح القضايا الاقتصادية بكثافة في خطابه السياسي، لاسيما الآثار الاجتماعية والمعيشية السلبية التي ترتبت على تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي, وتصدرت المواضيع الاقتصادية مقدمة حملاته الدعائية أثناء الانتخابات، وعوّل عليها كثيرًا في استقطاب جزء كبير من هيئة الناخبين, بنفس الوقت أثار تركيز الإصلاح على القضايا الاقتصادية في حملاته الانتخابية ردود فعل غاضبة من قبل الرئيس وحزب المؤتمر الشعبي العام، فقد أرجع الرئيس السبب في حصول الإصلاح على مقاعد قليلة في الانتخابات البرلمانية عام 1997م، إلى خطابه الإعلامي الذي وصفه بأنه: "منفرًا ومستفزًا وعدائيًا ولا يختلف عن الخطاب الإعلامي للحزب الاشتراكي في فترة الأزمة السياسية مع المؤتمر"(10), وحدث نفس الأمر في الانتخابات الرئاسية.
 
 

 

ثانياً: الفســاد السياسي:

 

 
يعد الفساد ظاهرة إنسانية لصيقة بالمجتمعات البشرية في مختلف المراحل والأزمان، مثلها مثل صفتي الخير والشر لا يمكن تصور مجتمع بشري بدونهما.
 
ومع ذلك فإن المجتمعات تتفاوت في حجم ونطاق انتشار الفساد، والوضع الطبيعي أن يكون الأخير هامشاً في حياة المجتمعات والنظم السياسية، وممارساته استثناء عن التوجه العام لسلوك الناس.
 
لم يخل أي من النظم السياسية التي حكمت اليمن من ممارسات وأساليب للفساد, ومع هذا فقد نمت وتيرة الفساد واتسع نطاقه بعد قيام الوحدة، وقد زاد اتساعه كلما بعدنا زمنيًا عن عام 1990م, وقد ساهم عدد من العوامل في زيادة انتشار الفساد واتساع نطاقه، بعضها يرتبط بطبيعة التطورات التاريخية والسياسية التي مرت بها اليمن وخاصة الشمالي منه، والتي أتسمت بسلسة من الأزمات المتوالية، وضعف الاستقرار السياسي, والمنازعة بين سلطة الدولة والتكوينات الاجتماعية، وتدني الموارد الاقتصادية، وزيادة تأثير التدخلات الخارجية، وقد أدت تلك العوامل إلى ضعف سلطة الدولة، وضعف تطبيق القانون، وحلول بعض الأعراف والقيم القبلية محل القانون وسلطة الدولة.
 
سارت الأمور على نفس المنوال بعد قيام الوحدة، فقد تركت الممارسات السياسية لشريكي الوحدة، المؤتمر والاشتراكي آثارًا سيئة على الثقافة السياسية لدى المواطنين، حيث تسابق قيادات وأعضاء التنظيمين على المكاسب الشخصية والحزبية, على حساب موارد الدولة, الأمر الذي انتشرت معه القيم النفعية والمادية, القائمة على المصالح الخاصة والمصالح الذاتية, ونفس الأمر -تقريبًا- حدث مع تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، فقد أدى إلى انتشار الفقر والبطالة بمعدلات مرتفعة، وانتشرت معها بنفس المعدلات تقريبًا القيم النفعية والمادية, خاصة أن طريقة تطبيق البرنامج حمّلت المواطنين كل أعباء عملية الإصلاح, ولم تطال تلك الأعباء من يُطلق عليهم "بالمتنفذين"، إلى جانب إهمال الإصلاحات الإدارية والمؤسسية، ورعاية النظام للفساد، كل ذلك ألحق أضراراً بالغة بالثقافة العامة والثقافة السياسية على وجه التحديد, إذ حلت قيم التعايش مع الفساد، وربما القيم التي تبرره وتشجع عليه, وانزوت القيم الأخرى التي تجرم الفساد وتقف في وجهه.
 
وهكذا انفتحت القيم الجماعية والفردية على ثقافة الفساد، وصارت جزءًا منها, أما العامل الثالث، وهو أشدها خطرًا, وأكثرها تاثيراً في انتشار الفساد بكل أشكاله وصوره، وهو العامل المرتبط ببنية وسياسات النظام, فقد تبنى النظام السياسي الذي تأسس بعد الانقلاب الذي قاده المقدم أحمد حسين الغشمي في أكتوبر1978م إشراك القوى السياسية والاجتماعية المؤثرة في إدارة الدولة، ومغانم السلطة ومغارمها، وإطلاق يدها في الفساد مقابل ضمان ولائها(11).
 
 وقد تعزز ذلك بعدم تحمل النظام لأي قيود فكرية أو استراتيجية يتطلبها مشروع سياسي واجتماعي، وتحول مع ذلك الفساد إلى آلية فاعلة لإدارة الدولة، واحتواء القوى السياسية والاجتماعية.
 
ومع أن الفساد السياسي كان جزءًا من نظام الرئيس علي عبد الله صالح في فترة حكمه للجمهورية العربية اليمنية (سابقًا), إلا أنه ـ كما يبدو ـ لم يكن ذا تأثير معلن على علاقته بحركة الإخوان المسلمين، وقد يعود ذلك إلى تركيز الحركة في تلك الفترة على بناء التنظيم وتجنبها الصدام مع الرئيس, ولأن ذلك لا ينسجم مع متطلبات التحالف أياً كانت حدود ذلك التحالف الذي كان قائمًا بينهما, ولأنها لم تكن تتمتع بالمشروعية القانونية في العمل السياسي أصلا، فإلى جانب التشديد على عدم نقد الرئيس أو أعوانه المقربين، لم يكن واردًا في السياسة الإعلامية للحركة في ذلك الوقت نقد الأوضاع الداخلية إلا في حدود ضيقة, وبما لا يؤثر على علاقتها بالنظام(12).
 
تلك السياسة تغيرت بشكل شبه كلي مع قيام الوحدة، فقد تصدى الإصلاح لحالتي التقاسم والتنافس على موارد الدولة بين الاشتراكي والمؤتمر، وتركزت معارضته في ذلك الوقت على كشف عورات تلك المرحلة وما ألحقته من آثار سلبية على سلطة الدولة ومؤسساتها ومواردها(13).
 
 وأثناء مشاركة الإصلاح في الحكومة الائتلافية الثنائية مع المؤتمر الشعبي العام، عارض رؤية المؤتمر الشعبي العام لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، وطالب بضرورة أن يكون البرنامج شاملاً للجوانب الاقتصادية والإدارية والمؤسسية, وضرورة السير في خطوط متوازية للإصلاح الإداري مع الإصلاحات المالية والاقتصادية, واتهم المؤتمر ونظام الرئيس علي عبد الله صالح بعدم الرغبة في بناء دولة مؤسسات, ومحاربة الفساد, وإجراء إصلاح إداري يضمن نجاح الإصلاحات المالية والنقدية.
 
تزايد نقد الإصلاح وبقية الأحزاب السياسية لموقف حكومة المؤتمر الشعبي من الفساد، بعد اختزالها لبرنامج الإصلاح الاقتصادي إلى مجرد إصلاحات مالية وسعرية فقط, وتعثر تنفيذ الإجراءات الخاصة بمصفوفة الإصلاحات الإدارية والمؤسسية ومكافحة الفساد.
 
ومثل الأوضاع المعيشية والاقتصادية فإن القضايا المرتبطة بالفساد تحتل موقعاً محورياً في خطاب الإصلاح، وتدريجيا ارتفع صوت الإصلاح أكثر وأكثر في اتهام النظام بالمسؤولية عن خلق الفساد وحماية الفاسدين في مختلف مؤسسات الدولة.
 
 ويمكن إرجاع الحضور الكبير للفساد السياسي في خطاب الإصلاح إلى العوامل التالية:
 
1ـ تآكل الموارد الاقتصادية للدولة:
 
فقد سبق وأشرنا إلى طبيعة المتغيرات الداخلية والخارجية التي تعرضت لها اليمن منذ أواخر عقد الثمانينيات والتي تركزت في السنوات الأربع الأولى من عمر الوحدة، و تراجعت معها موارد الدولة المالية والاقتصادية، ولم يخرج اليمن من إمكانية انهيار الاقتصاد إلا بتطبيق برنامج الإصلاحات الاقتصادية, وبمضي ثلاث سنوات من تنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية تراجع دعم المؤسسات الدولية لهذا البرنامج, بسبب تراجع الحكومة عن تنفيذ بعض الإصلاحات الإدارية والمؤسسية التي يتطلبها نجاح الإصلاحات.
 
 بنفس الوقت استمرت المصادر التي ترفد ميزانية الدولة بالموارد المالية في تراجع مستمر, المصدر الوحيد الذي شهد تحسناً وانعكس إيجابيًا على موارد الدولة, هو الارتفاع في الأسعار الدولية للنفط، والذي أضاف لموازنة الدولة مئات الملايين من الدولارات, وأسهم في تحسن وضع الدولة المالي, إلا أنه وفي كل الأحوال لا يستطيع بمفرده أن يواجه متطلبات التنمية، وحاجات النمو السكاني المتزايد، الأمر الذي أبقى موارد الدولة في حالة من الندرة والضعف استدعت ارتفاع أصوات أحزاب المعارضة, وبعض الشخصيات العامة, وعدد من القوى الاجتماعية, والتي حذرت من أن موارد البلاد المالية لا تتحـمل مزيداً من الفساد وسوء الإدارة.
 
2- ارتفاع معدلات الفساد:
 
فقد اتسع انتشار الفساد بمظاهره السياسية والاقتصادية والإدارية, في ظل غياب الإرادة السياسية في مواجهته والحد منه, وصارت ممارسة الفساد في الفترة الأخيرة أكثر جرأة وعلنية, وتعززت معها الثقافة السياسية المساندة له بصورة غير مسبوقة(14), وغدى أحد المفردات الأساسية للخطاب السياسي والإعلامي, حتى أنه مثّل أحد أبعاد خطاب رئيس الجمهورية أثناء حملة الانتخابات الرئاسية الأخيرة, فقد أعلن بأنه لن يكون مظلة للفساد, كما صار مادة رئيسة في تقارير المنظمات المحلية والخارجية التي تتحدث عن اليمن, وموضعا لتذمر المواطنين, وجزءا رئيسا في الخطاب الإعلامي لأحزاب المعارضة, وفي مقدمتها التجمع اليمني للإصلاح(15).
 
3ـ تصاعد المطالب الدولية بمكافحة   الفساد:
 
ظل المجتمع الدولي ولفترة طويلة يعتبر أن كل ما يتعلق بنظام الحكم، وظاهرة الفساد شأن داخلي, بحيث لا يجوز للدول الأخرى أو المؤسسات الدولية أن تقترب منه(16) غير أن الأمر اختلف منذ عقد التسعينيات، فقد تنامى اهتمام المنظمات الدولية غير الحكومية بالفساد، وأصبح ضمن معايير تقييم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في الدول المستهدفة, درجة التزام الدول بمحاربة الفساد، ومن ثم أصبحت الدول المتعاملة مع تلك المنظمات ملزمة بمحاربة الفساد, ورفع مستوى الشفافية في معاملاتها المالية, وقد كان هذا واضحًا في سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين اللذين أعلنا في عام 1996م في اجتماعهما السنوي المشترك عزمهما على التركيز على مكافحة الفساد بسبب أثره السلبي في اقتصاديات الدول وتنميتها(17), وقد وفر ذلك دفعة قوية لمحاربة الفساد على المستوى العالمي، نظرًا لما تتميز به هاتان المؤسستان من قدرة على التدخل في تشكيل السياسات الداخلية للدول الأعضاء, وفي الرقابة عليها، فحين تقرر الدول الانضمام إلى عضوية صندوق النقد الدولي, فإنها تعترف له صراحة بكامل صلاحياته الرقابية التي ينص عليها نظامه التأسيسي, بتمكينه من الإشراف على السياسات الاقتصادية والمالية والرقابة عليها, ومتابعتها داخل الدول الأعضاء, وعلى الصعيد العالمي ككل.
 
كما أن قدرة الصندوق الفائقة على جمع المعلومات والبيانات عن اقتصاديات الدول الأعضاء وتحليلها، -وهي ميزة خاصة- جعلت منه وبلا منازع أكبر جهاز لإعداد ونشر هذه الدراسات في العالم، ويتمتع البنك بميزة كبيرة في هذا الخصوص، ليس فقط لتوافر جهاز فني قوى لديه، ولتوافر الإمكانات المالية وإنما أيضًا بحكم تجربته الهائلة في تقييم وتمويل العدد الأكبر من مشروعات التنمية في العالم النامي, وفي إشرافه على تنفيذها ومتابعة نتائجها، ولذلك تعتبر تقارير البنك الدولي من أهم المراجع حول الأوضاع الاقتصادية في الدول العربية.
 
وقد أعطت هذه الميزة البنك الدولي سلطة ونفوذًا على المستوى الدولي مكنته من تغليب حجته وتحليلاته أمام الجهات المانحة للقروض والمساعدات، ولذلك فإن آثر نشر تقارير البنك الدولي المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية في الدول الأعضاء، وبالذات الدول النامية منها, لا يقتصر على التأثير في حجم تدفق المساعدات والقروض نتيجة تأثيرها الكبير في المانحين الآخرين، وإنما تتسع آثارها إلى قرارات المستثمرين، حيث تعطي هذه التقارير الضوء الأخضر لمصادر الاستثمار الدولية للتوجه إلى دول بعينها دون غيرها(18).
 
وفي السنوات الأخيرة تم إنشاء العديد من المنظمات الدولية التي يقع في صلب اهتمامها مكافحة الفساد والحد منه، ومن أهم تلك المنظمات: صندوق تحديات الألفية، ومنظمة الشفافية الدولية.
 
تم إنشاء صندوق تحديات الألفية في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2003م, لهدف تقديم مساعدات تأهيلية لدعم وتسريع الإصلاحات الجارية في عدد من البلدان, وليس العمل على البدء بها، كما أن أهداف برنامج الصندوق تتركز – حسب الأهداف المعلنة- في تعزيز الديمقراطية ومكافحة الفساد.
 
أما منظمة الشفافية فهي تمثل تعبيراً عن حركة عالمية لمكافحة الفساد, أفرزها مجتمع مدني عالمي فقد اعتمدت منظمة الشفافية الدولية وسائل وآليات عمل عديدة للتعرّف بظاهرة الفساد، وكشف أبعادها, وتتبع أسبابها ومنابعها، واقتراح وسائل وطرق لمكافحتها والتصدي لها
 
وعادة ما تصدر المنظمة تقريراً عن ترتيب البلدان بحسب "الفساد المدرك" وهذا الأخير مؤشر مركب يعتمد على معطيات ذات صلة بالفساد, بناءً على عمليات مسح متخصصة تقوم بها مؤسسات متنوعة وحسنة السمعة، ومحليون من البلد الجاري تقييم حجم الفساد فيه، وتركز المؤسسة على الفساد في القطاع لعام وتعرفه "بسوء استعمال الوظيفة العامة من أجل تحقيق مكاسب خاصة"(19).
 
تناولت تقارير المنظمات الدولية السابقة، أوضاع الفساد في اليمن, وغَلِبَ عليها مؤشرات غير إيجابية عن حجم الفساد في اليمن, فقد عَدّ أحد تقارير البنك الدولي خلال العام 2006م ضعف الحكم, والفساد المستشري في مؤسسات الدولة, ومخاطر الصراعات الداخلية, من العوامل التي أدت إلى تعثر جهود الإصلاح في اليمن خاصة خلال الفترة (1998م ـ 2005م).
 
ومنذ اعتمد البنك الدولي محاربة الفساد في سياساته, "شهدت علاقته باليمن تدهورًا مستمرًا، وشكل الخفض المستمر لحجم القروض التي يقدمها لليمن دليلاً واضحًا على تدهور هذه العلاقة، حيث انخفض حجم القروض من حوالي (181.5) مليون دولار عام 1999م إلى نحو (160) مليون دولار, ثم إلى حوالي (142) مليون دولار في العامين التاليين، وفي نهاية 2005م أعلن نائب رئيس البنك الدولي في مؤتمر صحفي عقده في صنعاء, خفض البنك لمعوناته المقدمة لليمن بنسبة تصل إلى 34%, مرجعًا السبب في ذلك إلى ملاحظة البنك ارتفاع مؤشرات الفساد, وتراجع المؤشرات الإيجابية لعملية التنمية في اليمن(20).
 
اهتمت الحكومة اليمنية كثيرًا بحجم الدعم الذي يمكن أن يقدمه صندوق تحديات الألفية، وقدمت في 21 سبتمبر 2005م، الخطة القُطرية للحصول على المساعدات التأهيلية للصندوق، وأكدت الحكومة في هذه الخطة أن مكافحة الفساد سوف تمثل المكون الرئيسي لتلك الخطة, مع التركيز على عدد من المؤسسات.
 
إلا أنه وفي أقل من شهرين من تقدم الحكومة لخطتها، أعلن الصندوق إيقافه للمساعدات المقدمة لليمن، فقد أصدر صندوق تحديات الألفية خلال الاجتماع الدوري لمجلس إدارته في 8 نوفمبر 2005م, قراراً بتعليق أهلية اليمن للاستفادة من المساعدات التأهيلية، وتم إبلاغ الجانب اليمني بهذا القرار خلال زيارة رئيس الجمهورية إلى واشنطن، وقد ضمّنَ الصندوق قراره الأسباب التي دعته إلى اتخاذه, وأهمها فشل اليمن في اجتياز 14 من 16مؤشر لعام 2005م، وقدم للجانب اليمني عدداً من المقترحات التي من شأنها أن تساعد اليمن على الاستعداد والتأهيل لعضوية الصندوق، ومنها مكافحة الفساد، من خلال إنشاء هيئة مستقلة لمحاربة الفساد, والطلب من القيادات الحكومية العليا بالتصريح عن ممتلكاتهم ومصادر دخلها ووضع قانون بذلك... الخ(21).
 
ـــــــــــــــ
المراجع:
 
(1) الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر, مذكرات الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر, مصدر سبق ذكره, ص: 303.
 (2) يحيى المتوكل، الإصلاحات الاقتصادية وفجوة الموارد المحلية، في أحمد البشاري (تحرير) دراسات في الاقتصاد اليمني، بحوث وأدبيات المؤتمر الاقتصادي اليمني مايو 1995م، مجلة الثوابت، ص: 353.
 (3) حسن أبو طالب، الوحدة اليمنية، مرجع سبق ذكره، ص: 303.
 (4)حسن أبو طالب، الوحدة اليمنية، مرجع سبق ذكره ، ص: 304.
 (5) عبد الباري الشرجي، الآثار الاقتصادية لحرب ترسيخ الوحدة اليمنية، في أحمد البشاري (تحرير) دراسات في الاقتصاد اليمني، مرجع سبق ذكره، ص: 377.
 (6) للوقوف على بعض الآثار الاقتصادية لحرب عام 1994م، انظر عبد الباري الشرجي ، مرجع سبق ذكره.
 (7) محمد سعد السعدي، الإصلاح والمشاركة السياسية, ( محاضرة): 
http://www.hmsalgeria.net/modules.php?name=News&file=print&sid=774.
 (8) البيان الختامي للدورة الاستثنائية لمجلس شورى الإصلاح المنعقدة بتاريخ 8-10 مارس 1995م, في: القضية الاقتصادية, رؤى ومواقف التجمع اليمني للإصلاح, إصدار الدائرة الاقتصادية بالأمانة العامة للإصلاح, ص: 31.
 (9) البيان الختامي الصادر عن الدورة الاستثنائية الثالثة لمجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح, المنعقدة بتاريخ 22ـ23 شعبان 1416ھ، الموافق 13-14 يناير 1996م, في: القضية الاقتصادية رؤى ومواقف, مرجع سبق ذكره, ص: 35.
 (10) مقابلة رئيس الجمهورية مع صحيفة الحياة اللندنية, بتاريخ 25/2/2006م.
 (11) وفقاً لعالم السياسة الأمريكي المتخصص في الشؤون اليمنية, والمدرس السابق بجامعة واشنطن روبرت بيروز, فإن النظام القائم في الجمهورية اليمنية قد تطور خلال عقدين من الزمن (العقد الأول كان في ظل الجمهورية العربية اليمنية) إلى حكم القلة الفاسدة, فقد تكونت وفقا لبيروز طبقة صغيرة تتمتع بقيمها ودوافعها وثقافتها السياسية المختلفة عن قيم ودوافع المجتمع اليمني, وتمكن أفراد تلك الطبقة الصغيرة من خلال سيطرتهم على المواقع الحكومية التي تتدفق من خلالها الإيرادات (النفطية منها على وجه الخصوص) والمعونات الخارجية تمكنوا من الإثراء الشخصي على حساب التنمية والأهداف الأخرى, وعلى مشارف القرن الواحد والعشرين، والكلام مازال لبيروز: تقوم تلك الطبقة بتوريث مواقعها للجيل الثاني بكل ثقة ودون أي درجة من التساؤل حول أحقيتها بتلك المواقع, هذه المجموعة الصغيرة من السكان، بحسب بيروز، تستحوذ ودون شعور بالذنب على أكبر قدر مما يمكن الاستحواذ عليه, وقبل أن يتغير الوضع.
 http://www.alwasat-ye.net/modules.php?name=News&file=article&sid=1938
 (12) يشير الكاتب نصر طه مصطفى, وهو احد كتاب صحيفة الصحوة الناطقة باسم حركة الإخوان, والتي تأسست عام 1985م بأنه تجنبا للتعرض للأوضاع الداخلية ونقدها, انصرفت كل مقالاته إلى قضايا العالم الإسلامي الخارجية, ولم يكتب عن مواضيع داخلية إلا بعد الوحدة.
 (13) مقابلة أجراها الباحث مع الأستاذ عبد الوهاب الآنسي، مصدر سبق ذكره.
 (14) ناصر محمد الطويل,الوجه السياسي للفساد في اليمن, ورقة خلفية للتقرير الاستراتيجي السنوي 2005م, صنعاء, المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية, ص:35-69.
 (15) لمعرفة بعض الاتجاهات العلمية حول واقع الفساد في اليمن يمكن الرجوع إلى: التقرير الاستراتيجي اليمني 2005م، المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية، صنعاء ، ط1، 2006م .
 (16) التقرير الاستراتيجي اليمني 2005م، مرجع سبق ذكره، ص:142.
 (17) التقرير الاستراتيجي اليمني 2005م، مرجع سبق ذكره ص: 145-146.
 (18) التقرير الاستراتيجي اليمني 2005م مرجع سبق ذكره, ص: 145.
 (19) المرجع نفسه, والصفحة.
 (20) التقرير الاستراتيجي اليمني 2005م مرجع سبق ذكره, ص145-147.
 (21) التقرير الاستراتيجي اليمني 2005م، مرجع سبق ذكره ص: 152-153.

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك