المحددات الخارجية للعلاقة بين النظام السياسي والحركة الإسلامية بعد الوحدة (1) تأثير المحيط الإقليمي

 نصل إلى الفصل الرابع والأخير من كتاب "الحركة الإسلامية والنظام السياسي في اليمن.. من التحالف إلى التنافس"، لمؤلفه الأستاذ ناصر الطويل الذي خص المصدر أونلاين بنشره.

 ويتناول الفصل الرابع المحددات الخارجية للعلاقة بين النظام السياسي والحركة الإسلامية بعد الوحدة، وينقسم الفصل إلى أربعة مباحث هي
المبحث الأول: تأثير المحيط الإقليمي العربي .
المبحث الثاني: طبيعة النظام الدولي الجديد.
المبحث الثالث: السياسة الأمريكية تجاه اليمن, والحرب الدولية على الإرهاب.
المبحث الرابع: قضيتا الشيخ المؤيد، والشيخ الزنداني.
 
وفي هذه الحلقة ننشر المبحث الأول.
  
مقدمة الفصل الرابع:
تلعب المتغيرات المرتبطة بالبيئة الخارجية دوراً كبيراً في التأثير على الأوضاع الداخلية, بما في ذلك العلاقات بين الأطراف والقوى السياسية داخل الدولة القومية, وقد تضافرت العديد من العوامل التي وسعت من تأثير الأطراف الخارجية في مواضيع كانت من صميم الشأن الداخلي، وغدت الاطراف الدولية تزاحم – وبقوة - صانعي السياسات ومتخذي القرارات في كثير من الدول في تحديد الخيارات السياسية الداخلية والخارجية لدولهم, وإذا كان هذا حال أغلب الدول بما فيها تلك التي تمتلك بعض مصادر القوة، فإن دول المنطقة العربية والإسلامية ربما تكون الأكثر تأثراً بالضغوط القادمة من البيئة الخارجية, وبخاصة في ما يتعلق بموقف النظم السياسية الحاكمة من الحركات الإسلامية, وقد يعود ذلك إلى طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي الممتد بحساسياته وتشابكاته المختلفة من جهة، وامتلاك المنطقة العربية لكمية كبيرة من مخزون النفط من جهة ثانية، والصراع الثقافي والموروث التاريخي في العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب من جهة ثالثة, وتنامي تأثير الأبعاد الدينية في صنع السياسات الداخلية والخارجية للدول الغربية, وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية, وأخيرا بسبب التداعيات التي تركتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
 
 تلك المتغيرات وغيرها شدت تركيز القوى المهيمنة على هيكل القوة في النظام الدولي الحالي تجاه هذه المنطقة، ومعه تكثف الحضور الخارجي, وتنوعت أهدافه ووسائله, مما جعل من الأطراف الدولية أحد المحددات المهمة في العلاقات بين القوى السياسية الداخلية في الدول الإسلامية, وكل ذلك إلى جانب الدور الذي تلعبه المتغيرات المرتبطة بالبيئة الإقليمية العربية, وما تمتاز به من تداخل وتشابك, لاسيما في موضوع شديد الحساسية, كما هو موضوع العلاقة بين السلطة الحاكمة والحركة الإسلامية في اليمن
 
المبحث الأول:
تأثير المحيط الإقليمي العربي على العلاقة بين النظام السياسي والحركة الإسلامية في اليمن
 
مقدمة:
 تلعب التفاعلات المرتبطة بالمحيط الإقليمي العربي، وتوجهات الدول العربية الفاعلة دورًا هامًا في التأثير المباشر وغير المباشر على عدد من القضايا والتطورات السياسية اليمنية, بما في ذلك العلاقة بين النظام السياسي والحركة الإسلامية, ويعود ذلك إلى التشابك بين اليمن وبقية الدول العربية في الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية.
 
أولاً: طبيعة العلاقة بين النظم العربية الحاكمة والحركة الإسلامية الإخوانية:
تعتبر غالبية الأنظمة السياسية الحاكمة الحركة الإسلامية النقيض الأساسي والمنافس الرئيس لها في الوقت الحالي, ولذلك فإن وجودها الاجتماعي والسياسي يتراوح بين ”الحظر القانوني والسماح الفعلي المحسوب", وتعتبر الأداة الأمنية في غالب الأحيان هي أداة التعامل الرئيسة معها,عبر حصار أمني تتمثل مفرداته في عمليات القبض والاعتقالات والإجهاض وشل الفاعلية(1).
 
وتتوزع الساحة السياسية في الدول العربية والإسلامية على تيارات سياسية وفكرية متمايزة، فهناك التيـار الوطني, والليبرالي، والقومي، واليسـاري، والإسلامي.
 
وقد نشأت تلك التيارات أثناء الفترة التاريخية التي خضع فيها العالم الإسلامي للاستعمار, وفي الظروف التي تلت مرحلة الاستقلال، فقد أحدث الاستعمار الأوروبي تغيرات جذرية في مسيرة حياة المجتمعات الإسلامية, من حيث المؤسسات والممارسات، وطرائق تنظيم الحياة العامة في أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية والتعليمية, وغرسها في الواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمعات العربية والإسلامية.
 
وقد كان للنخب السياسية في تلك الفترة تأثير واضح في استيراد معالم الحياة الغربية, وغرسها ورعايتها في الواقع العربي والإسلامي.
 
شاركت تلك النخب في تشكيل وإدارة عمليات التحرر الوطني، واستلمت السلطة بعد الاستقلال, وغالبا ما تكون قد تتلمذت ودرست في المدارس والكليات الغربية, واتجهت بالدول والمجتمعات العربية والإسلامية بمستويات مختلفة نحو الدول الغربية.
 
وقد كان الإسلام أحد أهم القوى الدافعة خلف حركات التحرر في كثير من الأقطار الإسلامية, لكنه لم يعد له ذات التأثير بعد استلام النخب ذات التوجه الغربي للسلطة على إثر خروج الاستعمار.
 
ومنذ القرن التاسع عشر تبلورت في بعض الدول العربية بدايات للتيارات السياسية الفكرية: الماركسية والقومية، البعثية والناصرية، وكانت حركة الإخوان المسلمين قد تشكلت في العشرينيات من القرن الماضي.
 
غَلب الصراع على العلاقة بين التيارات السياسية والفكرية السابقة والتنظيمات السياسية التابعة لها, وعمل كلٍ منها على إقصاء التيارات السياسية والفكرية الأخرى وفرض رؤاه على الدولة والمجتمع.
 
 تعرضت حركة الإخوان المسلمين لمضايقات سياسية, وعداء فكري, وضربات أمنية وعسكرية من قبل عدد من النظم السياسية السلطوية المدعومة من بعض التيارات الفكرية الغربية والقوى الدولية الكبرى، بينما نمى عدد من فروع حركة الإخوان المسلمين أواسط القرن العشرين نمواً طبيعيًا، وكان جزء من تحالف يضمها إلى جانب السلطة الحاكمة وبعض القوى الأخرى, في مواجهة الراديكاليين اليساريين أو القوميين أو الاثنين معًا, كما هو الحال في اليمن والأردن والكويت.
 
وبعد نكسة حزيران 1967م تهيأ المناخ لتوسع المد الإسلامي, ونمت قوة الحركة الإسلامية بشكل لافت في معظم الدول العربية والإسلامية, وقد سارت علاقات الإسلاميين بالنظم الحاكمة في بلدانهم بمسارات مختلفة, فنوع العلاقة ومسارها يأتيان في الغالب محصلة لتفاعل اثنين من العوامل الأساسية، أحدهما: درجة انفتاح النظام، والآخر: مدى خطورة الحركة (عليه)، فالنظام المغلق الذي يصادر مختلف أشكال التعددية لا يستنكف عن حجب الشرعية عن الإسلاميين بين عموم القوى المحجوبة عن الشرعية، لكن في نفس الوقت, فإن درجة انفتاح النظام ليست المحدد الوحيد للحكم على النشاط السياسي للإسلاميين وجودًا وعدمًا، فالنظام قد يسمح لمواطنيه بممارسة حرية الرأي والتعبير وتعدد الأحزاب، إلا أن هذا الهامش قد لا يتسع بالضرورة ليشمل الإسلاميين، فالأرجح أنه كلما حازت الحركة أسباب القوة التنظيمية والمالية والاتصالية، وكلما اتسعت قاعدتها الاجتماعية وزاد انتشارها، كلما مثلت تهديدًا محتملاً وبديلاً واردًا للنظام القائم, ومثل هذا المتغير يأخذه القائمون على السلطة في الاعتبار, وذلك في معرض تحديدهم لمن يُضم إلى هيكلها أو يُستبعد منه(2).
 
 ومما لا شك فيه أن (الحركات الإسلامية) شكلت تحديًا رئيسيًا للنظم والنخب الحاكمة منذ أواخر السبعينات وحتى أواخر التسعينات، وخاصة وأن هذه النخب لم تكن مستعدة لقبول أي مشاركة فعلية في إدارة شئون البلاد أو السماح بانتقال السلطة إلى قوى اجتماعية أخرى، وقد أدت الطريقة التي تعاملت بها النظم السياسية القائمة مع صعود (الحركات الإسلامية), إلى توتر الأجواء وسيادة منطق الإقصاء والعزل، بدلاً من الحوار والتعاون والمشاركة البناءة، ولا يمكن فهم أسباب الاشتباك والصراع المسلح بين بعض النظم القائمة و(الحركات الإسلامية) إلا من خلال فهم حالة الرعب التي أصابت النخب النافذة من جراء المد الأصولي الديني الشعبي السريع وعدم ثقة النخب بمواقعها وكوادرها وإنجازاتها، وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن رد فعل السلطات السياسية في المنطقة العربية على الظاهرة الإسلامية تميز بالحدة والعنف, في محاولة لتحجيمها وتحزيمها وشل قدرتها على الحركة(3).
 
وبشيء من التفصيل, بإمكاننا أن نرصد ثلاثة أنماط من العلاقة بين الأنظمة الحاكمة في المنطقة العربية والحركة الإسلامية، وبالأوضح سياسات الأنظمة الحاكمة إزاء الحركات الإسلامية, وهي:(4)
 
(أ) نمط التحجيم والاستئصال:
 
لعل أهم ما يتصف به هذا النمط, هو درجة العداء الصريح والمعلن للحركة الإسلامية, كما يتصف تعامل الأنظمة الحاكمة التي تندرج في إطار هذا النمط في تعاملها مع الحركة الإسلامية بالشراسة العضوية في أقصى درجاتها, واستخدام العديد من المسالك التي تعمل على تحجيم وإضعاف الحركة, وهي: المسلك التشريعي القانوني، المسلك الأمني، مسلك الاتصال الدعائي، والمسلك الاقتصادي والاجتماعي.
 
(ب) نمط السماح الديمقراطي:
 
ما يميز هذا النمط, هو أنه يقدم مثالاً على تعايش الحركة الإسلامية مع الأنظمة الحاكمة التي تختلف معها، وقبول جميع الأطراف   ولو بحدود معينة ـ للخيار الديمقراطي، الذي يسع الجميع في معادلاته السياسية، فالحركة الإسلامية في بلدان هذا النمط نجحت من خلال تجربة انتخابات حرة في الحصول على وجود حقيقي ومؤثر في بنية النظام السياسي، فشاركت في السلطة التشريعية بفاعلية (حصلت على رئاسة البرلمان في كل من الأردن واليمن، في حين حصل متعاطف معها على رئاسة البرلمان الكويتي)، كما شاركت في السلطة التنفيذية, حيث أسندت إليها عدد من الحقائب الوزارية.
 
وقد لعبت بالإضافة إلى الاشتراك في الحكم دور المعارضة القوية والمؤثرة، هذا وتعطي عملية رصد أنشطة الحركة الإسلامية وتعاملاتها في دول هذا النمط من خلال هذه التجربة تعطي دلائل مشجعة على تفاعل الإسلاميين في آليات الديمقراطية، واحترامهم "قواعد اللعبة السياسية", وعدم "رفضهم للقيمة الديمقراطية".
 
وتاريخيًا لم تشهد هذه البلدان علاقة عدائيه مع الحركة الإسلامية أو عملية صدام حقيقي معها، بل العكس من ذلك, فقد شهدت هذه الدول كلها تقريبًا علاقة تعاون ومشاركة, أحد مظاهرها أن هذه البلاد كانت ملجأ لكثير من قيادات الحركة الإسلامية الفارة من بلدان النمط الأول. كما أن التجربة السياسية في هذه البلدان رغم تطورها مقارنة بدول النمط الأول تعكس تحولاً نحو نوع من "التعددية السياسية" أو "السماح الديمقراطي", وليس نحو "الديمقراطية السياسية" بمعناها الشامل، فعلى الأقل لم يثبت عمليًا أن دول هذا النمط قد قبلت بمبدأ "تداول الحكم", وإن كانت قبلت "الشراكة فيه", وكما هو متفق عليه عمليًا فإن الشرط الأساسي لوجود "ديمقراطية سياسية" هو قبول وممارسة "مبدأ تداول السلطة".
 
(ج) نمط التعايش والتوظيف المتبادل:
 
ويعتبر هذا النمط من أعقد الأنماط, إذا ما قورن بسابقيه, إذ تتجاور فيه شمسا التعاون والصدام، العداء والسماح دون تغلب أحدهما على الآخر، فتصنعه منطقيًا في أي من النمطين السابقين، وبصفة عامة نستطيع أن نرصد له الخصائص التالية:
 
(1) تحاول الأنظمة الحاكمة أن تستخدم الحركة الإسلامية, وأن تعطيها المشروعية القانونية في تحقيق أهدافها السياسية, في إطار استخدامها للدين عمومًا في إضفاء الشرعية السياسية, والأمثلة واضحة في السعودية ودول الخليج والمغرب.
 
(2) تحاول الأنظمة الحاكمة أن تستخدم نفس المنطق الديني في محاربة وتحجيم الحركة الإسلامية, إذا بدت منها محاولة حقيقية لتبني منهج تغييري على أساس إسلامي لأية قضية من القضايا (لجنة الحقوق الشرعية في السعودية, واعتقال أعضائها وفصلهم من وظائفهم مثال على ذلك), كما أن لهذه الأنظمة من الأتباع ـ ربما داخل الحركة الإسلامية نفسها ـ من يدافعون عنها ويروجون لسياساتها.
 
(3) إن الحركة الإسلامية في هذه البلدان في إطار هذه الأنظمة والمجتمعات ضعيفة بوجه عام, ويغلب عليها الطابع الدعائي, بالإضافة إلى الطابع الشعائري والسلفي، وبالتالي لا تعد قوة تغيير حقيقية في إطار هذه المجتمعات والدول.
 
(4) إذا كانت هذه الدول قد لعبت تاريخيًا ـ ولأسباب متعددة ـ دورًا في إيواء الفارين من أعضاء الحركة الإسلامية من عنف الدول التي تنتمي إلى النمط الأول، كما مثلت لاحقًا -عقب تدفق الثروة البترولية- مصدرًا من مصادر الدعم المالي للحركة الإسلامية خاصة في بلدان النمط الأول، فإنها من جانب آخر تمثل مكاناً آمناً مريحاً يستنزف أعداداً غير قليلة من "العقول المفكرة المتحركة", خصوصًا إذا كانت الهجرة دائمة أو شبه دائمة، فهي تشكل مناطق "جذب وتفريغ" لقطاعات مهمة من الحركة الإسلامية.
 
الصورة التي عرضناها أنفاً والتي جاءت ضمن دراسة أعدت في منتصف التسعينات حدث فيها قدر من التطور والتعقيد، فمنذ عام 1995م وحتى الآن, ارتفعت حدة التنافس السياسي بين النظم الحاكمة العربية بشكل عام, والدول التي تنتمي إلى النمطين الأول والثاني وبعض دول النمط الثالث "المغرب" من جهة, والحركات الإسلامية الإخوانية على وجه التحديد من جهة ثانية، فالحركات الإسلامية أضحت تمثل قوة المعارضة الأولى في كل الدول العربية، وصارت منافسًا شديدًا للسلطات السياسية الحاكمة, وتمثل بديلاً شعبيًا يصعب تجاهله، كما اتسعت مساحة الاختلاف بين النظم العربية الحاكمة والحركات الإسلامية, حول قضايا التنمية, وإدارة موارد الدولة, والفساد, والقضية الفلسطينية، والعلاقة مع القوى الدولية, والأهم من كل هذا حول قضايا التحول الديمقراطي وهامش الحقوق والحريات العامة، وقد أدى طرق الحركات الإسلامية في سياق معارضتها لمواضيع حساسة بالنسبة للنظم الحاكمة، وتنامي شعبيتها, إلى دخول الطرفين في دائرة مغلقة من الأفعال وردود الأفعال, فالنظم العربية الحاكمة تضاعفت مخاوفها من إمكانية وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة، وهذه الأخيرة استولت عليها هواجس رغبة السلطة وإصرار تلك النظم على إقصائها وتحجيم قوتها, وهكذا تدهورت العلاقة بشكل كبير بين الحركة الإسلامية والسلطات الحاكمة في عدد من الدول العربية, وتحديداً في الأردن واليمن وفلسطين والمغرب ومصر.
 
 وقد ساهم العامل الخارجي في تدهور العلاقة بين النظم السلطوية العربية والحركات الإسلامية, "ففي عقد التسعينيات وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وإصرار الدول الغربية على أن الإسلام والحركات الإسلامية هما العدو البديل, دخلت القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا, بعد فترة وجيزة من التردد والحيرة المعركة إلى جانب حلفائها في الشرق الأوسط, في محاولة لضرب (الحركات الإسلامية) من أجل هزيمتها أو محاولة تحجيمها، ومن الخطأ بمكان الاستخفاف أو التقليل من الدعم المعنوي والسياسي والعسكري الذي قدمته القوى الغربية إلى أصدقائها في مصر والجزائر والأردن وفلسطين في مواجهة المد الإسلامي .. وبغض النظر عن أجندة القوى الغربية في المنطقة العربية، وهي في نظر البعض أجندة تصطدم بالطموحات الوطنية والقومية والدينية، فقد ارتكبت بعض (الحركات الإسلامية) أخطاء قاتلة في إعطاء الذريعة للقوى المعادية للظاهرة الدينية الإسلامية في الغرب، ودفع حكوماتها للدخول في مواجهة (الحركات الإسلامية) جنبًا إلى جنب مع النظم العربية القائمة، والنتيجة المنطقية لاستعداء الدول الغربية هي قلب ميزان القوى لصالح حلفاء الغرب في المنطقة العربية, والذين نجحوا في تسديد ضربات موجعة للظاهرة الإسلامية"(5).
 
وضاعفت تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م, من زيادة التنافس بين السلطات السياسية العربية والحركات الإسلامية, فقد وفرت فرصة مناسبة للعديد من النظم العربية لتصفية حساباتها مع الحركات الإسلامية المعتدلة وغير المعتدلة, استغلالاً لما يطلق عليه الحرب الأمريكية والدولية ضد الإرهاب.
 
 إن الموقف الحقيقي للنظم السياسية العربية, والدور الذي تقوم به تجاه الحركات الإسلامية, يكون أكثر وضوحًا عند وصول بعض الحركات الإسلامية أو اقترابها من الوصول إلى السلطة، في دولة عربية أو أكثر، وهنا توحي الخبرة العربية بأن النظم العربية الحاكمة -خاصة التي هي في حالة عداء تاريخي وصراع سياسي وربما عسكري مع الحركات الإسلامية في بلدانها- لعبت دورًا جوهريًا في إجهاض وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة في الدول العربية الأخرى, وعملت على إفشالها وإخراجها سريعًا من السلطة إذا ما وصلت إليها.
 
وتوجد ثلاث حالات وصلت فيها الحركة الإسلامية جزئيًا أو كليًا إلى السلطة, أو كانت على مشارف الوصول اليها، تمثلت الحالة الأولى في وصول الجبهة القومية الإسلامية إلى السلطة في السودان, وهي تمثل حالة السيطرة على السلطة بشكل كلي، ويمثل اقتراب الجبهة الإسلامية في الجزائر من استلام السلطة على إثر نتائج الانتخابات التي جرت عام 1991م الحالة الثانية, أما الحالة الثالثة فقد تمثلت في الوصول الجزئي لحركة المقاومة الإسلامية حماس إلى بعض مؤسسات السلطة, بعد فوزها في الانتخابات التشريعية, وتشكيلها للحكومة الفلسطينية.
 
اختلف تعامل النظم العربية الحاكمة مع الحالات الثلاث, بحسب السياق السياسي والاجتماعي الذي أوصلها أو كاد إلى السلطة، ونوعية هذه الحركة، ودرجة ارتباطها بالحركات الإسلامية داخل الدولة المعنية وتقدير تلك النظم لدرجة تأثيرها على أوضاعها الداخلية, ودور الضغوط الخارجية. 
 
ومع ذلك فقد كان القاسم المشترك, هو توجس أغلب النظم العربية وخوفها من وصول أي تيار من الحركة الإسلامية إلى السلطة, والتعاون فيما بينها لإجهاض وصوله إلى السلطة أو العمل على إفشال تجربته في الحكم ومحاصرته, بهدف إقصائه عنها، فقد فرضت بعض الدول العربية حصارًا ضد حكومة الإنقاذ في السودان, واستمرت العلاقة متوترة بين السودان من جهة وكل من مصر وتونس والجزائر ـ بعد إجهاض الانتخابات فيها ـ وبقية الدول الخليجية, وفي المقدمة منها المملكة العربية السعودية، ولم يخف التوتر بين الطرفين إلا بعد إقصاء حسن الترابي من السلطة , وقد كان موقف مصر هو الأبرز, فرغم المحددات الإستراتيجية التي تحكم علاقة كل من مصر والسودان, فإن السلطة في مصر قد ربطت العلاقة مع السودان بطبيعة النظام السياسي الذي تبنته الجبهة القومية الإسلامية، فبعد نجاح الحركة الانقلابية للإنقاذ التي قادها عمر البشير بتحالف غير معلن مع الجبهة القومية الإسلامية بقيادة حسن الترابي، أعلنت مصر تأييدها لحركة الإنقاذ والنظام الجديد, وسعت إلى حشد التأييد والمساندة الإقليمية والعربية والإفريقية للنظام, إلا أن موقف الحكومة المصرية تغير كلياً بعد ما تكشفت حقيقة العلاقة بين حركة الإنقاذ والجبهة القومية الإسلامية، وزاد تبنى النظام الجديد لرؤى وأطروحات الجبهة بشأن المشروع الحضاري الإسلامي, من اختلاف النظامين بشأن الموقف من غزو العراق للكويت في أغسطس 1990 (6).
 
وسرعان ما تدهورت العلاقات المصرية السودانية وتبادلت الدولتان الاتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية, وبلغ التوتر ذروته عام 1995م بعد محاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا, واتهام السودان بالتورط في تلك المحاولة، وظلت العلاقات متذبذبة ومتأرجحة حتى أواخر عام 1999م، حين تم الإطاحة بالدكتور حسن الترابي وجناحه من الحكم, الأمر الذي أبدت مصر ترحيبها وارتياحها به، حيث تزايدت وتيرة العلاقات والزيارات المتبادلة بين الوفود الرسمية للبلدين, واستقبلت القاهرة الرئيس السوداني عمر البشير خلال هذه الفترة أكثر من مرة, لإجراء مباحثات مشتركة مع الرئيس حسني مبارك وكبار المسؤولين المصريين(7).
 
باقتراب الجبهة الإسلامية في الجزائر من الوصول إلى السلطة, ثارت مخاوف القيادات العربية، وسارعت أغلب الدول العربية -وبخاصة مصر ودول شمال إفريقيا- إلى الاعتراف بالنظام الجديد الذي جاء به الجيش وتقديم الدعم له.
 
فمع فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى للانتخابات الجزائرية، تبين إمكانية وصول التيار الأصولي السلفي إلى الحكم بانتخابات شرعية وبالوسائل الدستورية، وقد ولّد ذلك ضغوطًا إقليمية ودولية عديدة على دول الشمال الإفريقي العربية بصفة عامة, وليس على الدول المغاربية وحدها، فمن شأن صعود الحركة الإسلامية إلى قمة السلطة في أي دولة عربية أن تكون له انعكاساته ومردوداته على شكل وجوهر النظام الإقليمي العربي(8)، فضلاً عن تأثيره على الأوضاع الداخلية في كل دولة من الدول العربية.
 
وعلى الفور تصدرت قضية مكافحة العنف والتيارات الدينية الإسلامية أولويات الاهتمامات العربية والإقليمية وعلاقات التعاون الثنائي بين الدول, واتخذت بعض مؤسسات النظام الإقليمي العربي قرارات للتنسيق بين الحكومات العربية لمواجهة التيار الإسلامي, فقد اتخذ مجلس وزراء الداخلية العرب في دورته التاسعة قرارات بشأن "مكافحة التيارات الدينية المتشددة", بما انطوى عليه من تعميم مبالغ فيه لا يميز بين تيارات تعمل في أطار الشرعية أو تسعى لذلك، وأخرى ترفضه وتلجأ إلى العنف، وهو الأمر الذي استدركه المجلس في دورته العاشرة في يناير 1992م، حيث أعاد صياغة القرار بما يؤدي إلى "تعزيز التعاون والتنسيق بين الدول العربية للتصدي للأنشطة الهدامة ومحاولات الإرهاب والعنف والتخريب" (9).
 
وفي الوقت نفسه تواصل نشاط لجنة الخبراء الإعلاميين التي شكلها اجتماع وزراء الإعلام العرب عام 1992م لإعداد استراتيجية إعلامية لمواجهة التطرف والإرهاب، وقد اعتمد إجتماع وزراء الإعلام في يوليو 1993م هذه الاستراتيجية بشكل مبدئي, رغم تحفظ السودان والعراق عليها, وطالبت هاتان الدولتان بتحديد مفهوم الإرهاب والتطرف بدقة, حتى لا تستغل استراتيجية المواجهة في ضرب تيارات وأحزاب إسلامية تعمل في إطار المشروعية ولا تخرج عليها، وأحال الاجتماع الوزاري تلك الاستراتيجية إلى لجنة الخبراء مرة أخرى لإجراء مزيد من المناقشات حولها وبلورتها بصورة تكفل تنفيذها (10).
 
وقد كانت الدول المغاربية الأشد قلقًا من احتمالات وصول التيار الإسلامي إلى السلطة في الجزائر, والأكثر إصرارًا على مواجهته، فقد أصدرت القمة المغاربية بنواكشوط عام 1992م العديد من القرارات حول التنسيق الجماعي في مواجهة ما أسموه "بالأصولية" (11).
 
وابتداء من عام 1993م تراجعت وتيرة العمل الجماعي داخل المؤسسات الإقليمية العربية الذي يستهدف مواجهة صعود التيار الإسلامي، واستمر التنسيق الثنائي والعمل في شكل مجموعات, وقد تصدر هذا العمل كل من تونس ومصر والجزائر, وبصورة أقل المغرب وليبيا وبعض الدول العربية الأخرى.
 
 الحالة الثالثة تمثلت في وصول حركة المقاومة الإسلامية حماس إلى بعض مؤسسات السلطة الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة, وهي تمثل حالة وصول جزئي لحركة إسلامية إلى السلطة عبر الانتخابات.
 
وتميزت التجربة الإسلامية في فلسطين عن التجربتين السابقتين ببعض الخصائص, فحركة حماس وبخلاف الجبهة القومية الإسلامية في السودان, وجبهة الإنقاذ في الجزائر, تمثل فرعًا من فروع حركة الإخوان المسلمين، وفي ذات الوقت فهي تمثل بجهادها السياسي والعسكري حركة مقاومة وطنية ضد الاحتلال الإسرائيلي, مما يعطي لتجربتها حساسية بالغة للنظم العربية بسبب انتمائها للإخوان, وللأطراف الدولية بسبب مقاومتها لإسرائيل.
 
منذ اللحظات الأولى لفوز حماس، بدت ملامح الصراع بينها وبين حركة فتح التي خسرت الحكومة, لكنها أمسكت برئاسة الدولة، والدول العربية التي أعلنت مبادرة للسلام مع إسرائيل عام 2002م, وليس من باب المبالغة أن التخوف الرسمي العربي من نجاح تجربة حماس كان أكبر من التخوف الإسرائيلي والاعتراض الأمريكي، فحماس بالنسبة للنظم الرسمية العربية تمثل "البديل الإسلامي" وفي حال نجاح تجربتها السياسية, وبالتحديد إذا حصل تفاهم أو حوار بينها وبين الإدارة الأمريكية، فإن هذا النجاح سيعطي الحركات الإسلامية في الدول العربية الأخرى مصداقية وشعبية أكبر, وسيجذر من أزمة النظم، وسيزيد من هاجسها بحدوث تحول في علاقة الإسلاميين بالمجتمع العربي, وسيكون بالضرورة على حساب تلك النظم(12).
 
سارعت معظم الدول العربية بصورة مباشرة في تقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري والإعلامي لحركة فتح، وتجاوبت إلى حد كبير مع الضغوط الدولية, وفرضت حصارا قاسيا على حكومة حماس في الضفة وقطاع غزة, وبعد أحداث غزة وإزاحة حماس لبعض قيادات الأجهزة الأمنية التابعة لحركة فتح, سارعت النظم العربية الحاكمة إلى عقد جلسة طارئة لمجلس وزراء الخارجية العرب، لإدانة ما حدث في غزة, وتقديم كل الدعم لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ولفرض عزلة قاتلة على حماس في داخل قطاع غزة بما يؤدي إلى خنقها.
 
وانقسم موقف الدول العربية إلى ثلاث مجموعات: الأولى: كانت أقرب إلى عدم التأثر بفوز حماس وعلى استعداد للتعامل مع حكومتها, بل وربما دعمها، أما المجموعة الثانية: فهي دول عربية رحبت بفوز حماس كما هو الحال في سوريا وقطر، المجموعة الثالثة: فهي الدول التي اتخذت موقفاً عدائياً من فوز حماس, وشاركت في الجهود الإقليمية والدولية لإفشالها, والعمل على إقصائها من السلطة, وقد تصدر هذه الدول الأردن ومصر والمملكة العربية السعودية وعدد من الدول المغربية والخليجية الأخرى.
 
ومثل كثير من الدول العربية, فإن علاقة الحركة الإسلامية بالنظام السياسي في اليمن تتأثر بشكل غير مباشر بتطورات علاقة الحركات الإسلامية بالسلطات في الدول العربية والإسلامية الأخرى سلبًا وإيجابًا، فعندما تحقق أي من الحركات الإسلامية الإخوانية مكاسب سياسية أو إعلامية، فإن ذلك يضاف بصورة غير مباشرة إلى رصيد الحركة الإسلامية في اليمن، ويمثل نقطة جديدة من نقاط قوتها, حيث يتم استخدامه في الدعاية غير المباشرة للحركة.
 
ويكون العكس صحيحًا -إلى حد ما- عندما تخسر تلك الحركات في الجانب السياسي أو الإعلامي وتتراجع شعبيتها في أي من الدول العربية والإسلامية، فإن ذلك يوظف بصورة مباشرة من منافسي الحركة الإسلامية في الداخل للتأثير السلبي عليها.
 
فعلى سيبل المثال, فإن موقع "المؤتمر نت" وهو الموقع الإلكترون الرسمي لحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم, يعيد نشر وإبراز الأخبار والكتابات الإعلامية التي تنشر في وسائل الإعلام العربية والعالمية, وتتضمن نقداً أو تشويهاً للحركة الإسلامية في أي دولة عربية, وتحديدا ما يتعلق منها بحركة الإخوان, وهو ذات الدور الذي يقوم به موقع "26سبتمبر نت" وهو الموقع الإلكتروني لصحيفة 26 سبتمبر الناطقة باسم الجيش, والتي تصدر عن دائرة التوجيه المعنوي بالقوات المسلحة, كما أن تجارب الحركات الإسلامية في بقية الدول العربية والإسلامية غالبا ما تكون مادة ثرية للدعاية الانتخابية, فحزب المؤتمر الشعبي العام يسعى في حملاته الانتخابية إلى إلصاق تهم الإرهاب والتطرف بالحركة الإسلامية في اليمن، ويتكئ كثيرًا على قضية تخويف الناخب من إمكانية وصول الإصلاح إلى السلطة, ويصور وصوله إلى السلطة على أنه قد يكون تجربة مكررة من حركة طالبان في أفغانستان أو الجبهة القومية الإسلامية في السودان, وقد يجلب أعمال عنف كما في الجزائر, أو حصاراً دولياً كما هو الحال في فلسطين بعد حصول حركة المقاومة الإسلامية حماس على الأغلبية في المجلس التشريعي.
 
وهكذا فإن الحركة الإسلامية في اليمن تصاب برذاذ الحملات السياسية والإعلامية التي تشنها بعض النظم العربية على الحركات الإسلامية في دولها، إذ لا يمكن التقليل من الآثار التي تتركها الحملات الإعلامية في الصحف والندوات والمؤتمرات والأفلام والمسلسلات والبرامج المختلفة في الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى ضد حركة الإخوان المسلمين من انطباعات ومواقف لدى قطاع من الرأي العام في اليمن.
 
وفي موضوع ذي علاقة, فإن الرئيس يعوّل كثيراً على السياسة الخارجية لزيادة شعبية النظام داخلياً، ومن خلال التميز في إعلان مواقف اليمن من القضية الفلسطينية, وبشكل أقل القضية العراقية، حيث يتبنى خطاباً أقرب ما يكون إلى اتجاهات الرأي العام في الشارع العربي، ونقد السياسات العربية والسياسة الأمريكية، كما هو الحال في خطاباته أثناء مؤتمرات القمم العربية, وفي المقابلات مع وسائل الإعلام العربية.
 
وفي سياق مختلف, وباستثناء قضايا محدودة, فان التطورات الكبيرة التي تحدث في بعض الدول العربية والإسلامية لا تمثل في الغالب نقطة خلاف كبيرة بين الحركة الإسلامية والنظام السياسي, فغالبًا ما تتطابق مواقف الطرفين تجاه أبرز التطورات الإقليمية, سواء ما يتعلق منها بالقضية الفلسطينية, أو العراق أو غيرها، وغالبًا ما يحدث إجماع وطني تجاه القضايا الإسلامية القومية، حيث يتم التنسيق بين الطرفين ومعهما بقية الأحزاب والقوى السياسية لإصدار بيانات أو تسيير المظاهرات والاعتصامات أو الالتقاء بممثلي الدول والمنظمات الدولية، وإحياء فعاليات تتعلق بالقضية الفلسطينية أو العراقية.
 
 ويرجع الميل إلى اتخاذ الموقف الجماعية تجاه التطورات والأحداث الإقليمية والدولية, إلى طبيعة الحياة السياسية اليمنية, والتي تتسم بعدم حدوث تباين كبير بين الأحزاب والقوى السياسية تجاه عدد كبير من القضايا العربية والدولية، وولكي تتجنب الأطراف السياسية الضغوط الخارجية إذا ما التزمت بموقف لوحدها، فالإجماع الوطني يساهم في تقوية مواقف الحكومة والأحزاب الكبيرة تجاه الضغوط الدولية خاصة إذا كانت تلك المواقف تتعارض مع توجهات القوى الدولية والإقليمية الفاعلة.
 
ثانياً: ملف الجماعات الجهادية:
 
 بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان وسقوط الحكومة الموالية له, لم يعد هناك مبرر لبقاء المجاهدين العرب، وخاصة مع الاقتتال الذي نشأ بين فصائل الجهاد الأفغانية.
 
وفي ذلك الوقت كان هناك تحول في موقف السياسة الأمريكية والحكومات العربية من أولئك المجاهدين, فقد تم تصوريهم على أنهم مصدر تهديد لمصالح الولايات المتحدة واستقرار الأنظمة العربية, ولم يعد بإمكان كثير منهم العودة إلى بلادهم، وكانت اليمن واحدة من المحطات التي استقر بها بعض من يعرف بالأفغان العرب.
 
وأثناء الأزمة السياسية بين الرئيس علي عبد الله صالح ونائبه على سالم البيض, وظف الحزب الاشتراكي وسائل الإعلام التي يهيمن عليها, وعلاقاته في الداخل و الخارج لتخويف النظم السياسية العربية والدولية من نظام الرئيس, لإثارة موضوع المجاهدين العرب المتواجدين في اليمن, وكسب مواقفها إلى جانبه, وركز جهوده لإقناع الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وتونس وبقية الدول العربية التي تشهد علاقتها توترًا مع الجماعات الإسلامية العنيفة في بلادها.
 وقد تحول هذا الأمر إلى موضوع هام لإثارة الشكوك والمخاوف لدى بعض الدول العربية تجاه الحكومة اليمنية وقضية من قضايا الإعلام السياسي, وتكرر ذكر اليمن بمناسبة أعمال العنف التي تحدث في المنطقة, إذ يشير التقرير الاستراتيجي العربي عام 2003م، إلى أن اليمن كانت إحدى المحطات التي ينتقل عبرها "الإرهابيون" من باكستان وأفغانستان إلى مصر أو السودان، وأن عام 1993م يشهد ظهور قضية تمركز بعض العناصر المتطرفة المصرية داخل اليمن بعيدًا عن سيطرة الدولة، وممارستهم لنشاطاتهم فيها بمساعدة تنظيم الجهاد اليمني(13), وتورطها في بعض أعمال العنف داخل مصر.
 
وكان على السلطة اليمنية بعد حرب 1994م، أن تبدد الشكوك التي كادت تُدرج اليمن ضمن قائمة الإرهاب في العالم، فسارعت إلى وضع خطة أمنية ودبلوماسية لمواجهة هذا الملف, على اعتبار أنه أحد الاستحقاقات عليها لتطبيع علاقاتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية مع كثير من الأطراف في الأسرة الدولية, وبخاصة أمريكا ومصر وفرنسا وغيرها(14).
 
واتجهت الحكومة اليمنية إلى تنفيذ حملة ترحيل واسعة للأجانب المقيمين في البلاد, ومعظمهم من الإسلاميين والعرب الأفغان منذ عام 1995م، وتواصلت الحملة فشملت ما يزيد على أربعة عشر ألف شخص من جنسيات عربية وآسيوية وغربية، وشرعت بالتفاوض مع الدول المعنية بهذا الملف, ووقعت على اتفاقيات تعاون أمني ثنائية مع مصر والسعودية والجزائر وقطر وليبيا وغيرها، مكنتها من تسليم بعض العناصر المطلوبة من قبل هذه الدول, كما رحلت مجاميع أخرى(15).
 
كما أبدت اليمن استعدادها للتنسيق مع مصر خاصة, لحل أي مشكلة أمنية، وهو ما أسفر عن إغلاق مكتب إعلام الجهاد في صنعاء، وتبادل واسع للمعلومات على هذا المستوى, بعد أن كانت مصر قد طلبت من القيادة اليمنية حسم هذه المسألة، واتخذت بعض الإجراءات بخصوص الاتصالات التليفونية بين البلدين(16).
 
ويبدو أن الشكوك لم تنته من قبل بعض الدول العربية, والحكومة المصرية على وجه التحديد, حيال الإجراءات التي اتخذتها السلطة في اليمن تجاه بعض الأفراد والتنظيمات الجهادية، وبقي الملف الأمني أحد العوامل القلقة في العلاقات اليمنية المصرية.
 
ولعبت العوامل الذاتية لدى صانعي القرار في البلدين عاملاً مساعدًا في تضخيم العامل الأمني وزيادة الشكوك المتبادلة بين الحكومتين, وقد مثلت قضية عبد السلام الحيلة، أحد إفرازات تعقيد العلاقات الأمنية بين البلدين، والحيلة هو أحد ضباط المخابرات اليمنية (الأمن السياسي), وهو في ذات الوقت أحد رجال الأعمال، وعلى ما يبدو فقد كان مكلفًا بملف ترحيل الأفغان العرب من اليمن، وتتهم الحكومة اليمنية مصر بأنها استدرجت الحيلة من خلال دعوة قدمت له من شركة المقاولين العرب لزيارة القاهرة, وفيها تم اختطافه من قبل المخابرات الأمريكية، حيث تم ترحيلة إلى أذربيجان, ومنها إلى معسكرات الاعتقال بأفغانستان, ليتم استجوابه بشكل مستمر بشأن ما يعتقد بأنه معلومات عن المجاهدين العرب الأفغان.
 
وهناك عامل آخر كان له أثره أيضًا في توتر أجواء العلاقات اليمنية المصرية في مستواها الرسمي وتعكيرها، هو موقف البلدين المختلف من الحركات الإسلامية، ففي الوقت الذي شهدت فيه الحركة الإسلامية نموًا كبيرًا في الشارع السياسي اليمني وداخل مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية وفي البرلمان ومراكز صناعة القرار, كان النظام المصري في حالة حرب ومواجهة سياسية وأمنية مع العناصر الإسلامية، وحظرت مصر أي حزب سياسي(17) إسلامي, لأسباب تتعلق بالخوف من منافسة التيار الإسلامي.
 
ــــــــــــــ
المراجع:
 
(1)   http://www.ikhwanonline. net/vb/26/11/2002.p.3.
 (2) نيفين عبد المنعم مسعد، وعبد العاطي محمد أحمد، السياسات الخارجية للحركات الإسلامية، (جامعة القاهرة، مركز البحوث والدراسات السياسية، 2000م), ص: 36-37.
 (3) فواز جرجس، الحركات الإسلامية ودورها في الاستقرار السياسي في الوطن العربي، في الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي، (أبو ظبي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، ط1، 2002م), ص: 154.
 (4) حامد عبد الماجد قويسي، الأنظمة العربية والحركات الإسلامية، مرجع سبق ذكره، ص: 87-112.
 (5) فواز جرجس، الحركات الإسلامية ودورها في الاستقرار السياسي، مرجع سبق ذكره، ص: 157.
 (6) محمد عاشور، مصر وقضية السودان، في الدور الإقليمي لمصر في مواجهة التحديات الراهنة، مرجع سبق ذكره، ص: 368.
 (7) المرجع نفسه، ص: 379.
 (8) التقرير الاستراتيجي العربي، 1992م، (القاهرة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 1993م), ص: 400.
 (9) التقرير الاستراتيجي العربي 1993م، (القاهرة, مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، الأهرام، 1994م)، ص: 190.
(10) التقرير الاستراتيجي العربي 1993م, مرجع سبق ذكره,ص: 190.
 (11) المرجع نفسه، ص: 191.
 (12) محمد أبو مازن، "الفاعلون الجدد"، ‘إعادة ترتيب قواعد اللعبة الإقليمية ، السياسية الدولية، العدد (168)، أبريل 2007م، ص: 85-86.
 (13) التقرير الاستراتيجي العربي 2003م، مرجع سبق ذكره، ص: 421.
 (14) حمود منصر، العلاقات اليمنية الأمريكية، 1990-2000م، في (عدد من الباحثين) اليمن والعالم,(ندوة),( القاهرة, مكتبة مدبولي)ط,1, 2002م ص: 252.
 (15) المرجع نفسه، ص: 253.
 (16) التقرير الاستراتيجي العربي، 1993م، مرجع سبق ذكره، ص: 424.
 (17) محمود جمال محمد، العلاقات اليمنية المصرية، 1990ـ2000م، في(عدد من باحثين)، اليمن والعالم، مرجع سبق ذكره، ص: 200.

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك