مساعي الإرياني والنعمان للإطاحة بالسلال بدأت قبل عامين من انقلاب نوفمبر 1967

مخطئ من يعتقد أن الوثائق السرية الأميركية يمكن أن تكون بديلا لروايات السياسيين اليمنيين أو المؤرخين والباحثين، لأنها ليست سوى مصدر واحد من مصادر عديدة للمعلومات، ولم تكتب أصلا لهذا الغرض، وإنما كتبت لصناع القرار الأميركيين في فترة تاريخية معينة.
 
ومع ذلك فإن نشر الوقائع التي مضى عليها أكثر من ثلاثين عاماً سوف يفيد، بلا شك، في تحفيز ذاكرة أولئك الذين عاشوا تلك الفترات المهمة من تاريخ البلاد، وقد يساعدهم ذلك في إيضاح تفاصيل أو تصحيح معلومات، منسوبة إليهم. وهذا ما نأمله من الشيخ علي أبو لحوم الذي تطرقت إليه بعض الوثائق المنشورة في الحلقة الماضية. وهو الأمر الذي نأمله أيضا من بقية السياسيين اليمنيين الذين مازالوا على قيد الحياة، وأقارب المتوفين منهم، ممن ترد أسماؤهم في الوثائق، لأن الهدف في النهاية هو تسليط الضوء على حقائق تاريخية وليس التشهير بهذا السياسي أو ذاك.
 
وقد أكد رئيس تحرير "المصدر" مشكوراً أكثر من مرة أن الصحيفة على استعداد لنشر أي تعقيب أو تصحيح أو إجراء حوارات مع الآباء المشاركين في صنع تاريخ اليمن.
 
ومن جانبي أحب التأكيد مرة أخرى أن مسؤوليتي أمام القراء تقتضي استبعاد علاقاتي أو آرائي الشخصية عند اختيار الوثائق الصالحة للنشر.
 
وهناك أصدقاء أعتز بصداقتهم، وسياسيون بذلوا دماءهم من أجل اليمن، ولكن هذا لا يعني أن أستبعد الوثائق المتعلقة بهم، لأن هذه الوثائق ليست صكوك وطنية أوتخويناً لأحد، وإنما معلومات منسوبة لمصادر يمنية محكومة بظروف فترة تاريخية معينة، وتستحق هذه المعلومات الإيضاح من أصحاب الشأن أنفسهم أو من زملائهم المعاصرين لتلك الأحداث، وليست بأي حال من الأحوال بديلاً لروايات المؤرخين اليمنيين.

من السياسيين اليمنيين الذين لاحظ الكاتب تكرار ورود اسمه في الوثائق الأميركية أكثر من غيره من المصادر اليمنية، وسيكون محور هذه الحلقة، السياسي اليمني الراحل، أحمد سعيد، وهو وزير اقتصاد سابق، وكان موجوداً في منزل الشهيد إبراهيم الحمدي، عندما تلقى الحمدي يوم الحادي عشر من أكتوبر 1977، اتصالات متكررة من رئيس أركانه أحمد الغشمي، تلح عليه في المجئ، إلى وليمة غداء.
 
حاول أحمد سعيد ثنيه عن الذهاب إليها، لكن الرئيس الشهيد أصر على مجاملة نائبه وذهب إلى منزل الغشمي الواقع جنوبي العاصمة قرب ما يعرف اليوم بميدان السبعين.
 
وحضر الوليمة المشار إليها في منزل الغشمي كثيرون لم يكن بعضهم يعلم حتى بالهدف منها. ومن بين الحاضرين رئيس الوزراء عبدالعزيز عبدالغني، وزملاؤه من الوزراء عبدالسلام مقبل، ومحمد الجنيد، ومحسن اليوسفي، وغيرهم. كما حضر الوليمة الشيخ الراحل محمد الغشمي شقيق أحمد الغشمي، ومن العسكريين الرائد علي عبدالله صالح، وسائق الغشمي محمد الحاوري، وعلي التام، وآخرون وردت أسماؤهم في تقرير قدمه الوزير عبدالسلام مقبل لقيادات الحزب الناصري خلال اجتماع ضم كبار أعضاء المكتب السياسي للتنظيم عقب اغتيال الحمدي، وتضمن محضر الاجتماع تفاصيل مذهلة عما جرى، من المؤكد أن تفاصيلها وصلت إلى مسامع الراحل أحمد سعيد، ومن الأستاذ أحمد سعيد إلى آخرين".
 
ولهذا سنعود إلى الوراء قليلاً وننشر تفاصيل وثيقتين تعودان إلى عام 1965، لفت انتباه الكاتب فيهما تفاصيل جانبية من بينها واقعة إشهار الشيخ سنان أبو لحوم سلاحاً آليّاً باتجاه الرئيس السلال، وخطأ ارتكبه الدبلوماسي الأميركي كاتب التقرير، في وصفه للسيد محمد بن الحسين آل حميد الدين، باستخدام كلمة شيخ أمام اسمه، وهو ما يثبت جهل بعض الدبلوماسيين الأميركيين بتركيبة اليمن الاجتماعية.
 
ويلفت الانتباه أيضاً أن السياسي اليمني الراحل الذي ينتمي إلى محافظة تعز في شمال اليمن استخدم مصطلح الجنوب العربي وليس الجنوب اليمني في وصفه للأراضي التي كانت خاضعة للاستعمار البريطاني.
 
وتنبأ السياسي أحمد سعيد بسيطرة الروس عليها في وقت لاحق، بسبب سعيهم للوصول إلى مصادر الثروات.
 
 وفيما يلي النص الكامل لمحتوى الوثيقتين، وهما عبارة عن برقية سرية ومرفق بها مذكرة تفصيلية عن حوار جرى مع وزير الاقتصاد الأسبق أحمد سعيد:
 
الوثيقة الأولى:
برقية سرية موجهة من السفارة الأمريكية في تعز إلى وزارة الخارجية الأمريكية مع نسخ موجهة إلى البعثات الدبلوماسية الأميركية في جدة والقاهرة ولندن والكويت وعدن والظهران وطهران.
التاريخ: 13 نوفمبر 1965م
الموضوع: وزير سابق ورفيق للنعمان يناقش وضع ما قبل مؤتمر حرض.
إن المذكرة المرفقة بهذا كانت خاصة بالحوار الذي جرى في 6 نوفمبر 1965م بين القائم بأعمال السفير الأميركي في تعز وأحمد سعيد الذي كان وزيراً للاقتصاد في حكومة النعمان الأخيرة، حيث يقيم السيد سعيد حالياً في تعز كسياسي بدون منصب حكومي، لكنه يأمل أن يعود إلى شغل منصب حكومي كبير إذا وصل فصيل النعمان والإرياني إلى سدة الحكم بعد مؤتمر حرض. وتحتوي تصريحات السيد سعيد على تحليل مثير للانتباه حول موقف الجمهورية العربية المتحدة، حيث أنه يفترض أن المظاهرات المناهضة للسعودية التي جرت بتاريخ 29 أكتوبر يمكن أن تكون قد نظمت لإقناع أعضاء لجنة السلام السعودية بأن مصر فقط هي التي تستطيع السيطرة على الشعب اليمني الذي يعتبر صعب القياد.
 
كما أبلغ سعيد القائم بأعمال السفير الأميركي بأنه يعتقد أن التزام عبد الناصر باتفاقية جدة كان ناتجاً عن التهديد الأميركي بوقف الدعم له، حيث تحدث سعيد عن عدة تجارب لحكومة النعمان في التعامل مع القاهرة، كما قدم تحليلاً واقعياً مفاده أن زعماء القبائل في اليمن يمثلون مراكز القوى السياسية في البلاد. علاوة على ذلك، أبلغ القائم بأعمال السفير بأن النعمان كان قد أعد قائمة مرشحين لحضور المؤتمر تتألف من خمسين من زعماء القبائل، حيث كان رئيس الوزراء السابق يأمل بأن تلك القائمة سوف تكون مقبولة لدى الجانبين السعودي والمصري على حد سواء، وأنها سوف تأتي بقيادة تتحلى بالمسؤولية لحضور مفاوضات المؤتمر. وعلى الرغم من ذلك، كان النعمان قلقاً من أن الملك فيصل يمكن أن يصر على أن تحضر المؤتمر وفود أضعف من تلك التي احتوتها القائمة إلى جانب أن الملك قد يعارض انتخابه كرئيس للحكومة المؤقتة. كما أكد سعيد بأن الشيخ سنان أبو لحوم قد غادر إلى المملكة العربية السعودية في مهمة خاصة وأنه سوف يحضر مؤتمر حرض كوفد مشارك. وأضاف بأنه يحتمل بأن يقوم الشيخ بزيارة السفارة الأميركية في جدة. وفي ختام حديثه ناقش سعيد التهديد المحتمل من قبل الصين والاتحاد السوفييتي للمستقبل السياسي لليمن.
 
توقيع: ديفيد مكلينتوك
السكرتير الثاني للسفارة
عن القائم بأعمال السفير.
 
المرفق: مذكرة الحوار
مصدرها: السفارة الأميركية في تعز.
المشاركين في الحوار: أحمد سعيد وزير الاقتصاد اليمني السابق، و–هارلان. ب- كلارك- القائم بأعمال السفير الأميركي، و ديفيد مكلينتوك-السكرتير الثاني للسفارة.
المكان: السفارة الأميركية-تعز.
الزمن: الساعة الخامسة مساءً يوم 6 نوفمبر 1965م.
 
المواضيع التي تم مناقشتها:
1. أسباب المظاهرات المناهضة للولايات المتحدة التي جرت يوم 29 أكتوبر 1965م.
2. الأهداف الحالية للجمهورية العربية المتحدة في اليمن.
3. تجارب النعمان مع الجمهورية العربية المتحدة.
4. السياسة القبلية ومؤتمر حرض القادم.
5. المقترحات التي قدمها النعمان لوفود مؤتمر حرض.
6. السياسات الروسية والصينية تجاه اليمن.
 
وصل السيد سعيد إلى السفارة في الساعة الخامسة مساءً بناءً على الموعد الذي طلب تحديده مع القائم بأعمال السفير، وأوضح أن زيارته للسفارة لم تكن من أجل مهمة رسمية بل كانت زيارة ودية عادية.
 
وبعد أن قام الطرفان بتبادل الدعابات تحولا إلى مناقشة المظاهرات المناهضة للسعودية وأميركا والتي حدثت مؤخراً في صنعاء، حيث سأل السيد كلارك سعيد عما إذا كان يعرف من الذي كان يقف وراء تلك المظاهرات فأجاب سعيد قائلاً: "بعض العناصر في الحكومة ربما الجمهورية العربية المتحدة". وقد عبر السيد كلارك عن استغرابه من تورط مصر في مثل تلك الأعمال التي تمثل بوضوح انهزاماً ذاتياً.
 
لكن السيد سعيد أفاد أنه فيما يخص الجانب السعودي من تلك المظاهرات؛ ربما كان المصريون يحاولون إقناع زملائهم في لجنة السلام السعودية بأن الشعب اليمني لا يمكن السيطرة عليه، وأن مصر وحدها هي القادرة على السيطرة على الوضع في اليمن.
 
كما أنه أفاد بعد ذلك بأن عدداً من المشائخ اليمنيين، سواء كانوا مؤيدين أو معارضين للنظام الملكي، كانوا يشعرون بأن أعضاء لجنة السلام السعودية لم يكونوا على قدر كبير وكاف من الأهلية والكفاءة وأنهم ربما يغيرون آراءهم ومواقفهم بسبب تلك الأعمال التي قامت بها مصر.
 
أما فيما يخص الجانب الأميركي من قضية المظاهرات التي جرت يوم 29 أكتوبر 1965م فقد أوضح سعيد بأنه يمكن تحريض المتطرفين والغوغائيين بسهولة إذ يمكن لأي شخص أن يجعلهم يهتفون بعبارة "تسقط روسيا" بالبساطة ذاتها.
 
وفي ردٍ له على سؤال القائم بأعمال السفارة المتعلق بالأهداف المصرية فيما يتعلق بالوضع السياسي الحالي قال سعيد إنه يعتقد بأن عبد الناصر إنما قام بالتوقيع على اتفاقية جدة بسبب الضغوط الكبيرة التي مورست عليه وخصوصاً التهديد الأميركي بمنع القمح عن مصر.
 
من ناحية أخرى فإن الاتحاد السوفيتي قد وافق على تغطية احتياجاته من القمح لمدة ستة شهور على الأقل، ولذلك فقد كان لديه بعض حرية التصرف لكي يقوم بمواصلة تحقيق طموحاته في السيطرة على اليمن.
 
ولكن السيد كلارك لم يوافق على هذا الطرح من أن عبد الناصر كان يقوم بردة فعل تجاه أية ضغوط أميركية أو أجنبية، واقترح بأن من المحتمل بشكل أكبر أن عبد الناصر كان يتصرف وفقاً لمصالحه، وأنه كان يعمل على توجيه إمكانياته نحو تحقيق تلك الغاية.
 
بعد ذلك سأل السيد كلارك سعيد عن انطباعاته تجاه السفير المصري أحمد شكري وعن رؤيته الشخصية لمشكلة اليمن. أجاب سعيد بأنه لم تتح له الفرصة لمعرفة آراء السفير المصري الشخصية حول الوضع في اليمن لكنه من خلال اتصالاته الرسمية يفترض بأن السفير دائماً يتبع نفس السياسات والمواقف الرسمية للقاهرة.
 
وأضاف مازحاً: إنه مثلك تماماً- إنني أستطيع الحديث معك لمدة ساعتين ولا أتمكن من معرفة شيء جديد منك". فأوضح السيد كلارك أنه عموماً يريد أن يكون طرحه منسجماً مع السياسة الأميركية تجاه اليمن وأنه يريد أن يقول نفس الشيء الذي يقوله لأحمد سعيد وللحكومة اليمنية والمصريين أو غيرهم لا ليعطي وعوداً مختلفة لكل طرف. وعليه فإن على أحمد سعيد ألا يبحث عن وعود بالدعم مبالغ فيها بل يجب عليه وعلى جميع الأطراف الأخرى أن يعرفوا بأن الولايات المتحدة تسعى إلى تشجيع تسوية سلمية للمشكلة اليمنية ولكنها لا تستطيع إجبار أي طرف من الأطراف على اتباع رغباتها.
 
وقد أثار السيد سعيد موضوع الدعم الأميركي لعبد الناصر مشيراً إلى أنه وأعضاء آخرين من جناح النعمان والإرياني سيكونون الأكثر انزعاجاً من استعادة البرنامج السابق. كما أشار إلى أن "اليمن بلد ضعيف وإذا تركنا وشأننا فإننا ربما نكون قادرين على حل مشاكلنا في غضون عشر سنوات أو نحو ذلك".
 
وفي رد على عدة أسئلة حول مؤتمر حرض الذي كان موعد انعقاده يقترب، وكذلك المواقف المصرية، أشار سعيد بأن عبد الناصر ربما يكون قد وافق على جعل السلال يستقيل من منصبه قبل انعقاد المؤتمر بأسبوع واحد. وأوضح القائم بأعمال السفارة بأنه من الصعب على الغربيين وخصوصاً أولئك الذين ليس لهم دراية بشؤون الشرق الأوسط أن يستوعبوا فكرة لماذا يرفض أي زعيم أن يقوم بتسليم السلطة. ففي الولايات المتحدة –على سبيل المثال- يتحتم على الرئيس أن يترك السلطة بعد أربع سنوات، أو بعد ثمان سنوات إذا أعيد انتخابه. ثم إن السيد سعيد بعد ذلك قام بالحديث عن التجربة التي خاضها مع السلال في وقت مبكر من هذا العام مشيراً إلى أن النعمان كان قد اختلف مع الرئيس السلال وأنه أراد إخراجه من السلطة. مضيفاً أن النعمان وسعيد وبقية القيادات الحكومية ذهبوا إلى السفير المصري شكري لطلب الدعم ولكنهم لم يفشلوا في الحصول على ذلك الدعم فحسب، بل إنهم أيضاً أبلغوا بأن مصر سوف تعارض بشدة خطتهم تلك. علاوة على ذلك تحدث سعيد عن المشورة التي ذكر أن الإرياني قدمها لعبد الناصر بعد أسبوعين من قيام ثورة الجمهوريين بأن لا يبالغ في دعم أي فصيل بل عليه أن يتخذ موقفاً وسطاً وعملياً. ولكن عبد الناصر كان يعتقد أن الأسلحة الحديثة سوف تهزم القبائل في غضون شهر أو شهرين وبذلك فشل في العمل بتلك المشورة. كما فشل بنفس الطريقة في أن ينتهز الفرص في الوقت المناسب في اليمن، وبدلاً من ذلك انشغل بشكل يائس هو والسعودية وبريطانيا بجنوب الجزيرة العربية. وعلق السيد كلارك قائلاً بأن عملية التوصل إلى حل للمشكلة اليمنية المصرية كانت ممكنة وكان يعتقد أنه كان هناك مبرر للأمل في أن بريطانيا سوف تتخذ موقفاً إيجابياً إزاء ذلك.
 
وقد رحب سعيد بهذا المقترح وذكَّر السيد كلارك بأن حكومة النعمان قامت بحل وزارة الجنوب المحتل واضعة في الحسبان تحقيق هذه الغاية. ثم تحول الحديث بعد ذلك إلى سياسة القبائل حيث أشار سعيد إلى أن المشائخ يعتبرون الآن المركز الحقيقي للسلطة السياسية في اليمن.
 
وفي رد له على سؤال السيد كلارك حول المكانة النسبية لطبقة "السادة" الارستقراطية، أجاب سعيد أنه لا أحد من المشائخ ينتمي إلى طبقة السادة وأنهم في واقع الأمر يكرهون هذه الطبقة وأن كل واحد من أولئك المشائخ له مبرر خاص لأن يكره أسرة حميد الدين.
 
وأوضح أن أولئك المشائخ لم يكن لهم مكانة طيبة في عهد حميد الدين مثل المكانة التي يتمتعون بها الآن حيث أنهم كانوا يتعرضون لانتهاكات وإساءات مستمرة من قبل الحكم الملكي لآل حميد الدين.
 
وفي الوقت الحالي فإن عدد أولئك الذين يؤيدون عودة العائلة الملكية إلى السلطة لا يزيدون عن 10% من الشعب اليمني. وشرح أسباب هذه الكراهية الموجودة حالياً لآل حميد الدين، موضحاً أنه تم إعدام والد الشيخ عبدالله الأحمر وأخوه بسبب قيامهم بالثورة التي لم يكتب لها النجاح عام 1959م. كما قام الإمام بإعدام أخي الشيخ الغادر لمشاركته في محاولة انقلاب عام 1948م. ثم بعد ذلك سأل السيد كلارك أحمد سعيد عما إذا كان لديه معلومات إضافية حول جريمة الاغتيال التي ارتكبت مؤخراً ضد رفيق النعمان الزبيري.
 
أجاب سعيد بأنه حسب علمه أن التقارير المبكرة التي تناولت هذا الموضوع كانت صحيحة حيث ذكرت تلك التقارير أن محمد
الجيش المصري أعطى قاتل الزبيري موافقة ضمنية على الاغتيال ولم تقم مصر بأي تحرك لمعاقبته، بل تركتهم يفرون بكل سهولة
بن الحسين استأجر شخصاً ليقوم بجريمة الاغتيال، حيث ذهب القاتل في البداية إلى صنعاء لكي يتأكد من موقف القيادة المصرية فما كان من الجيش المصري إلا أن أعطى الرجل موافقة ضمنية على الاغتيال، ولذلك فقد عاد القاتل إلى ذي حسين وقام بقتل زعيم حزب الله (الزبيري) الذي كان يزور المنطقة. ولم تقم الجمهورية العربية المتحدة بأي تحرك لمعاقبة القتلة بل تركتهم يفرون بكل سهولة.
 
أما فيما يخص مسألة التمثيل القبلي في مؤتمر حرض القادم، فقد أوضح سعيد بأن النعمان والإرياني قد أعدا قائمة بخمسين اسماً؛ أي بواقع 25 شخصاً لكل طرف، حيث كانا يأملان أن تلك القائمة ستكون مقبولة لدى جميع الأطراف.
 
وزعم سعيد أن ولد النعمان- محمد أحمد نعمان- قام مؤخراً بتسليم تلك القائمة إلى أحد أمراء السعودية، ورغم عدم تلقي أي رد رسمي من السعودية. فإن فصيل النعمان قد سمع أخبارا تقول بأن الملك فيصل كان مسروراً وأنه يمكن أن يقبل تلك القائمة مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة عليها. وقال سعيد بأن مجموعته كانوا يأملون بأن تتشكل وفود المؤتمر من المشائخ الأقوياء والقادة الجمهوريين مثل أحمد نعمان طالما أنهم يمثلون مركز النفوذ السياسي القائم. (هذه رؤية مغايرة لتلك التي كان سعيد قد عبر عنها سابقاً في حديث سابق له مع القائم بأعمال السفير) ولكن النعمان رغم ذلك كان متخوفاً من احتمال قيام السعودية بطلب قائمة أخرى تتألف من وفود آخرين ضعاف آملة من خلال ذلك أن تمارس نفوذاً أقوى تجاه المصريين. كما أن النعمان كان قلقاً بنفس القدر حول رد فعل السعودية على إمكانية توليه رئاسة الحكومة اليمنية المقبلة.
 
وأكد سعيد بأن أمراء أسرة حميد الدين سوف يتم استبعادهم من المؤتمر. وذكر أن الشيخ سنان أبو لحوم سوف يحضر المؤتمر، وأن الشيخ الذي هو في طريقه الآن إلى السعودية، كان مؤخراً قد حصل له خلاف مع الرئيس السلال حيث قام أثناء ذلك الخلاف بانتزاع بندق أوتوماتيكي (الآلي) وصوبها إلى الرئيس السلال. وأنه الآن متحالف بقوة مع معسكر النعمان والإرياني. وأوضح سعيد بأن الشيخ كان صاحب رؤية خاصة، وسلوك مألوف ومشترك بالنسبة لزعماء القبائل. وفي ختام ذلك الجزء من الحوار المتعلق بالمستجدات القبلية عبّر القائم بأعمال السفير عن أمله بأن يقوم السيد سعيد أو أي شخص آخر مضاهٍ له في الكفاءة بتأليف كتاب عن التاريخ السياسي والقبلي لليمن، حيث أنه قام بقراءة العديد من الكتابات المتعلقة باليمن، ولكن لم يحتوي أياً منها على وصف دقيق لسلسلة الأحداث المعقدة.
 
تم سأل السيد سعيد عما إذا كان "صديقه القديم" هرمان إليتس قد وصل إلى جدة. أجاب السيد كلارك بأنه لم يسمع بذلك لكنه يعتقد أن عروبي بارز آخر وهو تالكوت سيلي كان لا يزال يشغل منصب القائم بأعمال سفارتنا في جدة. وعبر سعيد عن أمله بأن يتمكن السفير الأمريكي من استقبال سنان أبو لحوم وربما مساعدته. فرد السيد كلارك بأنه في الوقت الذي لم يكن أي منّا قادراً على ممارسة النفوذ المتعلق بالدعم الحزبي فإننا كنا دائماً سعداء للتحدث مع الأشخاص الذين يمثلون اليمن. وعلى ذلك فإنه يعتقد بأن السيد سيلي سيكون سعيداً لاستقبال الشيخ أبو لحوم. وسأل السيد كلارك السيد سعيد عن أفضل آماله بالنسبة لأي حكومة يمنية مؤقتة. فأجاب سعيد بنوع من التنبؤ بأن تلك الحكومة سوف تكون تابعة لنظام النعمان والإرياني.
 
فعلق القائم بالأعمال بأن حكومة النعمان السابقة كانت فعلاً حكومة جيدة، حيث كانت في الواقع من أفضل الحكومات التي عرفها في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن تلك الحكومة لم تكن ناجحة إلا أنها مثلت محاولة جريئة.
 
ثم سئل: متى يعتزم النعمان وبقية القادة اليمنيين العودة من القاهرة؟
 
أجاب سعيد بأنه غير متأكد من الموعد الدقيق لذلك. ولكن يبدو أنهم سوف يبقون في القاهرة لحسم عدد من القضايا الشائكة مثل العلم الذي سوف يستخدم من قبل الحكومة المؤقتة وتغيير الموظفين في إذاعة صنعاء. وعلق سعيد -شبه مازحاً- بأنه إذا هزم النعمان في مفاوضاته الحالية التي تجري في القاهرة فإنه يأمل أن يتم إبلاغه بذلك حتى يستطيع أن يحزم أمتعته ويقوم بمغادرة اليمن بسرعة. ثم استفسر السيد كلارك عن موقف الاتحاد السوفيتي تجاه اليمن والجمهورية العربية المتحدة.
 
أجاب سعيد بأن الاتحاد السوفيتي حسب معرفته يدعم بشدة الموقف المصري. ونتيجة لذلك فإن الشيوعيين الصينيين يعارضون الوجود المصري في اليمن لأن ذلك من شأنه أن يعطي الاتحاد السوفيتي نفوذاً أكبر في الشؤون اليمنية. وذكر بأن رئيس الوزراء العمري كان يود أن يقوم بزيارة موسكو أثناء مهمته الأخيرة التي كان يقوم بها في العواصم العربية والصديقة من أجل حشد الدعم للجمهورية. وقد رفض الروس هذا المقترح.
 
وأكد سعيد في موضع آخر من الحوار اعترافاته حول ضعف جمهورية اليمن قائلاً بأنه كان قلقاً من احتمال أن يكون الروس والصينيون قادرين يوماً ما على الاستيلاء على مقاليد الحكم. وأوضح بأن الروس كانوا تواقين بوضوح للموارد النفطية الموجودة في بلاد جنوب الجزيرة العربية. وكما هو عليه الحال دائماً فإنهم إذا لم يكونوا قادرين على الحصول على شيء ما فإنهم يقومون بإتلاف ذلك الشيء كي لا يحصل عليه الآخرون. فالروس لديهم إمكانيات تحرك في هذا الاتجاه أكثر من الصينيين الذين يجب عليهم دائماً الاعتماد على مسألة بناء أتباع متشددين. وفيما يتعلق باليمنيين فإنه يشك فيما إذا كان الكثير منهم سوف يتحولون إلى شيوعيين ناضجين.
 
وبالعودة بأسلوب موجز إلى الوضع الأمني الداخلي وجهود لجنة السلام المصرية السعودية، سأل السيد كلارك السيد سعيد عما إذا كان لديه معلومات عن وصول قوات سعودية إضافية. أجاب السيد سعيد بأنه سمع بوصول تعزيزات في الأيام القليلة الماضية وأن مجموع تلك القوات وصلت إلى ما بين 700-1000 رجل. وفيما يتعلق بموضوع المظاهرات، علق سعيد قائلاً بأن مظاهرات جديدة ممكن أن تحدث مرة أخرى، حيث يمكن تحريض العناصر غير المسؤولة على القيام بمظاهرات كما حدث من قبل، حيث أن سيطرة الحكومة على الوضع تعتبر محل شك. وأبدى السيد كلارك ملاحظته تجاه الانفلات الأمني شبه المتعمد من قبل مدير أمن صنعاء محمد الخطري أثناء مظاهرات 29 أكتوبر. فعلق سعيد قائلاً: "بالطبع هو معروف بأنه تابع مقرب للمصريين". وأضاف أنه عندما كان النعمان في السلطة فإنه أراد عزل الخطري ولكن الرئيس السلال تدخل شخصياً لإبقائه في منصبه كضابط رفيع المستوى في الجهاز الأمني. وقد اختتم الحوار بنقاش موجز لقضية حالية تتعلق بالقنصلية الأمريكية حيث قام السيد سعيد بمساعدة السفارة فيها.
 
مكلنيتوك
7 نوفمبر 1965
 
هذه الوثائق خاصة بالمصدر أونلاين ولا يسمح بإعادة نشرها.
 

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك