محمد النعمان يلخص تاريخ اليمن المعاصر في ساعة واحدة

في جلسة استغرقت ساعة ونصف الساعة، لخص السياسي اليمني الراحل محمد أحمد نعمان (نجل الاستاذ النعمان) أفكاراً تاريخية مهمة عن أحداث اليمن بعد الثورة، والأسباب التي قادت الإصلاحيين اليمنيين للتخلي عن الإمام البدر والانقلاب عليه. وأثار انتباهي أن النعمان انتقد صديقه البدر واصفاً إياه بالمراوغ، وأن سياسته الخارجية منذ أن كان ولياً للعهد كانت قائمة على الدس، أو ما نسميه باللهجة اليمنية " الإحراش" أو " الربش" وهي سياسة لا تقوم على استراتيجية معينة، وإنما طبيعة متأصلة في بعض السياسيين اليمنيين. وأوضح النعمان أن البدر كان يغتاب الملك حسين أمام عبدالناصر، ويذم عبدالناصر أمام الملك حسين.
 
وبما أن الجلسة التي ستكون محور هذه الحلقة تمت في الكويت فقد ذكرني ذلك بالعزلة التي تعرض لها الرئيس اليمني أثناء حضوره لقمة الكويت الاقتصادية الأخيرة. تجنب رؤساء الوفود اللقاء برئيسنا إلى درجة استبعاده من مأدبة مصالحة بين الزعماء العرب الأمر الذي جعله يسرع في العودة إلى صنعاء قبل انتهاء أعمال القمة. ويأخذ بعض القادة العرب على القيادة اليمنية سعيها لتأليب هذا على ذلك ونقل أسرار عن هذا لذاك. وهناك وثائق حديثة ليس مجالها هنا تؤكد أن كثير من الخلافات الشخصية بين صدام وفهد كان المتسبب فيها طرف يمني.
 

ومن يقرأ تاريخ اليمن السياسي قبل ثورة سبتمبر وبعدها ربما يتساءل: هل غيرت الثورة واقع اليمن أم أننا بحاجة إلى ثورة جديدة لتغيير عقلية السياسي اليمني ونفض غبار الإمامة من مخيلة صانع القرار وأسلوبه في الدس والوقيعة بين الآخرين في الداخل والخارج؟ ولكن من المؤسف أن الشخصيات اليمنية العظيمة التي حظيت باحترام الداخل والخارج جرى التخلص منها بالتصفية الجسدية الوحشية.

 

ومن يقارن بين أفكار محمد أحمد نعمان وإبراهيم الحمدي وجارالله عمر، على سبيل المثال سيجد أننا أمة تقتل الأخيار من أبنائها، وتعطي الأشرار جرعا طويلة من حياة مليئة بالصولات والجولات والرحلات التي ندفع نتائجها من كرامتنا ومن مستقبل أجيال بأكملها.

 

ماذا لو كان محمد النعمان موجوداً بيننا اليوم، ألن يكون رمزاً حقيقياً يفخر به كل يمني لما يتمتع به من ذكاء ووعي سياسي ونفاذ بصيرة؟ وماذا لو أن إبراهيم الحمدي لم يقتل في عام 1977؟ ألن تكون ديكتاتوريته الرحيمة أفضل من ديمقراطية اليوم المرعبة؟! ألن يرفع اليمني رأسه عاليا أينما رحل فخوراً برئيسه؟! لو أن النعمان والحمدي وجارالله عمر جميعاً وفي آن واحد، مازالوا بين اللاعبين السياسيين في هذا العصر، كيف لنا أن نتصور مستقبل اليمن؟

 

في هذه الوثيقة، سنرى كيف كان محمد النعمان يمثل بلاده في الخارج بمنتهى المسؤولية، ويسعى من أجل مصلحة الوطن العليا، وراء الكواليس، بعيداً عن المزايدات والشطحات والعنتريات التي لا جدوى منها. ولم يسع الرجل لإشعال الخلاف بين ناصر وفيصل بل أدرك الرجل منذ وقت مبكر أن خلاف عبدالناصر مع الملك فيصل ينعكس سلباً على اليمن واليمنيين، فحاول بكل الطرق أثناء مشاركته في السلطة وعندما كان خارجها أن يكسب الملك فيصل بصورة لا تغضب عبدالناصر كي يعود السلام إلى اليمن وهو ما تحقق في وقت لاحق بالفعل ولكن بعد تضحيات جسيمة. وفي هذه الوثيقة سنتعرف على جانب من النزعة التوفيقية في شخصية فقيد اليمن العظيم، ورجل التحديث الأول محمد أحمد نعمان، وسأترك الوثيقة تتحدث عن نفسها.

 

برقية إلى الخارجية الأميركية

مصدرها/ السفارة الأميركية بالكويت مع نسخ موجهة إلى البعثات الدبلوماسية الأميركية في كل من عدن، القاهرة، الظهران، جدة، تعز
التاريخ: 14 يونيو 1965م
الموضوع/ حوار مع السياسي اليمني محمد أحمد نعمان.
 
 

مرفق بهذه البرقية المذكرة الخاصة بالحوار الذي دار بين مسؤول العلاقات العامة بسفارة الولايات المتحدة في الكويت ومحمد أحمد نعمان نجل رئيس الوزراء اليمني النعمان.

 

إن النعمان الابن الذي يحمل درجة سفير موجود في الكويت حاليا في مهمة تتعلق بجهود الوساطة الكويتية في اليمن.

 

لقد كان الحوار مثيراً من زاوية تاريخية، حيث شرح فيه النعمان كيف أن ولي العهد البدر وآخر الإئمة قد حاد عن جادة الصواب. كما أن الأفكار التي طرحها النعمان في الحوار كانت أيضاً مثيرة، حيث أوضح من خلالها الإمكانية التي يمكن من خلالها أن يستمر الكويتيون في جهود الوساطة التي يقومون بها في اليمن. كما اشتمل الحوار على شرح النعمان لفلسفته الخاصة بأفضل مسار مستقبلي للعلاقات اليمنية- السعودية.

عن السفير
جفرن. ن. كاتش. جر
قنصل السفارة
 
مذكرة الحوار
المشاركون: محمد أحمد نعمان نجل رئيس الوزراء اليمني، عادل الجراح، مدير مكتب وزير الخارجية الكويتي، وعيسى. ك صباغ، ضابط العلاقات العامة في سفارة الولايات المتحدة بالكويت.
 

الزمن: الساعة السادسة مساء حتى الساعة السابعة والنصف مساء يوم الجمعة الموافق 11/6/1965م.

المكان: مقر إقامة عادل جراح- الكويت.

 

قام السيد صباغ بزيارة عادل جراح لكي يودعه قبل سفره إلى السعودية بصحبة وفد كويتي لمناقشة المشكلة اليمنية مع العاهل السعودي فيصل بن عبدالعزيز، وقد أبلغ جراح مسؤول العلاقات العامة بأن السفير اليمني محمد أحمد نعمان سوف يأتي لزيارته (جراح) وأن الفرصة مواتية للصباغ (مسؤول العلاقات العامة بالسفارة) أن يلتقي إذا رغب بالسياسي اليمني. فأجاب صباغ بأنه سوف يفعل ذلك. وبعد وصول النعمان قام جراح بتعريفه على مسؤول العلاقات العامة حيث أفاد النعمان بأن والده قد حدثه عن الصباغ وأنه كان يستمع إلى برامجه الإذاعية منذ عشرين عاماً.

 

وفي رده على أسئلة جراح بخصوص طلب إيضاحات معينة لم يتردد النعمان في إعطاء الملاحظات التالية بحضور الأخ صباغ-مسؤول السفارة:

 

1 - إن البدر كان شخصية ذكية وجذابة، ولكنه عاش لفترة طويلة تحت عباءة والده الإمام أحمد، ونتيجة لذلك فقد أصبح مراوغاً إلى درجة كبيرة. فقبل اندلاع الثورة اليمنية قام بالتشهير بالملك حسين أمام عبدالناصر كما أنه قلل من شأن عبدالناصر أمام الملك حسين.

2 - وباعتباره ولياً للعهد فقد تمكن البدر من تشجيع العناصر التقدمية في اليمن على الاعتقاد بأنه عندما يخلف والده في الحكم سوف يكون بالتأكيد أكثر ليبرالية وأقل استبداداً.

3 - وعندما حان الوقت لم يف البدر بالوعود التي قطعها على نفسه.. كما هو مذكور في الفقرة (2)، حيث كانت هذه هي بداية نهايته ويمكن إجمال ذلك على النحو التالي:
 

أ- أثناء مبايعة الإمام البدر بعد وفاة والده أعرب عدد كبير من مشايخ القبائل عن أملهم في أن البدر سوف يفتح صفحة جديدة في تاريخ اليمن، وأن الإمام الجديد سوف يلبي مطالبهم في القيام بإصلاحات جديدة في البلاد. لكن البدر ثارت ثائرته نتيجة تلك المطالب ورد على شيوخ القبائل بكل عنجهية قائلاً: "أنا الإمام الآن. وسوف أتصرف كما أشاء ولن أصغي لأي شروط سواء كانت منكم أو من غيركم. وواصل قائلاً: "وكما تعلمون فإنني قادر على جعل العديد من الرؤوس تتدحرج على الأرض".

 

وأضاف النعمان "لقد كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعير. حيث أن كثيراً من المشائخ الذين كان أبناؤهم ينتمون إلى التيار التقدمي والذين كانوا أنفسهم يدافعون عن البدر قد انقلبوا ضده وأعطوا أبناءهم -الذين تحالفوا مع مجموعة من الضباط اليمنيين لتدبير انقلاب ضد البدر- الضوء الأخضر في أن يستمروا في التخطيط لذلك الانقلاب".

 

ب- ووفقاً للنعمان، فإن البدر ارتكب خطيئة أخرى جلبت ضده عداء الشعب اليمني. حيث أنه صرح أثناء قبوله رسمياً منصب الإمام قائلاً: "سوف أتبع سياسة والدي المرحوم الإمام أحمد". وقد كان ذلك الإعلان يوحي لشريحة كبيرة من اليمنيين بأن البدر لن يحدث أي تغيير.

 

وقال النعمان إنه كان صديقاً للبدر وأنه أدرك عقب تلك الحادثتين أن الانقلاب المتوقع قد لا يمكن تفادي حدوثه وربما لايمكن تأجيله.

 

وألقى النعمان باللائمة على حسن إبراهيم الذي كان وزير الخارجية أثناء حكم الإمامة، حيث أفاد بأن اليمنيين كانوا يكرهون حسن إبراهيم بسبب شعوره الدائم بالعظمة والاستعلاء وقد غرس تلك الصفات في شخصية البدر (وقد تم قتل حسن إبراهيم من قبل الثوار).

 

4 - كان البدر يجرؤ أحياناً على مخالفة والده في الرأي، لكن الأب الذي يبدو أنه قد استمال ابنه كان يضحك ويقول: "ماذا تريد أكثر من هذا لقد جعلتك ولياً للعهد"، وبأسلوب أو بآخر يقوم البدر بتنفيذ مطالب والده.

 5 - إنه من المؤسف حقاً أن بعض اليمنيين الجيدين قد قضوا أثناء المجازر التي حدثت أثناء الكفاح الثوري ومن ضمنهم على سبيل المثال الأمير حسن بن علي الذي كان محبوباً بشكل كبير لدى الشباب اليمني حيث كان يكرس جهوده دائماً لخدمة مصالح الشعب اليمني.
 
6 - إن الحكومات المختلفة التي جاءت بعد قيام الثورة لم تكن تعمل لصالح الوطن، حيث كانت القوات المصرية تحافظ على بقاء تلك الحكومات، وكان قائد القوات المصرية في صنعاء هو الحاكم الفعلي لليمن.
 
7 - قال النعمان "إننا نريد أن نغير كل ذلك. نحن نريد السلام والهدوء في اليمن. لا نريد بقاء المصريين في اليمن مثلما أن الملك فيصل لا يريد بقاءهم. لكننا نريد أن يتم ذلك بطريقة لا تجلب عداء عبد الناصر".
 
8 - إن الوفد اليمني الذي قام بجولة إلى جميع الدول العربية برئاسة النعمان الأب كان لديه رغبة حقيقية وصادقة أن يجعل جميع العرب يشهدون على جديتنا.
وقد شبه النعمان الابن تلك الجولة بالاعتراف الصريح بالأخطاء العديدة التي ارتكبتها اليمن منذ قيام الثورة، حيث يعترف النعمان ورفاقه بأن الحملات الدعائية ضد الملك فيصل والمملكة العربية السعودية كانت غير ضرورية وغير مستساغة.
وقد قررت الحكومة الحالية أن يقوم ذلك الوفد بزيارة سوريا وكانت تعرف بأن تلك الخطوة سوف تجلب سخط عبدالناصر ضدها.
 

وأشار النعمان إلى أن "السوريين قد تملصوا وأحرجونا من خلال إعلانهم بأنهم سوف يرسلون وفداً إلى اليمن يتألف من مجموعة مستشارين عسكريين وأنهم سوف يقدمون لنا الدعم المالي".

 
المواضيع التي سوف يناقشها الوفد الكويتي مع الملك فيصل:
 
تحت هذا العنوان بدأ النعمان الابن في سرد تفاصيل المواضيع التي سوف يقوم الوفد الكويتي بمناقشتها مع الملك فيصل.
 
وقد بدأ النعمان حديثه مع جراح بالقول لقد برهن صديقنا صباح هذا اليوم بأنه لا يعرف شيئاً عن اليمن".
 
"اتضح فيما بعد أنه كان يشير إلى وزير الخارجية الكويتي الذي عقد معه النعمان اجتماعاً بحضور جراح".
 

وفيما يلي المواضيع التي اقترحها النعمان حيث طلب ورقة وقلماً لكي يقوم بتدوينها.

1 - القيادة أو الزعامة الروحية لليمن:

لقد أراد النعمان أن يبرهن على أن الهالة الخاصة بالنظام الإمامي بدأت تخبو وخصوصاً لدى جيل الشباب. حيث كان الإمام الزيدي "لا يعلو عليه أحد سوى الله" ما دام الإمام باقياً، حيث أنه منزه عن الخطأ وعليه فإن من الواجب طاعته. ولذلك فإن أي شخص يخالف الإمام سواء كان ذلك باللسان أو بالقلب أو باليد فكأنما ارتكب إثماً يستحق عليه العقاب الشديد. أما الآن فإنه لا يوجد أحد بين الشباب اليمنيين يقبل مسألة العصمة من الخطأ أو قداسة الإمام.

 

حتى وإن كنا سنمضي قدماً مع الطرح الذي مفاده بأن سوف يكون لدينا إمام كزعيم روحي فإنه لن يمضي وقت طويل حتى نشهد صراعاً على منصب الإمام ابن البدر وعمه الحسن. ونحن نعرف أيضاً بأن البريطانيين والأميركيين سوف يميلون إلى دعم حسن.

 

2 - كيف يمكن تحقيق استقلالية العمل بالنسبة لليمن بدون توجيه صفعة لعبد الناصر؟ أو بمعنى آخر، كيف يمكن إرضاء عبد الناصر؟ 

 

3 - كيف يمكن تهدئة مخاوف الملك فيصل من يمن يعج بالقوات المصرية.

 

وقد تحدث النعمان بإسهاب حول النقطة التالية: 

أ - الحكومة الجديدة (بقيادة والده) تحتاج إلى علاقة صداقة حقيقية مع الملك فيصل.

ب- نحن نتعهد بصدق بأننا لن نسمح بأن تصبح اليمن قاعدة لشن هجمات على السعودية كما كانت في الماضي. 

ج- يجب على الملك فيصل بأن يتخوف من أية مشاكل تأتي من اليمن فقط في حالة حدوث أي انهيار داخلي في السعودية بسبب المناوئين لنظام الملك فيصل الذين قد يستفيد منهم مدبرو المكائد والمؤامرات.

وقد أثبتت الأحداث بأن الملك فيصل بالذات قد ثبت دعائم حكمه في السعودية بشكل قوي وأن لديه شعبية كبيرة هناك. 

د- إن النظام الجمهوري التقدمي في اليمن مستعد لتكوين علاقة صداقة وتعاون مع السعودية وذلك يعد ضمانة كافية للملك فيصل بأنه لن يأتيه أو يأتي بلده أي تهديد من قبلنا. 

 

4 - كيف يمكن إرضاء الملك فيصل وجعله يبدو غير خاسر؟

5 - ينبغي أن يكون موقف الوفد الكويتي تجاه الملك فيصل يمثل موقف بعثة نوايا حسنة وليس كبعثة وساطة تفترض بأن الحلول موجودة في جيوب أعضائها.
 

كما أن حكومة الجمهورية اليمنية لا تريد توريط الوفد الكويتي بشكل كبير في موضوع النزاع في اليمن.

 

ويجب أن تسعى البعثة المتوجهة إلى السعودية في أن تعمل على خلق أجواء مناسبة للتفاهم بين الملك فيصل والنعمان الابن الذي سوف يكون مسروراً لرؤية الملك فيصل.

 

6 - إذا أوقف الملك فيصل الدعم للملكيين واضعاً نهاية لاتفاقية فك الارتباط فإن تابعيه سوف يسخرون من ذلك. وذكر النعمان من أولئك التابعين على وجه الخصوص كمال أدهم صهر الملك فيصل.

وكان هناك دعم كبير يقدم للملكيين مباشرة من بريطانيا عبر إيران، حيث كانت تستخدم منطقة الدمام في السعودية لشحن الأسلحة. وعندما استأذن الصباغ بالخروج سأله جراح عما إذا كان لديه أي مقترح يقدمه حول زيارة الوفد الكويتي للملك فيصل. "أصغى النعمان الابن لذلك السؤال وأبدى تأييداً له".
 

وقد اقترح مسؤول العلاقات العامة أن يعقد أعضاء الوفد الكويتي لقاء خاصاً مع عمر السقاف قبل أن يتم استقبالهم رسمياً من قبل الملك فيصل. 

وقد رد النعمان الابن بأن ذلك يعتبر فكرة طيبة.

وأضاف النعمان قائلاً: "لا داعي لوجود الأمير سلطان في ذلك اللقاء الخاص".

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك