قرينة العيني تخشى الخطر الشيوعي وتحث الأميركيين على المساهمة في صد الصين والسوفييت ثقافياً

في الحلقة الماضية تعرضنا لقصة المليوني جنيه استرليني، التي قيل أن الملك الراحل فيصل أرسلها للشهيد الزبيري لتمويل تحركه السياسي المناوئ للرئيس السلال، والمتمثل في مؤتمر خمر، الذي شاءت الأقدار ألا يحضره الزبيري. وبعد الرجوع إلى مذكرات الشيخ الأحمر وقراءة المراسلات بينه وبين السلال، اتضح أن أقرب ثلاثة أشخاص من المحيطين بالزبيري في تلك الأيام هم، الشيخ عبدالمجيد الزنداني، والاستاذ محمد الطيب، والاستاذ محمد لطف الفسيل. وهؤلاء الثلاثة مازالوا على قيد الحياة، وبإمكانهم توضيح الغموض المحيط بما حدث، لو أرادوا. ولا يوجد في المذكرات التاريخية ما هو أكثر وضوحاً مما طرحه الشيخ الراحل عبدالله الأحمر. وقد أوضح الشيخ في مذكراته أن الأستاذ أحمد النعمان والقاضي عبدالرحمن الإرياني، كانا قد انضما إلى الزبيري في برط، ويبدو أنهما كانا هدفين أيضا للكمين الذي أودى بحياة الزبيري، بأيدي قتلة يقال أن الذي أرسلهم هو محمد بن الحسين، ونجا من الكمين الإرياني والنعمان لأن الزبيري تقدم عنهم بخطوات قليلة.
 
ونحن هنا نحتاج لشهادة الزنداني والفسيل والطيب لعدة أسباب، من بينها، أن الشيخ الأحمر أكد في كتابه، أن مؤتمر خمر جرى تمويله كلياً من قبائل حاشد التي استضافت المؤتمرين في منازل تابعة لأبناء القبائل وقدمت الذبائح وأكرمت الضيوف، وبالتالي، فإن المؤتمر لم يستفيد من الأموال المفترضة التي كانت بمعية الزبيري. والسبب الثاني هو أن القتلة تم اعتقالهم وسجنهم عدة أيام بعد استجوابهم ولكن جرى إطلاقهم أو تهريبهم من السجن لأسباب لا يعرفها إلا المعاصرون لتلك الفترة التاريخية المهمة، ويتحتم عليهم الخروج عن صمتهم حول هذه الجريمة التي تحل ذكراها الرابعة والأربعين بعد أيام قليلة.
 
وفي هذه الحلقة، سنتاول وثيقة جديدة تتعلق بشكل أو بآخر بمقتل الزبيري، وهي عبارة عن جلسة نسائية، حضرتها زوجات دبلوماسيين أميركيين في وجود أرملة الشهيد الزبيري، بدعوة من الاستاذة عزيزة عبدالله أبو لحوم زوجة السياسي اليمني الكبير محسن العيني.
 
كانت الشكوك حينها تدور حول دور سعودي مفترض في مقتل الشهيد الزبيري، حيث أعربت إحدى الحاضرات عن رغبتها الكاسحة في الانتقام من الملك فيصل بسبب مقتل الزبيري. ولكن إرسال مليوني جنيه استرليني من الملك الفيصل لدعم مؤتمر خمر الذي تبناه الشهيد الزبيري قبل مقتله ينفي أي دور للملك فيصل في التخلص من الزبيري، علاوة على أن الملك الراحل لم يعرف عنه التآمر للتخلص من حياة أحد، بل كان هو نفسه ضحية لمؤامرة استهدفت حياته. أما المصلحة السياسية للملك فيصل فكانت تكمن في دعم الزبيري وليس في التخلص منه، لأن الزبيري كان صوتاً قوياً ضد النفوذ المصري في اليمن، أي النفوذ الذي كانت تخشى منه السعودية.
 
ويبقى القول إن الوثائق الأميركية والبريطانية ليست كافية لإزالة الغموض بدون أن يشارك الآباء والأمهات المعاصرون لتلك الأحداث في الإدلاء بآرائهم فيها. ويجب الإشارة هنا إلى أن الأستاذة والأديبة الكبيرة عزيزة عبدالله أبو لحوم يتوفر لديها كنز من المعلومات لا يستهان به، ولا يقل أهمية عن المخزون المحفوظ في ذاكرة رفيق حياتها الأستاذ محسن العيني، ونتوقع منها أن تروي الذكريات المتعلقة بوطنها، وأن تشارك في أي نقاش يدور حول أحداث تاريخية شاركت فيها أو اطلعت عليها، لأن المخزون المعرفي هو أمانة في أعناق الآباء والأمهات يجب نقله للأجيال بكل الوسائل المتاحة، وعلى وجه الخصوص أمهات لنا في مكانة الوالدة العزيزة عزيزة أبو لحوم التي خرجت من بيت سياسي، وعاشت مع سياسي يمني كبير، ولديها الكثير مما يمكن أن تقوله.
 
وفيما يلي ترجمة كاملة لوثيقة أميركية تعتبر مثالاً واحداً على الدور السياسي المهم الذي تلعبه زوجات السياسيين:
 
برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية
مصدرها/ السفارة الأمريكية-تعز
نسخ موجهة إلى البعثات الدبلوماسية الأمريكية:
التاريخ: 8 يونيو 1966م
عنوان الوثيقة: آراء زوجة السفير العيني
 
تتواجد الآن زوجة السيد محسن العيني سفير اليمن لدى الولايات المتحدة الأميركية، حيث أن أختها كانت مريضة وترقد في المستشفى، وقد عادت لزيارتها. وقد أدت عودتها إلى اليمن إلى عقد العديد من اللقاءات الاجتماعية بين النساء في صنعاء، حيث تم حضور اثنين من تلك اللقاءت من قبل زوجات مسؤولي سفارتنا في صنعاء، وكن الأجنبيات الوحيدات اللاتي شهدن تلك اللقاءات.
 
وقد تم في الاجتماعين اللذين غلب عليهما الطابع النسائي تناول العديد من القصص المتنوعة والرائعة التي كان يجب ألا تتناول الأمور الرسمية. ورغم ذلك فقد تم التطرق إلى القضايا السياسية والاجتماعية أثناء تلك الاجتماعات النسوية.
 
وتعتبر "عزيزة" زوجة العيني بنت الشيخ سنان أبو لحوم (جرى تصحيح المعلومة في برقية لاحقة بأنها أخت سنان أبو لحوم وليس ابنته) الذي يتمتع بنفوذ كبير، وهو أحد الموقعين على اتفاقية الطائف عام 1965م، ويعتقد أن لديه ميولاً للمصالحة مع السعودية بخصوص التوصل إلى تسوية حول الوضع السياسي في اليمن الذي وصل إلى طريق مسدود. وفي ضوء هذه العلاقة، فإن المواقف والتعليقات الصادرة عن السيدات تكشف عن كثير من المعلومات منها:
 
1 - أن أم وأرملة الشهيد محمد محمود الزبيري تحظيان بكثير من التقدير والاحترام وتأخذان مكاناً مرموقاً في هذه المناسبات. حيث قامت والدة مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، يحيى جغمان، في إحدى تلك المناسبات، بتقليد قناص عن طريق الإشارة، وذلك لتشرح الطريقة التي تحب أن تتعامل بها مع الملك فيصل رداً على مقتل الزبيري. ويبدو أن بقية النسوة كن يشاركنها تلك المشاعر.
 
2 - إن زوجة العيني أخبرت السيدات الأمريكيات بأنها قامت بدعوتهن لحضور تلك الجلسات لكي يلتقين بهذه المجموعة من النساء من أجل أن يتعرفن على قريبات الزبيري وإقامة علاقات معهن ما دامت النساء الروسيات قد أبدين اهتماماً كبيراً بهن.
 
3 - أفادت زوجة العيني أن أختها حضرت مهرجانات عرض أفلام في السفارة الصينية في صنعاء وتأمل في أن التعرف على الأمريكيات سوف يكون بداية لإقامة علاقة معهن وذلك من أجل أن تحل تلك العلاقة محل العلاقات التي تم إقامتها مع نساء من المعسكر الشيوعي. وقد بدت زوجة العيني مندهشة ومنزعجة من الأنشطة والفعاليات التي تقام من قبل اليمنيين المواليين للصين والاتحاد السوفيتي.
 
4 - علقت والدة جغمان بمرارة على وضع النساء في اليمن في ظل حكم الأئمة، وكذلك الجهل الذي كن يعانين منه. وهي تود البدء في تعلم اللغة الإنجليزية وذلك كجزء من جهودها الهادفة إلى المشاركة في جميع أنشطة الحياة والمصالح المرتبطة بها.
 
5 - فيما يتعلق بمضغ القات، أفادت زوجة العيني لزوجة أحد مسؤولي السفارة بأنه لا يجب عليها (زوجة مسؤول السفارة) مضغ القات إذا لم ترغب بذلك، لكنه يتوجب عليها (زوجة العيني) أن تقوم بذلك لكي لا تبدو وكأنها قد أصبحت أجنبية نتيجة إقامتها في الولايات المتحدة.
 
وفي حوار دار بين زوجة مسؤول السفارة وبين العديد من النسوة حول مكان إقامتهن، أوضحت زوجة العيني بأن المسافة إلى واشنطن تصل إلى أكثر من ست ساعات بالسيارة، وذلك حتى توضح بأن المسافة بينها وبين صنعاء كبيرة لكيلا تضيع وقتها سدى في توضيح المسافة بين صنعاء وواشنطن لمجموعة من النسوة اللاتي ليس لديهن أي تصور حول العالم الخارجي.
 
عن القائم بأعمال السفارة
لي إف. دينسمور
السكرتير الأول في السفارة

شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك