التوقيت العجب.. في موضوع الفضة والذهب!

انتهت صلاة الجماعة فنهض ذلك الشاب ذو الوجه الهادئ البشوش وأمسك بالميكرفون وأعلن أن الشيخ فلان سيلقي محاضرة قيمة بين صلاة المغرب والعشاء وحث الحضور على الجلوس والاستماع وذكرهم بأن «من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه».

 

نهض من نهض وبقى من بقى.. وبدأ الشيخ المحاضرة حيث فتح مجلدا بين يديه وقرأ عنوان المحاضرة «الطهارة».. ثم تنحنح وأردف بصوت جهوري: باب «حكم شرب الماء في أواني الذهب والفضة»!!!

 

لا أزعم أني أعرف كل اليمنيين ولكني أستطيع الجزم بأنه لا يوجد أحد من ال 25 مليون يمني قد «رأى» في عمره إناء من الذهب أو الفضة فضلا عن أي يكون قد شرب به! هذا طبعا إذا استثنينا طبقة الأثرياء أو المسئولين الفاسدين الذين بإمكانهم أن يشربوا في أواني كهذه، لكني أستطيع أن أقسم للشيخ الفاضل أن 95% من اليمنيين لا «يطفحون» الماء إلا من «عبوات» الماء الكوثر أو المشمعات البلاستيك أو في «قوارير» الماء المعدني إذا كانوا من الموسرين!!! ربما لو كان سلطان بروناي أو الوليد بن طلال بين المصلين لفهمت مغزى اختيار موضوع كهذا! أو لعل الخطيب ظن أننا قد انتصرنا على جيوش كسرى وهرقل وغنمنا من الذهب والفضة الشيء الكثير بالتالي وجب التنبيه!

 

يا شيخنا الفاضل.. ألم تسمع في حياتك عن شيء اسمه «فقه الأولويات»؟؟ هل أنت من أهل هذه البلاد وتعيش فيها وتعرف أحوالها أم أنك هبطت علينا من كوكب آخر حتى تكلمنا عن حكم من يشرب في أواني الذهب والفضة؟؟ وأين؟؟!!.. في اليمن!!!

 

لا أدري لماذا يصر هؤلاء الخطباء دائما على فصل المسجد عن التفاصيل اليومية لحياة الناس؟! ولماذا يعملون على اختيار المواضيع الفقهية التقليدية وتقديمها بشكل جاف ونمطي كما يقرؤونها في الكتب وبنفس ترتيب الأبواب والفصول وكأنهم يقدمون مقررا دراسيا للناس وسيتم امتحانهم فيه؟!

 

ألا يوجد لدى هؤلاء الخطباء فكرة واضحة عن الدور الحقيقي والفعال للمسجد في حياة الناس؟! لو عرفوا ذلك لما ضيعوا الوقت في الحديث عن أمور شكلية وقواعد فقهية جامدة بدون مناسبة... ولكانوا أطلقوا صيحات تحذير مدوية ضد كل النواحي السلبية التي تمس وتؤثر على حياة الناس اليومية.. ولا أدري ما هو تأثير أواني الذهب والفضة على واقع الشعب اليمني؟!

 

من الصعب أن نتخيل أن يكون هذا الخطيب وأمثاله هم من قصدهم الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حين قال «فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد».. إن الفقيه المقصود في هذا الحديث هو ذلك الشخص الفذ القادر على فهم واقع الناس ومشاكل عصرهم، وربط حياة الناس بدينهم ولذلك يكون خطره على الشيطان أكثر من خطورة ألف عابد لأن العابد «لنفسه» والفقيه «للناس».

 

أيها الخطيب الكريم..مادام أن الله من عليك بموهبة الخطابة والفقه ولديك جمهور يجلس ليسمع لك ومنبر تخاطب الناس منه، فلماذا لا تتكلم فيما يمس حياة الناس فعلا وتربطه بحكم الله وحكم الشرع؟!

 

 تريد ان تتحدث في باب «الطهارة»؟ فليكن.. فهذا باب مهم وعظيم لكن من فضلك لا تكلمنا عن «أواني الذهب والفضة» لأننا – ليس فقط لا نشرب فيها – وإنما أغلبنا لم يرها في حياته وذلك لأن سكان اليمن ينقسمون إلى فئتين: فئة تقع تحت خط الفقر وتعاني من انعدام الأمن الغذائي وفئة أخرى تكافح كفاحا مريرا من أجل توفير لقمة العيش الكريمة... يعني الناس مش «لاقية تأكل» فضلا عن أن تشرب في أواني الذهب والفضة!!

 

للأسف إن «ترتيب الأولويات» وتوعية الناس بما يمس حياتهم وواقعهم ليست فقط مشكلة ذلك الشيخ المشغول بأواني الذهب والفضة.. بل هي مسألة غائبة تماما عن معظم خطباء ومشايخ هذا الزمان إلا من رحم الله.. تتوافر لهم المنابر والجمهور فيتكلمون عن «حكم المسح على الخفين والجوربين» أو «الإسبال» أو «حلق اللحية» وغيرها من المواضيع المشابهة والتي لا أسخر منها، لكنها تبدو لي نوعا من «الترف» المضحك في بلاد يحاصرها الفقر والمرض والفساد والجهل والتخلف والقتل والثأر والاغتيالات وغياب الوعي و.. و.. والقائمة تطول..! بلاد يعاني أهلها من غياب أبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة بينما يتربص بها الأعداء من الداخل والخارج!

 

فإن كان ولا بد من الحديث عن الطهارة يا حضرات المشايخ والخطباء، فلتحدثونا عن الطهارة بمعناها العميق.. أولا طهارة القلب والنفس والروح.. لقد روي عن حذيفة وسلمان رضي اللّه عنهما أنّهما نزلا على نبطيّة بالعراق، فقالا لها: هل هاهنا مكان نظيف، نصلّي فيه؟ فقالت: طهّر قلبك، وصلّ حيث شئت، فقال سلمان: فهمت وفطنت..!

 

ثانياً الفتوا أنظار الناس إلى أهمية أن يظهر الإنسان المسلم بمظهر نظيف وجميل... وأهمية أن ننظف شوارعنا وحاراتنا وأمام بيوتنا من القاذورات والأوساخ.. كيف تتحدث أيها الشيخ الجليل عن باب الطهارة والشرب في أواني الذهب والفضة، بينما يعاني اليمنيون من عدم نظافة الشوارع والمرافق العامة،عدم نقاء مياه الشرب، عدم نظافة الأكل! إن نسبة كبيرة من الشعب اليمني تعاني من الأميبيا والجيارديا بالإضافة إلى فيروس الكبد (ب) وهذا طبعا بسبب الطعام والشراب الملوث وليس بسبب الشرب في أواني الذهب والفضة!! حدثونا أيها الخطباء عن أهمية أن يُعلم كل أب وأم أطفالهم ألا يتبولوا وألا يرموا القاذورات في الشوارع! ومن يفترض أن هذا دور وزارة الصحة أو دور المدرسة أما المسجد فلا علاقة له بالموضوع، فهذا معناه أن هناك مشكلة في فهمه لدور المسجد الشامل والتأثير الذي يجب أن يحدثه في شتى مناحي الحياة.

 

أيها الخطباء الأفاضل.. قبل أن تعلموا الناس كيف يكون دخول الحمام... بالرجل اليمين أم الشمال.. أو عدم جواز صبغ بياض الشعر بالأسود وغيرها من هذه المواضيع.. حدثوهم - مثلا - عن مخاطر آفة القات وكيف دمرت – ولا زالت – واقع اليمنيين اقتصاديا وصحيا ونفسيا! ألا يوجد في الفقه الإسلامي الحنيف قاعدة «لا ضرار ولا ضرار»؟! حدثوهم عن الساعات الطويلة التي يقضيها اليمنيون في مضغ القات والجلوس بدون عمل أو إنتاج في بلد مدمر من كافة النواحي زراعيا وصناعيا واقتصاديا وصحيا وهو بحاجة ماسة إلى أن يشمر أبنائه عن سواعدهم وينطلقوا في بنائه.. إلا إذا كان الخطيب نفسه «مولعي» فهذا موضوع آخر.. أو إذا كان «تعمير الأرض» يتعارض مع مقاصد الدين وأن غاية الدين في نظركم انحصرت في الشكليات والقشور..

 

مأساة الخطاب الديني الحالي تكمن في ابتعاده وانفصاله عن واقع الناس الفعلي والعملي وتقوقعه في جوانب ومواضيع فرعية وشكلية بعيدة عن ما يعانيه الناس وما يحتاجون إليه فعلا كي تصبح حياتهم وتعاملاتهم وعلاقاتهم أفضل وأجمل وهذا هو جوهر الدين الصحيح وغايته العظمى لأن الذي ((ضاع من دين الله لا يقل عن الذي ضاع من دنيا الناس))..


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك