زبيد.. التاريخ والحضارة مهددة بالشطب من قائمة اليونسكو نتيجة الإهمال

تحقيق: غمدان الدقيمي
بحسب مسؤول حكومي مازالت مدينة زبيد تتعرض للعبث بمعالمها التاريخية والأثرية حتى اليوم, وأن عدد المخالفات التي تمت منذ منتصف العام الجاري 2010 بلغ 180 مخالفة مختلفة, من الممكن أن تؤثر سلبا في وضع المدينة على قائمة التراث العالمي... تفاصيل مرة ومأساة لا تتوقف رصدتها "السياسية" أثناء زيارتها لزبيد مؤخرا, تضعها في هذا التحقيق أمام الجميع وعلى طاولة الحكومة، معززة بالحلول المطلوبة, علها تسهم بما يمكن معالجته قبل وصول فريق لجنة التراث العالمي أواخر نوفمبر الجاري لتقييم وضع المدينة..
 
القصة من بدايتها!
سجلت مدينة زبيد في قائمة مواقع التراث العالمي في العام 1993, ومن يومها بدأت تتعرض لتشوهات واعتداءات على الساحات والفراغات والأسوار, نتيجة عودة أبنائها المغتربين من الخليج, والذي تسبب بنمو سكاني وحاجة لبناء مساكن جديدة, إضافة إلى احتياجات المواطنين المتكررة في التوسع والبناء, وهو ما تم على حساب الطابع المعماري للمدينة, سواء إضافات وتوسعات في المباني القديمة بمواد حديثة, أو ببناء مساكن جديدة بمواد إسمنتية في فراغات ومساحات المدينة وأمام المواقع والبوابات التاريخية, ذلك ما أكده مدير مكتب المخطوطات بمدينة زبيد, "عرفات الحضرمي".
 
ونتيجة لذلك أدرجت لجنة التراث العالمي (اليونسكو) زبيد عام 2000 إلى قائمة التراث العالمي تحت الخطر, هكذا يقول الحضرمي, مضيفا: "ومنذ عام 2000 بدأ برنامج الحفاظ على المدينة, وتمت دراسة احتياجاتها من البنى التحتية (المياه والصرف الصحي, والتمديدات الكهربائية ...) وأنجز الكثير منها حتى الآن, كما تم رصف مساحات وفراغات كبيرة بالأحجار, مما ساهم في الحفاظ على المدينة بنسبة بسيطة", مشيرا إلى أن هناك مشاكل كثيرة مازالت عالقة وعلى الدولة معالجتها, أبرزها ترميم المباني القديمة المعرضة للانهيار, والحفاظ عليها.
 
وتضم مدينة زبيد القديمة 2400 منزلا قديما (منازل تقليدية), تتراوح أعمارها من 200 إلى 600 سنة, ومعظمها مطلوب من سكانها أن يحافظوا عليها, وهناك حوالي 85 جامعا ومدرسة إسلامية في المدينة من بينها أربعة جوامع يصل عمر بعضها إلى 1400 عام كجامع الأشاعر, وعدد كبير من المنازل يتجاوز 400 منزل قديم سجلتها اليونسكو ضمن قوائم فرائد التراث العالمي الاستثنائي, من أبرزها بيت حسين الربعي, وبيت حسين الهندي ... وتعتبر من أهم المنازل القديمة والآيلة للسقوط, وتكلفة ترميمها وإعادتها كما كانت بنفس الطابع والخصائص القديمة عالية جدا, تتراوح ما بين مليون ومليوني ريال لأصغر منزل, وغالبية سكانها لا يستطيعون تحملها, والبعض منهم ترك منزله وهاجر إلى خارج المدينة. كما سجلت اليونسكو 145 موقعا في المدينة بحاجة إلى إعادة ترميم شامل, كل ذلك بلسان "الحضرمي", موضحا تركز جهود الدولة في البنية التحتية. أما مساعدة المواطنين في ترميم منازلهم فهو ضعيف جدا, ومثل ذلك بالنسبة لترميم المساجد والأربطة العلمية.
 
دفاع رسمي
وبحسب الحضرمي, فإن 40 بالمائة من منازل زبيد, تعاني من التشوهات الناجمة عن البناء المخالف لطابع المدينة المعماري و60 بالمائة مبان موزعة ما بين مبان قديمة مهجورة وأخرى خربة ومهددة بالانهيار في أية لحظة ما لم تتخذ الحكومة إجراءات عملية لمعالجتها وإنقاذ تاريخ المدينة.
 
لكن مدير مكتب هيئة المحافظة على المدن التاريخية بمدينة زبيد المهندس نبيل منصر, أوضح أن الإحصاءات الأخيرة التي قام بها طلبة من اليونسكو بالتعاون مع هيئة المدن التاريخية والـ"جي تي زد", لـ4400 مبنى, خلصت إلى أن هناك ألف مبنى تاريخي غير مشوه, وألف و200 مبنى تاريخي دخل عليه بعض التشوه, بينما سبعمائة مبنى تم بناؤها بمواد بناء حديثة ولكن بنمط تقليدي, والبقية ما بين ستة مائة إلى سبع مائة مبنى, بنيت ببناء حديث ومخالف 100 بالمائة للنمط التقليدي للمدينة, ونسبتها إلى إجمالي المباني 25 بالمائة.
 
القصة تمضي
إلى هنا والصورة واضحة, فبرغم أن التشوهات التي طالت مدينة زبيد بدأت منذ عام 93, إلا أن الحكومة لم تعرها أي اهتمام ولم تتجاوب مع إنذارات اليونسكو والتي أصدرت قرارا بوضع زبيد في قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر, وعقب ذلك مباشرة أصدرت الحكومة قرارا بمنع البناء والاستحداثات داخل المدينة, ثم قرارا آخر عام 2003 بمنع البناء, لكنهما لم يضعا حلا للمشكلة ولم يوفرا البدائل والحلول التي تنهي الأسباب من جذورها, تلاهما قرار آخر برقم 425 لسنة 2006 بمنع الاستحداثات وإزالة التشوهات وإيقاف كل أعمال البناء داخل المدينة, لكنه هو الآخر لم يوفر البدائل والحلول وغيره أيضا من القرارات, كما يقول كثير من أبناء المدينة.
 
كل ذلك وما تضمنه تقرير الفريق الدولي الذي زار المدينة في ديسمبر 2006, لتقييم واقع الأضرار فيها, دفع بلجنة التراث العالمي في دورتها الحادية والثلاثين في العام 2007 بمنح اليمن إنذارا أخيرا بإبقاء المدينة في القائمة المهددة بالخطر لفترة عامين خاضعة لتقارير رسمية تقدمها الحكومة اليمنية, عن التقدم الذي تم مع الأخذ في الاعتبار في تنفيذ خطة العمل المستعجلة للسنة الأولى التي أعدها فريق مركز التراث العالمي والمتمثلة بإعداد الإطار القانوني والمؤسساتي الملائم, وتفعيل قرار مجلس الوزراء رقم 425 لسنة 2006, وإنجاز قانون ومخطط الحفاظ على المدن التاريخية, مع توفير الدعم اللازم والكافي لميزانية الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية وفرعها في زبيد لإيقاف التدهور الحاصل في تراث المدينة.
 
ويؤكد الحضرمي أن غالبية المواطنين لم يلتزموا بتلك القرارات, وأن المشكلة مازالت مستمرة وقائمة حتى اليوم, حيث برزت تجاوزات ومخالفات ارتكبتها بعض المؤسسات الحكومية, منها مكتب التربية والتعليم, والذي قام ببناء مدرسة "الحديقة" بالسور البلك, ومبنى المواصلات الذي وضع برج هوائي في مدخل المدينة القديمة, وغيرها, لافتا فيما يتعلق بإزالة التشوهات السابقة, أنه خلال عامي 2007 ـ 2008, تمت معالجة حوالي 1800 متر مربع من التشوهات, كإزالة الجدران البلك وإعادتها بالبناء المعماري القديم... بدعم من وزارة الثقافة والهيئة العامة للمدن التاريخية, إلا أن هذا المشروع لم يستمر وأن المساحة المتبقية والتي مازالت مشوهة كبيرة جدا, حد قوله.
 
فرصة أخرى
وبالعودة للحديث عن إجراءات لجنة التراث العالمي, فقد قررت في دورتها الثانية والثلاثين عام 2008 بمنح اليمن عاما آخر بإبقاء زبيد في قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر, بحسب مدير مكتب هيئة المحافظة على المدن التاريخية بزبيد المهندس نبيل منصر, موضحا أن تقرير فريق اللجنة الذي زار زبيد عام 2009 كان ايجابيا ولأول مرة منذ حوالي 10 سنوات, حيث لمس الفريق إجراءات رسمية على أرض الواقع للحفاظ على المدينة, ووصفتها اللجنة بالجيدة, وطالبت الحكومة بأن تستمر بها وتدعمها, حد قوله.
 
ويضيف منصر: "من تلك الإجراءات إنشاء فرع لمكتب تنمية المدن التاريخية الـ"جي تي زد" الألمانية, والذي قام بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومكتب هيئة المدن التاريخية بزبيد, بدفع نسبة 40 بالمائة من تكاليف ترميم عدد 115 مبنى تقليدي قديم (منازل مواطنين), خلال الثلاث السنوات الماضية, وترميم بعض دكاكين السوق القديم منها معصرة زيت السمسم, وتدريب 12 متدربة من نساء زبيد حول ترميم النقوش الخشبية, ودعم ما يقارب أربع جمعيات مدنية وتدريبها على بعض الحرف التقليدية ومساعدتها على تطويرها".
 
توقع لقرار اليونسكو!
ولكن هل يعني هذا أن زبيد تجاوزت خطر السقوط من قائمة التراث العالمي, في ظل استمرار المخالفات والتشوهات (بعضها موضحة بدائرة بيضاء في الصور المرفقة)!, وتوقف برنامج الـ"جي تي زد" عن العمل في المدينة منذ عدة أشهر, وغياب دور الدولة في مساعدة المواطنين.
 
إلى ذلك أرجع المهندس نبيل منصر, أسباب توقف الـ"جي تي زد", إلى أمور مالية وتتعلق باتفاقيات الحكومتين اليمنية والألمانية, موضحا أنه سيعود لمزاولة نشاطه في زبيد بداية العام القادم 2011, واضعا ضمن خطته, المساهمة في ترميم 120 مبنى تقليدي وإعادة تأهيل من 5 إلى 10 ساحات عامة, بالإضافة إلى أنشطة أخرى, مؤكدا أن الإشكالية التي طرأت مؤخرا في المدينة واستمرار المخالفات, والزحف العمراني على الأصالة المميزة للمدينة, أثرت سلبا على استدامة العمل للحفاظ على المدينة, ملمحا أنه كان بالإمكان في حال استمرت الجهود بنفس الوتيرة التي كانت عام 2009, القول أن زبيد تجاوزت خطر السقوط من قائمة التراث العالمي.
 
ويتابع بلهجة حزينة: "ما حدث في يونيو 2010, بعد أن أقر مجلس الوزراء إزالة بعض المخالفات الموجودة على الخط العام (18 مخالفة), ضاعف المشكلة, فعند البدء بإزالة تلك المخالفات تجمهر المواطنون واعتدوا على أفراد الشرطة, فحدث اشتباك فيما بينهم والمواطنين من المشاغبين, تخلله إطلاق نار أدى إلى إصابة أحد المواطنين عن طريق الخطأ, شهدت بعدها زبيد مظاهرات واعتداء على موظفي مكتب الهيئة, والذي أغلق بعدها لمدة شهرين تقريبا, وكالمثل مكتب الأشغال والـ"جي تي زد", نتيجة للوضع الأمني في حينها, ولم يتوقف الموضوع عند هذا الحد بل نزلت لجنة من مجلس النواب لتقصي الحقائق ... الأهم من هذا كله أنه خلال هذه الفترة استغل كثير من المواطنين الفرصة وقاموا باستحداث مخالفات كبيرة جدا وصلت إلى 180 مخالفة".
 
ويتوقع منصر إمكانية أن تؤثر تلك المخالفات سلبا في وضع المدينة على قائمة التراث العالمي, خصوصا وأن فريق اللجنة سيزور زبيد في 30 نوفمبر الجاري وسيستمر حتى 7 ديسمبر 2010, برغم أنه لم يتجاهل إمكانية أن تعزز المشاريع الأربعة الجاري تنفيذها -قيد التنفيذ- (رصف وتحسين المدينة) والتي تبلغ تكلفتها التقديرية 4 ملايين دولار, من وضع المدينة على قائمة التراث العالمي.
 
عاجلة وسريعة
وفي الوقت الذي يحذر فيه مهتمين محليين من احتمال شطب مدينة زبيد من قائمة اليونسكو للتراث العالمي نتيجة الإهمال والتشويه والتدمير كما سبق شرحه.
 
أكد منصر ضرورة إيقاف المخالفات, وأن تتعاون هيئة المدن التاريخية ووزارتي الثقافة والأشغال لعمل حلول عاجلة للمباني المشوهة, وأن تحدد الحكومة مبالغ تعويضية عاجلة وسريعة, لإزالة المخالفات الموجودة أو المباني غير الملائمة التي لها فترة طويلة, في الساحات العامة وأمام البوابات الرئيسية والجوامع والمعالم التاريخية الهامة أثناء عملية مشروع الرصف, خصوصا وأنها تركز عليها (اليونسكو), إذا أردنا الحفاظ على مدينة زبيد.
 
هنا تبرز زاوية أخرى لا تقل أهمية, لها صلة تتعلق بعدم تنفيذ كثير من توصيات لجنة التراث العالمي خاصة منذ عام 2007, كقانون الحفاظ على المدن التاريخية, والذي لم يصدر حتى اليوم, وعدم توفر الدعم المالي لفرع الهيئة العامة للمحافظة على المدن التاريخية في زبيد لإيقاف التدهور الحاصل في تراث المدينة.
 
يقول منصر: "لا يتوفر لدى فرع الهيئة أي مبالغ مالية لإزالة المخالفات ومعالجة التشوهات, ولم توافق الجهات المختصة برصد أي مبالغ ضمن الميزانية للقيام بذلك, فضلا عن أنها خصمت 50 بالمائة من الميزانية المتواضعة التي حصلنا عليها العام الماضي 2009 من وزارة الثقافة وصندوق التراث, وهو ما أثر سلبا على دور الفرع ومصداقيتنا مع الآخرين وعملية الحفاظ".
 
وبرغم ذلك أنشأ مكتب الهيئة بزبيد نظام تراخيص حديث ومتكامل, وبلغت التراخيص التي منحها للمواطنين لإجراء تعديلات أو إضافات على منازلهم, منذ نهاية العام 2008, وخلال 2009, عدد 51 ترخيص قانوني, إلى جانب 62 ترخيص منحها مكتب الأشغال, والتي بموجبها قدمت وزارة الثقافة لعدد 21 مواطن, 5 ألف حبة ياجور مجانية لكل مواطن يحمل ترخيص قانوني, وستواصل ذلك.
 
ويضيف منصر: "إلا أن البعض من هؤلاء ارتكبوا مخالفات, ولم تستطيع الجهات المعنية ضبطهم وإزالة مخالفاتهم, لعدم توفر الإمكانيات, وعدم تفهم النيابة والمحكمة لهذه الأمور".
 
مسؤولية من!
واعترف منصر بمشكلة استمرار ارتكاب المخالفات منها جهات حكومية, والتي يفترض أن تكون القدوة بالدرجة الرئيسية, وأن يكون سلوك متكامل, باعتبارها نقاط ضعف ينبغي تجاوزها, منوها بأن مكتب الهيئة استأنف عمله عقب اجتماع اللجنة العليا للحفاظ على مدينة زبيد برئاسة نائب رئيس الوزراء صادق أمين أبوراس, وأنه تم الاتفاق على أن يتحمل المجلس المحلي بمحافظة الحديدة ومديرية زبيد مسئولية معالجة مشكلة المخالفات, فيما انحصر دور المكتب, بإعداد تقارير فنية ورفعها للجهات المعنية, والتي بدأت حاليا عملية الضبط ومحاولة إيقاف المخالفات, مؤكدا أنه في حال استمر ذلك وتوقفت المخالفات خاصة الجسيمة منها ستتحسن أوضاع المدينة قبل وصول فريق لجنة التراث العالمي.
 
وأضاف منصر: "على صعيد تأهيل المساجد والأربطة العلمية, التزمت وزارة الأوقاف والإرشاد ووقعت على اتفاقية رسمية لترميم خمسة مساجد قديمة و30 دكانا في السوق القديم, والتي كان يفترض أن يبدأ بالعمل بها نهاية عام 2009, لكنه لم يتم حتى اليوم, برغم تأكيد المعنيين في الوزارة بأنه رصد 12 مليون ريال لهذا الموضوع, ونأمل أن ينفذ في أسرع وقت ممكن لكي نكون صادقين مع الجهات الرسمية وعملية الحفاظ على المدينة".
 
مدينة زبيد الجديدة!
تلك كانت حاجة ملحة لمعالجة جزء من الوضع الراهن, ومواجهة النمو السكاني المتزايد والذي يتطلب مساكن جديدة, لا تتسع لها مدينة زبيد القديمة, ولذلك صدر قرار مجلس الوزراء رقم 84 لعام 2007, بشأن تشكيل لجنة إنشاء مدينة زبيد الجديدة برئاسة وزير الثقافة الدكتور محمد أبو بكر المفلحي, وعضوية عدد من الجهات ذات العلاقة.
 
وبرغم أنه تم إنزال ستة مخططات حضرية رسمية, شقت في أحدها 70 بالمائة من الشوارع, فيما يسمى مدينة زبيد الجديدة, والتي تنتظر توافد المواطنين لشراء قطع أرض والبناء بداخلها, إلا أن المواطنين لم يتمكنوا من ذلك, لعدم توفر الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء وغيرها, ولا إمكانيات البناء لدى غالبيتهم.
 
وفي هذا السياق طالب "منصر" الجهات المعنية بالإسراع في تعويض ملاك الأراضي التي تم شق الطرقات الرئيسية فيها, وأن يتم توفير مشروع سكني يتمثل في قطع أرض واسعة وقريبة من المدينة القديمة والخدمات الرئيسية, بحيث يتم بيعها للمواطنين بسعر مدعوم, لحل إشكالية المدينة القديمة, حبذا أن تكون كمدينة الصالح بمحافظة الحديدة أو غيرها.
 
مآس وانقراض وتراجع
من جهته يقول حمزة محمد (أحد أبناء مدينة زبيد) إن "زبيد ليست بحاجة إلى ندوات وورش عمل، وبرامج توعوية بأهمية الحفاظ على التراث المعماري والثقافي والتاريخي، بقدر ما هي بحاجة إلى مشاريع تنموية واقتصادية تنتشل المدينة وأهلها من واقعها المأساوي، وتحسن من مستوى دخل أهاليها، لأني أعتقد بأن أبناء زبيد يدركون جيدا أهمية هذا التراث وأصالته، ولم يفضل أحدهم البناء بالمواد الحديثة، إلا مضطراً لأسباب هي في الأساس اقتصادية سواء ً كانت متعلقة برخص سعر مواد البناء الحديثة مقابل المواد التقليدية كالياجور والنورة وغيرها، أو حتى التباطؤ في ترميم المنازل التقليدية بتلك المواد باستكثار المبالغ فيها، إن لم يكون لعدم قدرتهم على ترميمها بالأصل".
 
وأكد حمزة أن تلك الحضارة المعمارية والمعالم الأثرية والتراثية الأصيلة سواء في زبيد أو شبام حضرموت, لم تأتي إلا من طفرة اقتصادية، ولم يكن أصحابها من أهالي زبيد وشبام حضرموت إلا تجاراً ومزارعين يمتلكون كبريات المزارع الموزعة في ديان وسهول حضرموت وزبيد, والتي تعاني اليوم مآسي وانقراض وتراجع مخيف سواء في سيئون حضرموت أو الجاح والفازة ونخيل السحاري في زبيد وتهامة, متمنيا عدم ضياع الجهود والأموال في الخطط والبرامج والندوات المستهلكة وغير المجدية.
 
إذن ما الذي سيخسره اليمن لو سقطت زبيد فعلا من قائمة التراث العالمي؟ نقول إن السقوط سيتسبب لليمن بأضرار اقتصادية وثقافية مهولة وستتعرض السياحة في هذا البلد إلى ضربة موجعة لن تنفع معها المهدئات خاصة بعد العمليات الإرهابية المتكررة والأحداث الأمنية, كما سيؤثر سلبا على سمعته وعدم قدرته على حمايته وحماية ثقافته ومعالمه الحضارية وعدم التزامه بما نصت عليه الاتفاقية الدولية لحماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي والتي يعد اليمن من الدول الـ180 الموقعة عليها بعد تبنيها خلال المؤتمر العام لليونسكو في 16 نوفمبر 1972.
 
تنمية اقتصادية
ويدعو "الحضرمي" بهدف الحفاظ على معالم مدينة زبيد, إلى إنشاء صندوق طوارئ, يضع خطة لعملية ترميم المنازل التقليدية وتجديدها والحفاظ عليها ومعالجة الزخارف والنقوش العامة فيها, ودعم احتياجات المواطنين, وكذا إحداث تنمية اقتصادية للمدينة, من خلال تنمية سوقها القديم, المهمل والمخرب حاليا والذي لا يرتاده سوى أقل من 5 بالمائة من إجمالي سكان المدينة البالغ 22 ألف نسمة, وإعادته كما كان سابقا بإحداث تنمية حرفيه واقتصادية, خصوصا وأن عدد المحلات المفتوحة حاليا لا تتجاوز 25 محلا من أصل 400 محل نصفها تابع للأوقاف.
 
ويضيف الحضرمي: "هناك أيضا ساحات وفراغات في المدينة تابعة للأوقاف, والتي كان لها في السابق (الأوقاف) دور كبير في تنمية العلم وإشهاره ونشره... المفقود حاليا, وبالتالي يجب استثمارها وإيداعها في صندوق الطوارئ, وإنفاقها في الحفاظ على مدينة زبيد, وحينها لن نحتاج إلى مساعدات من المانحين أو غيرهم".
 
ويعترف الحضرمي بأن أبناء زبيد يشعرون بالخطر الذي يحدق بمدينتهم ويجهلون ماهية البدائل الممكنة لإنقاذها, مؤكدا أنها تتمثل في العمل بما سبق شرحه, وبناء محرقة ياجور ضخمة أو عدة محارق تستوعب احتياجات المواطنين وتوفر مواد البناء التقليدية وبأسعار منافسة لأسعار المواد الإسمنتية, مع دعمهم ومساعدتهم (المواطنين) بنسبة معينة من التكاليف خاصة عند ترميم منازلهم القديمة بما يتوافق والمواصفات التاريخية للعمارة في زبيد.
 
ميزانية مستدامة
من جانبه طالب منصر, بتثبيت الكادر العامل بمكتب الهيئة بزبيد لاستدامته المتعاقد معه حاليا, والذي تم تدريبه وتأهيله ولا يمكن العمل بدونه, خصوصا وأن المكتب لم يتمكن من توفير مرتباتهم التعاقدية بعد توقف الـ"جي تي زد", برغم أن ذلك أحد مطالب لجنة التراث العالمي "إيجاد فرع لهيئة المحافظة على المدن التاريخية بزبيد قوي وقادر على تنفيذ الأعمال", وتعزيز المكتب بميزانية تشغيلية مستدامة وكافية, بحيث يتمكن من تنفيذ مشروعات تحسين وإزالة التشوهات من المدينة وإعادة ترميمها بمادة الياجور (مشروعين أو ثلاثة مشاريع متكاملة كل عام).
 
كما طالب بتكاتف جهود كافة الجهات, محافظة الحديدة والسلطات المركزية باعتبار أن العمل تكاملي, ووزارة الإعلام بتفعيل دورها الغائب في عملية الحفاظ على المدن التاريخية والموروث الثقافي, ووزارة السياحة بتنفيذ بعض الخدمات السياحية والترويجية لمدينة زبيد كونه غائب حاليا.
 
تحريض سلبي
ودعا منصر إلى ضرورة تنفيذ حملة توعوية مستدامة تهدف للحافظ على تراث وتاريخ المدينة تشترك فيها كافة الجهات ووزارة الأوقاف بدرجة رئيسية, باعتبار أنهم قوبلوا بتحريض سلبي من قبل أئمة الجامع الكبير بزبيد ضد عملية الحفاظ على المدن التاريخية والآثار والموروث الثقافي, كما دعا جامعتي صنعاء والحديدة أن تقدما حلولا علمية (دراسات وأبحاث) للمباني المشوهة وكيفية معالجتها.
 
إلى جانب أن تشارك كافة الوزارات (الأوقاف والأشغال...) والجهات المعنية بخطط عمل متكاملة وفق برنامج زمني بحسب ما تضمنته قرارات مجلس الوزراء, وأن تفي بالتزاماتها كضرورة ملحة للخروج من عنق الزجاجة والحفاظ على مدينة زبيد, كونها موروث وتاريخ جميع اليمنيين قبل أن تكون موروث عالمي.
 
ذات الأهمية التاريخية
وبحسب أدبيات المنظمة الدولية يعتبر كل موقع من مواقع التراث ملكا للدولة التي يقع ضمن حدودها، ويحصل على اهتمام من المجتمع الدولي للتأكد من الحفاظ عليه للأجيال القادمة, وتلام الدولة على إهمالها وتقصيرها في الحفاظ على مضمونه الحضاري والتاريخي بإسقاط الموقع من قائمة التراث العالمي.
 
الجدير بالذكر أن قائمة التراث العالمي تشمل ثلاث مدن يمنية: صنعاء, شبام حضرموت, زبيد. وتعتبر مدينة زبيد أحد أهم المدن الساحلية الغربية ذات الأهمية التاريخية والأثرية في اليمن كونها تضم العديد من المعالم الأثرية الهامة إلى جانب المكانة العلمية التي كانت تتمتع بها في الفترة الإسلامية والتاريخية التي مرت بها منذ تأسيسها في بداية القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) عام 204هـ عندما اختطها عسكرياً محمد بن عبد الله بن زياد بأمر من المأمون بن هارون الرشيد وحتى فترة الأئمة.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك