اليمن وملاعبة الشيطان!

الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية لا ترعى – فقط- مفردات المبادرة، بل ترعى في كل مرعى، وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة، خاصة قرارات التعيين، وكل قرار يتخذ بهذا الشأن من قبل الرئيس أو رئيس الحكومة أو من الوزراء – بعضهم أو كلهم- فإنه يجب أن يعطى ضوءاً أخضر سابقاً، أو يحظى بالقبول لاحقاً، وكثير من هذه القرارات تأتي بتوصيات من هذا الطرف أو ذاك.

 

يوصون بقرارات بالمئات، ويعطون ضوءاً أخضر لمئات آخرين، ويباركون – بعد ذلك- قرارات لمئات آخرين ممن كان تعيينهم بمثابة عمولة لمتخذي القرار. فيما يظل المواطنون اليمنيون مشغولين بتصنيف المشمولين بكل قرار فور صدوره ليرى كل منهم ما نصيب حزبه، أو ما نصيب محافظته، أو ما نصيب قبيلته، فإن الجميع يلتزم الصمت حيال ذلك، بل والرضا في أحيان كثيرة، ومن ساءه قرار الأمس أسعده قرار اليوم، ومن ظلمه  قرار اليوم أنصفه قرار الغد، ومن ظلمه قرار الأمس واليوم فإنه يأمل في غد أفضل بالنسبة له، ويغفل الجميع عن كلفة هذه القرارات، سواء الكلفة السياسية، أو الكلفة الإدارية، أو الكلفة المالية التي هي المستفز لكتابة هذه الأسطر.

 

يتعامل صناع القرار في اليمن مع التوصيات والإشارات الخضراء من تلك الأطراف الخارجية على أنها إشارة من كافل وضامن سيتحمل الكلفة، ويزيدهم فوقها ما يرونه ربحاً وفائدة، فوق كونهم يرون أن السمع والطاعة تقربهم لهذه الأطراف زلفى.

 

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد من الإشكاليات التي يترتب عليها وضع سيئ على المدى القريب والبعيد، وفي مختلف الاتجاهات، بل وكثير من بؤر الفساد المالي لا تزال نضاخة بفسادها بتوصيات من هذا الطرف أو ذاك، أو بضوء أخضر على الأقل، والمبرر هو الأولويات، وأن البلد لا يحتاج احتكاكات جانبية تصرف التسوية السياسية عن مسارها، وليت أن البلد مستقر فعلاً وخالٍ من هذه الاحتكاكات الجانبية حتى نقبل بهذا المبرر، بل الاحتكاكات قائمة وعلى أشدها، وإلى درجة أن جماعات مسلحة منظمة لا تتوقف عن حروبها منذ توقيع المبادرة، وأتوقف هنا عن الحروب السابقة تبعا لاختلاف معطياتها وحيثياتها والواقع الذي أفرزها أو سمح بها.

 

إن هذه السياسة المتبعة تحت مبرر متطلبات المرحلة الانتقالية لن تتوقف آثارها عن زمن معين، إذ ستظل آثارها التدميرية تتوالى على امتداد سنين وعقود، وهذا هو الجانب الأسوأ والأبشع. أما التبعات الآنية فيكفي من مؤشراتها أن الخزينة فارغة وإلى درجة أن أغلب مؤسسات الدولة – إن لم يكن كلها- لم تستطع أن تصرف رواتب الموظفين لهذا الشهر حتى يومنا هذا، والمشتقات النفطية منعدمة في السوق إلا ما يسد الرمق، والكهرباء تتالي الإنذارات والتحذيرات من التوقف النهائي بسبب مديونيتها الطائلة لدى مؤسسات الدولة والحكومة والنافذين بأشكالهم وألوانهم ومستندات نفوذهم، وفي الأطراف الخارجية من يتحدث فوق هذا وفي ظل هذا الوضع عن ضرورة ما يسميه استكمال "برنامج الإصلاح المالي" الذي يقصدون به ما نسميه محلياً "الجرع"، وهو البرنامج الذي كان اسمه يوم إطلاقه منتصف التسعينات "برنامج الإصلاح المالي والإداري" فسقطت كلمة "الإداري" دون "المالي"، ولا تزال هذه الكلمة مسقطة أو مغيبة أو ملغاة رغم أنها دعمت بثورة شعبية تترتب كل مطالبها وأهدافها على إنقاذ البلد إدارياً!

 

هذه هي النتيجة الأولية المباشرة لهذه السياسة المتواطئة مع الفساد والفاسدين، بل والمطمئنة والداعمة لاستمرار هذا الفساد الذي يرى فيه صناع القرار اليوم غطاء لفسادهم وفساد سياستهم، ثم يأتي أصحاب التوصيات والإشارات الخضراء ليُمْلوا الشروط – أخيراً- بشأن التغييرات الحكومية، أو غيرها من القضايا، وإلا فهم في حل من أي أزمة مالية تعيشها اليمن، ومثلهم والسلطات اليمنية "كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك".

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك