بوسع جار الله عمر أن ينهض الآن ويرتدي بذلته الأنيقة وربطة عنقه كما فعل آخر مرة ثم يطل لملاقاة أحبابه في أي ساحة من ساحات الثورة الشعبية كي يعانق أحلامه قد صارت حقيقة ويرى صوره تملأ المكان.
حضور هذا الرجل لا يعرف الخريف. تسعة أعوام انقضت منذ رحيله لكن اسمه صار لازمة كلما ذُكر التسامح والنضال السلمي والأخلاق. وحين ظن قاتلوه أنهم قد أهالوا التراب عليه ووضعوا حداً لأدواره، عاد هذا العام وفي مقدمه ثورة .
اصطفى جار الله نفسه وسما بها عالياً في مكانة خاصة كان يملأها بتفرد عجيب، ثم اصطفاه الله ليكون شهيداً لأجل عذابات مواطنيه وتطلعاتهم.
حاول أعداؤه مراراً قتل بطولته التي كانت تمنحه التفوق وحين فشلوا أطلقوا في آخر مرة الرصاص على قلبه ليزهقوا النفس والبطولة معاً لكنهم سيكتشفون اليوم أنهم قضموا جزءاً من دنياه فقط وبقيت بطولته خالدة.
كان جار الله عمر تجسيداً لذلك الصنف من الرجال الذين يصطدمون بمحنةٍ ما أينما حلوا بسبب من رحابة فكرتهم والعيش في المستقبل داخل تجمعات تعيش الماضي وتسهر على رواسبه: محنة داخل الحزب ومحنة داخل المجتمع ومحنة داخل الدولة ومحنة داخل صالون الثقافة.
وجار الله بهذا التعريف كان تذكيراً مباشراً بالزعيم الشيوعي ليون تروتسكي الذي سبقه في مواجهة المحنة داخل كل تلك الأطر وفي منافيه كلها.
لا يقتصر التشابه بينهما في ذلك وحسب بل إنه يطبع خاتمتهما فيلاقيان نفس المصير المأساوي اغتيالاً بعد أن عاش كلاهما "مفكر الأمام" بفكرته الكلية وتنبؤاته ورؤيته السياسية.
عاش جار الله عمر أعزل من كل شيء ولم يمتلئ إلا بالمعرفة والفضيلة اللتين صاغتا منه رجلاً متفرداً، يجمع بين شخصيتين متصالحتين في آن: سياسي صعب المراس يقرن السياسة بالأخلاق ونبيل ودود لا يتعالى على المساكين البتة.
على مدى حقب التاريخ، فإن أفضل العلماء والقادة وأنبل الرجال هم من ذهبوا ضحايا لانحراف الدين وتسلط الحكام ولم يكن لجار الله إلا أن يلحق بنظرائه من هؤلاء.