الضجة التي أحدثتها – ولاتزال - حكاية هبات المشايخ، البالغة 13 مليار ريال، كانوا يحصلون عليها سنوياً من القصر في عهد الحاكم السابق، وهي أساساً نصيبهم العبثي في ميزانية الدولة.
لايزالون يرغبون بالإبقاء عليها، وذلك لا يبدو سوى محاولة لخنق التوجهات التصحيحية، أو كسر ظهر مشروع الشجاعة لدى قادة التغيير الجدد، في ظل النوايا القيمية لدى هذه القيادات اليوم، حيث تظهر عزمها على التغيير الحقيقي.
وهي بذلك تعلن لا خطوط حمراء تخويفية بعد الآن، واضعة يدها على أحد أوجاع الميزانية العامة ودمامل الفساد المتقيحة التي تعول قطيعاً واسعاً ممن يدعون بـ”المشايخ” كريع يقتاتون منها.
حينما استطاعت السلطة الآن بقيادة رئيسها أن تلتقط لحظة التفاعل مع الإرادة الثورية خاصة في تعز، التي تصدرت هذا التوجه، واستجابة الحكومة معتمدة تضييق الخناق على أحد أخطر القوى الهمجية المنفلتة عن القانون، وتسير بعزم نحو العبث بمقدرات الوطن والمواطنين والمجتمع، تحاول اليوم مجابهة هذا التوجه الرافض ولو على حساب الوطن بأسره، لكن على السلطات أن تواصل العمل على هذا النحو لتصفية بؤرها وتجفيف مصادرها التمويلية السيئة.
أول ردود الأفعال على هذه الخطوة في سلم الإصلاحات - ربما - ما شهده مؤخراً باسندوة من هجمة متوحشة جراء حادثة تبادل إطلاق النار بين حارس معهد للغات ومرافق ابنة باسندوة، ليسقط الأول قتيلاً.
يجب أن ندين الحادثة ونترك العدالة تأخذ مسارها، لكن علينا أيضاً أن نشيد بموقف رئيس الوزراء، حينما طالب وزارة الداخلية إلقاء القبض على الجاني الفار ليتم ضبطه.
في اعتقادي ذلك موقف لم نعهده منذ زمن من قبل أي مسؤول يمني لا صغير ولا كبير، من الضروري أن نقول لهذا الرجل: أحسنت التصرف، ولمرافقه كنت على خطأ، لا أن يأخذ موقف رئيس الحكومة الآن بجريرة ما اقترف أحد مرافقيه، ويتم التشهير به، والتعريض بابنته.. حتى تحولت الحادثة إلى وليمة من نوع خاص، يزغرط فيها كل من هبّ ودبّ بقصد الشوشرة بحق الرجل، ثم أين كان هؤلاء من كل ما حصل من قتل وتدمير في صعدة وتعز وعدن وأبين؟ لماذا لم نسمع الإدانات والشطط في العقود السابقة؛ حيث ذبح الطبيب درهم القدسي ليس كمفتتح ولا خاتمة للقتل بل السحق بالجملة والمواقف المنددة في إجازات مفتوحة.
ولو صحت تهويمات البعض بأن مرافق باسندوة الذي صار قاتلاً الآن، بأنه مدفوع وفق مخطط سياسي لضرب شخصية الرجل من الداخل، ونكاية بمواقفه السياسية وإدارته التكنوقراط التي تخطو بشكل طبيعي إيجابي وملفت، خاصة فيما يخص إسقاط مخصصات المشايخ، فإن هذا لا يستبعد وسيتأكد من استشراس الهجمة ضد الرجل من وسائل وأجهزة الإعلام الفاشي.
أنا هنا لن أدافع عن باسندوة؛ إذ ليس من مهمة الصحافة سوى كشف التفاصيل الغامضة في هذه القضايا وفضح المكائد من اجل إنصاف الضحية لا الجاني.
غير أننا يجب أن نتنبه إلى مصائد من ينصبون أنفسهم خصوم الإصلاحات التي تنوي حكومة باسندوة القيام بها، واختلاق مثل هذه الفخاخ لشد الرأي العام عن القضايا الوطنية الكبيرة الرئيسة.
ومن جهة أخرى محاولة الإساءة إلى شخص قدّم نفسه على أنه مجرد مواطن أبعد مما هو مسؤول ويرأس حكومة، إنه يرضخ للقانون كغيره من الناس، بل وطالب الأجهزة الأمنية مباشرة مهمتها.
على باسندوة أن لا يلتفت إلي هذه الأصوات المشوشة – الآن -عليه بمعية حكومته مواصلة مشروع إيقاف العبث والفوضى بأموال الشعب.
كما أن علينا نحن اليمنيين - كل اليمنيين - أن نساهم في استئصال هذا العبث، ومكافحة هؤلاء القراصنة من المشايخ ومليشياتهم، لن نكون أقل ممن آمنوا بحرية هذا الوطن، وتخليصه من أشداق مكائن الخراب، وقضوا أيامهم بلياليها السوداء القاسية والمفجعة، في ظل حالات الطقس المتقلب الشديدة.
آثروا ألا يبقوا كقطعان في الخيام، دشنوا الفعاليات الاحتجاجية والمسيرات بمئات الآلاف، فقتل منهم من قتل وجُرح من جرح، ولايزال الآلاف منهم في الخيام في الساحات ممن ينشدون التغيير الذي يجب أن يحدث، ويعيد لهذا البلد هيبته ولليمنيين سعادتهم الأولى.
يتذكر اليمنيون أن الرئيس السابق إبراهيم الحمدي دفع حياته ثمناً لهذا المشروع الحضاري، خالص الوطنية، يوم أن قال بأن هذا مال الشعب، ولا يمكن أن يطاله العبث.
لكنهم يتحسرون على أحد أهم الشخصيات التأريخية، إن لم يكن قامت اليمن المتفردة على الدوام، وكم نحتاج اليوم لألف ألف من إبراهيم، المنقذ الرئيس المخلص والزعيم الإنسان.
بصراحة - أقول - بدأنا نشعر بأن الزمن الجميل رويداً.. رويداً يعود، ونحن نلمس توجهات من هذا النوع الجاد.
ولا يمكن أن يكون هذا الحديث الآن مجرد كلام مقتضب، يذهب في طريق التلميع للحكومة أو رئاستها، كما ولن ينسحب على طرف بعينه، بقصد الخوض في فلك طرف آخر، على القدر الذي على الناس الذود عن حقهم وانتزاعه من كروش زعماء الاستحواذ، من مشايخ ومتنفذين ومنتفعين، يجب أن ترتفع الأصوات ضدهم بكل قوتها وقدرتها الصارخة بزجرهم، وإيقافهم عن مواصلة مراحل العبث المستمر.
من وجهة نظري ستظل هذه الأصوات المنادية بعدم التخلي عن قوائم الهبات نواة الفساد، ولا يمكن أن تصمت عن نزواتها؛ لكأنه حق مستقطع من أرزاق أبنائكم وعرقكم في مدارب الحياة والجد والعمل بشظف مضاعف، فيما هم لا يقومون سوى بالاستحواذ على حقوقكم واستنزاف مقدرات الوطن.
إننا على يقين - في هذه اللحظات - أن هذه النزوات المراد لها أن تظل في عبثها، ستجابه بنداءات وأصوات ضدية أكثر حدة، خاصة والساحات لاتزال مشرعة الخيم، وبإمكان تفعيل أي دور لها اليوم في مساندة التوجهات التي بدأت طمر الفاسدين بفسادهم، وتغييبهم عن أدوارهم الهدامة؛ حيث شكلت مجمل الأعباء على وطننا واقتصادنا المتهالك، المتآكل بأفعالهم، التي جبلت شهيتهم على تنمية الأرصدة والعيش بترف مفرط من قوت الشعب المقهور، وهاهي تولول وتضج منددة بمواقف اتخذها رئيس الحكومة السيد باسندوة.
من الضروري أن تصطدم - وتسقط - هذه الأصوات التي بدأت تُخوّن وتطلق التهديدات بالويل والثبور، بغرض إحباط هذا الأداء الملحوظ، وإفشال هذا المشروع الهام.
يجب أن لا تختفي، عليها أن ترتفع؛ لأنها الحقيقة للضدية غير النبيلة؛ كون المهمة صعبة، والمرحلة التي يسير بها الوطن يجب ألا تحيد عن هذه الأفكار التغييرية المجيدة، سامية الهدف عالية المقصد.
على الشرفاء أن لا يكتفوا بمجرد النظر إلى هذا التوجه الوطني النبيل، علينا أن نشارك بكل ما نستطيع بالكتابة لفضح المستفيدين من هذه البرامج الاستنزافية التدميرية القبيحة.
علينا أن نندد بكل ما يمكن لتخليص الوطن من هؤلاء العصابات المتمترسة خلف رغباتها الفتاكة بالوطن والناس، هذه الأفاعي القابعة وراء مخططاتها العدائية القاتلة لكل ما من شأنه إعادة البهجة لهذا الوطن وأبنائه البسطاء.