الدخول في الحتمية التونسية

    اشتعلت النيران في جسد البوعزيزي، لكنها ما لبِثت، في أقل من شهر، أن التهمت ربع قرن من فساد ديكتاتور قرطاج. في تاريخ تونس السحيق انتصر حنا بعل، بطل قرطاج، على إمبراطورية روما لربع قرن من الزمن. في التاريخ الحديث، عاث ثور قرطاج الهارب بن علي في كرامة ومستقبل تونس لربع قرن من الزمن.


 لم يندحر حنا بعل إلا بعد زمن طويل بفعل الفيلة في جيش الرومان، والمرتزقة في جيشه. أما ثور قرطاج الجبان والصغير فقد سحقه بائع الخضرة، أعظم شهداء العصور الحديثة: البوعزيزي. هللويا! فخامة الرئيس زين العابدين بن علي ظل عالقاً في الأجواء لـ 12 ساعة هو وزوجته كما لو كانوا مجرّد كومة نفايات آدمية تستنكف كل الحكومات والشعوب عن استقبالها. لقد تحوّل فخامته إلى مادة للمناكفة والذم.. قناة العربية تنسب لمصادرها أن طائرة بن علي "ستهبط في قطر" فتبارد قناة الجزيرة إلى التبرؤ من هذا الإثم ، من هذه القذارة المحققة، من هذا العيب التاريخي المحض: بل سيهبط في السعودية. وفي الشوط الأخير هبط في جدّة، ووضع تحت المراقبة كما لو كان خنزيراً في مسجد، أو مرضاً معدياً في مجتمع نظيف! فخامة الرئيس بن علي، يا كومة النفايات، ما أذلك الآن وما أقوى ضحاياك!


حتى الحاجة نانا، والدة زوجة الرئيس التونسي، تفرّغت للفساد والتدمير. لقد تخصصت في توفير الوظائف، القبول في الجامعات المحلية، والحصول على المنح الدراسية مقابل المال .. بالعملة الأجنبية. إنه نشاط مربِح لسيدة في ما بعد سن التقاعد. أما الأبناء والبنات فقد تحوّلوا إلى غيلان شديدة الشراهة تأكل الساحل والصحراء والجبل. مجموعات توصف بالطفيليّة المتوحّشة – تماماً مثل ذلك الوصف الذي يرد في التقارير الخارجية عن مجموعات يمنية مشابهة تأسست بعد العام 1994. استحوذت جماعة بن علي، زعيم قرطاج المهووس، على كل ما لا يمكن أن يخترعه الخيال الأكثر خصوبة. أمّا رأس مالها فلم يكن سوى النفوذ.


إنها صورة شديدة الشبه بالمشهد اليمني. يمكن لأبسط قارئ أن يعقد مقارنة عديدة الأذرع بين المجموعتين: تلك المحيطة ببن علي، والأخرى المحيطة بالرئيس علي. أما محمد عبد الملك المتوكّل، السياسي اليمني المعروف، فقد كتب حول هذه المطابقات والمشابهات: سقط الابن فهل يتعظ الأب!


عمل نظام بن علي على توفير بنية تحتية وخدمية عصريّة. وصل الإنفاق على التعليم في بعض مراحل فترة حكم بن علي إلى حدود 50% من الموازنة العامة. الخدمات الصحّية، أيضاً، بلغت مستوىً متقدّماً على الصعيد الإقليمي. وعبر عمليات بناء وترويج استطاعات تونس أن تكون واجهة رئيسة للسياحة، وواحدةً من أهم القوى الاقتصادية الناشئة في المنطقة، حتى وصفت على لسان جاك شيراك بالمعجزة.


لكنها كانت معجزة مليئة بالدجل والشعوذة. فالناتج القومي السنوي يعاد توزيعه على فئات احتكارية مجهرية تشكّل دوائر قريبة من كرسي الرئاسة. بينما يقع الجمهور التونسي الكثيف (عشرة مليون نسمة) خارج دائرة جني أرباح تلك المعجزة الأفّاكة. يحدث نفس الأمر في اليمن، إذ إن إجمالي الناتج المحلي السنوي في بلادنا يعادل 25 مليار دولار(أرجو أن لا يخلط الأمر مع الموازنة السنوية، فذلك أمر مختلف) في حين يعيش حوالي 15 مليون يمني تحت خط الفقر المدقع، بينما يعاني 62% من أمّية القراءة والكتابة، ولا تتجاوز نسبة مستخدمي الإنترنت 2%! أما بالنسبة لأولئك القادرين على شراء السيارات الجديدة وتناول اللحم أكثر من ثلاث مرّات في الأسبوع فإنهم في أحسن الظروف لن يتجاوزوا ما نسبته1%.


بعد حرب 1994 تناثرت الجماعات الطفيلية في الشمال والجنوب والشرق والغرب. جرى الاستحواذ على 55 مصنعاً في الجنوب، وتسريح حوالي 25 ألف عامل كدفعة أولى. وفي النتيجة بيعت المصانع على هيئة خردة، وسُمسِرت الأراضي التي كانت يوماً ما "مصانع مملوكة للدولة" مقابل مئات الآلاف من الدولارات، كما في تقرير باصرّه – هلال (السرّي للغاية)! أما في الغرب اليمني فإن شخصاً قريباً من "بن علي" استحوذ على مساحة من الأراضي تعادل في مجموعها مساحة مملكة البحرين، كما يظهر بوضوح شديد في تقرير اللجنة البرلمانية التي درست حالة النهب في أراضي تهامة.


تونس واليمن، المقدّمات السيئة لصالح جودة نظام بن علي بالنسبة للنظام اليمني. أما النتائج فستتشابه بفعل الحتمية التاريخية. أرجو أن لا يتحسس أدعياء ما بعد الحداثة من فكرة الحتمية. وبالرغم من أن نظام بن علي كان أكثر ذكاءً من نظام الرئيس علي، إلا أنهما سيحصدان النتيجة ذاتها في الأخير. فمثلاً، في الانتخابات البرلمانية التونسية الأخيرة أعطى نظام بن علي كوتا برلمانية لأحزاب المعارضة بنسبة 25%. في حين تكشف الحقيقة الخالصة أكاذيب ودجل الديموقراطية التي يدشنها نظام الرئيس علي في اليمن، إذ بعد عقدين من تدشين المناخ الديموقراطي الشكلاني تبلغ نسبة أحزاب المعارضة في البرلمان اليمني فقط 17%! وحتى هذه النسبة الفقيرة، التي لا تعكس بكل تأكيد الحضور الجماهيري والأيديولوجي لهذه الأحزاب، فقد حازتها المعارضة "من بين أنياب التزوير" كما في تصريح شهير للشيخ اليمني الراحل عبد الله الأحمر. أما بالنسبة لموقف النظامين من التعليم والصحة، وقدرة النظامين على السيطرة على كامل التراب الوطني فإن الأفضلية ستكون لصالح نظام بن علي، بكل تأكيد. ناهيك عن حقوق المرأة، وفعالية الأنظمة الداخلية كنظام المرور، وكفاءة البيروقراط، وجودة التعليم الجامعي، والمظهر الجمالي الكلي للمدن، والقدرة على تسويق الدولة باعتبارها جهة سياحية وحضارية. كل هذه العناصر ستمنح نظام بن علي أفضلية مؤكّدة، بفارق سنوات ضوئية، على نظام الرئيس علي. وكل هذه الامتيازات لم تحُل دون طرد ثور قرطاج القاتل، والدوس على صوره في الميادين والشوارع، ولعنه من قبل مواطنيه في كل عواصم العالم. كان قبل أشهر قليلة فقط يخرج على مواطنيه مثل إله صغير، فيصفقون له بحرارة، يلوّحون له كما لو كان واحداً منهم، وبطلاً من أبطال سيرهم. لقد نافقوه خوفاً منه، باعوه حبّهم وأخفوا في ضمائرهم موقفهم الحقيقي تجاه ثور قرطاج الدموي. لقد أنكر مواطن تونسي وجود ابنٍ له في معتقلات بن علي، مثنياً على عدالة رئيسه ورجاحة ميزان عدالته. وفي السر يعترف لمندوبي المجلس الوطني للحريات أنه إنما فعل ذلك خوفاً على بقية أبنائه الخمسة!


سنعود مرّة أخرى لكي نتحدّث عن أن النتيجة في الحالتين، اليمنية والتونسية، برغم أفضلية النظام التونسي، ستكون متشابهة: انهيار النظام. ذلك لأنهما عملا كل ما بمقدورهما لمنع انتقال النظام والمجتمع إلى مرحلة "الدولة". الدولة التي تديرها المؤسسات، الصورة العملياتية لإرادة الجماهير، لا يمكن أن تنهار. الأنظمة هي التي تفعل. آلية الانهيار تكمن في النظام نفسه أكثر من توافرها خارجه، فكل العلامات تقول لنا إننا بإزاء نظام، وهو جماعة أوليغاركية ذات امتيازات نفوذ وثروة، وليس دولة. مرّة أخرى: إن الدولة هي سيادة المؤسسات للدرجة التي تحول دون نفاذ جماعة بعينها إلى الأجهزة التكوينية للدولة وتعطيلها لأجل تمرير مصالحها وامتيازاتها، كما يحدث على نحو متكرر في كل من اليمن وتونس.


إن الدولة حين تكون دولة بالمعنى القاموسي والسياسي والقانوني تصبح أمراً آخر مجاوزاً ومفارقاً للنظام، لذا فإن نظام بن علي - برغم موقفه الإيجابي من أناقة المدرسة ونظافة الشارع وتناسق الكورنيش- يظلّ مجرّد نظام خاص بمجموعة طفيلية تعمل على مراكمة أمرين: الثروة والسخط الشعبي. يتنامى السخط الشعبي مع تنامي الثروة. وهكذا تصبح كل قطعة خبزِ هاربةٍ من يد المواطن دولاراً يضاف إلى حساب أفراد تلك الجماعة / العصابة الطفيلية اللدنة. يكتمل المشهد، كما حدث في كل الأزمنة والأماكن، مع انهيار أكوام الثروة تحت معاول الغضب الجماهيري المدمّر. هذا المنطق شعبوي، نعم، لكن التحولات التاريخية الكبيرة هي أكثر الحقائق شعبوية وجماهيرية. وحدها بقيت الرؤى النخبوية المسفسطة شديدة التعقيد نائية عن الوقائع إلا لماماً.


إن ميكانيزم إثارة السخط في البلدين متشابهة إلى حد بعيد، مع أن النظام التونسي عمل كثيراً لأجل تبديد نسبة معقولة من ذلك السخط عبر تأسيس بنية تحتية ومدنية مريحة. لكن التشابه في البنية الداخلية الرخوة والفاسدة في النظامين وكل نظامٍ يعمل وفق ذات الآليات الأوليغاركية يستمر في تفتيت البنية الكلية عبر عملية هدم متأنية وعميقة، فمثلاً: حصل صهر بن علي، من عائلة مبروك، على 2 مليون دولار مقابل فرض نفسه وكيلاً وحيداً لشركة الكاتل على حساب متعهّدين آخرين قدموا منتوجات أفضل، وهي قصة شبيهة بتلك التي وردت في وسائل إعلام أميركية عن حصول أحد أقرباء الرئيس علي، في اليمن، على 2 مليون دولار مقابل "الضغط" على شركة شلمبيرغر تحت مسمى الخدمات. وإذا ارتفعنا في الأرقام أعلى من الرقم 2 مليون دولار فإننا سنحصل على أسماء متشابهة، في أنشطة طفيلية متشابهة، وعلى مستوى متشابه من القرب من مركز النظام في البلدين الشقيقين!


لكن نظام الرئيس علي تفوّق على نظام بن علي في قضايا أكثر خطورة من نشاط الجماعات الطفيلية الانتهازية صاحبة امتيازات الثروة والسلطة. خذوا، على سبيل المثال، 3 آلاف قتيل و14 ألف جريح من أفراد القوات المسلّحة في حروب صعدة. ومثلهم من جانب جماعة الحوثي، ثم اجمعوا هذا الرقم المخيف إلى 370 ألف مشرّد.


وإذا كان نظام بن علي قد أقدم على قتل 80 محتجّاً مدنيّاً، وحصد مقابل ذلك هروبه الكبير من الثروة والسلطة والوجود الشريف، فإن نظام الرئيس علي قد تسبب في مقتل أكثر من 500 شخص من المحتجين في جنوب اليمن مضافاً إلى ما سبق. بينما يخفي الأرقام الحقيقية لقتلى الجيش بسلاح نشطاء القاعدة والحراك، وحتى الساعة فإنه لا يزال يحصد بقاءه القلق والمضطرب. قد تبدو الكلفة النهائية للبقاء المضطرب والقلق أكبر من كلفة الهروب المبكّر بما تيسّر من المكاسب. لقد أدرك بن علي هذه الحسابات لكنه لم يكن مبكّراً بما يكفي ليتحاشى طرد أفراد عائلته من مولات أوروبا وتجميد أرصدته في بنوكها!


دعونا نتذكر أن ثور قرطاج، المخلوع بن علي، لم يتسبب في ترحيل 855 ألف مواطن تونسي من دول الخليج بسبب موقف شديد الرعونة والحمق، وتلقين الجماهير التي لم تكن تعي كارثية ما تردده من شعار أجوف شديد التفاهة والجنون: بالكيماوي يا صدام! في منتصف التسعينات ابتسم صدام حسين أمام رفاقه وهو يقول "يقولون إن علي عبد الله صالح هو صدام الصغير وأنا أقول إن صدام حسين هو علي عبد الله صالح الصغير" ثم انفجر بالضحك على طريقته المتوحشة.


يمكن ملاحظة أن بمقدورنا أن نعقد مقارنة علمية عميقة بين نظام الرئيس علي وأي نظام آخر في العالم لا يتوافر على شروط وخصائص الحكم الرشيد، وطبيعي إذن أن النتائج المتماثلة والأسباب البنيوية الكامنة والمتشابهة، ستقود إلى نتائج متشابهة وليس بالضرورة متطابقة. يمكن القول بوجود تشابه شديد بين نظام صدام حسين ونظام بن علي في تونس. نعني بذلك: آلية عمل النظام عبر جماعات شرهة ومتوحشة تستحوذ على الاقتصاد، وتصوغ السياسات والأنظمة طبقاً لترتيباتها الأنانية، وتخصخص الجيش والأمن والقضاء لحساب نزواتها وتطلعاتها، في خلفية كبيرة اسمها: الغياب الكبير لدولة المؤسسات الحديثة.


نظام الرئيس علي هو إحدى نظائر هذه الحالة الشائهة والمهترئة، وعلى المدى المتوسّط ستكون قدرة البقاء لهكذا أنظمة قد استنفذت كامل صلاحيتها وستنهار مثل بيت من الطين، وكما انهارت صخور الدويقة في مصر والظفير في اليمن بفعل التعرية والتاريخ. حتى علم الاقتصاد الكلاسيكي يطرح مثل هذه المقولات بحماسة شديدة. ذلك أن أنظمة أوليغاركية نفعية طفيلية كتلك المشار إليها لا تفتأ أن تصل إلى درجة "العجز التام" عن توفير فرص الحياة لمواطنيها: لقمة الخبز، والمسكن، وسبورة المدرسة، وراتب العسكري. ألم يكن هذا هو بالضبط ما حدث في تونس، بعد ربع قرن من هيمنة النظام على المجتمع واختطاف الدولة لصالح طبقة صغيرة؟

 

المصدر أونلاين
 



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك