اسقاط النظام... كما لو أنه تسبيح

من شرخ جانبي في إحدى خيام ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء، تسلل صوت ودود إلى الخيمة التي كنت محشواً رفقة زملاء في أحضانها. "يا خيمة شباب الإعلام.. هذا السلك الكهربائي مجروح.. انتبهوا" إنه صوت لأحد المعتصمين الشباب كان ماراً بجانب الخيمة ولاحظ أنه هناك مشكلة؛ فقرر أن يسدي نصيحته ليدفع بالضرر المفترض عن مأوى وحياة أخوة له من الشباب المحتجين.


الثلاثاء الماضي، كان يوماً ثورياً ودوداً بامتياز؛ ليس لأن خمس ساعات من مسائه خصصت رفقة أصدقاء لتلمس طموح الثورة في أول مراحل مخاضها وحسب، ولكنه أيضاً، شكل بالنسبة لي وأصدقاء علامة فارقة في قراءة مستقبل الانتفاضة اليمنية ضد نظام؛ بات يوصف بأنه قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.


في الـ3 عصراً، تدحرجنا باتجاه مخيمات المعتصمين عند جامعة صنعاء، أو ما بات يعرف اليوم بـ"ساحة التغيير". بدا البعض منحازاً لفكرة البحث عن مستقر داخل إحدى الخيام، غير أن ازدحامها إلى جانب الاندهاش ببضاعة الحرية بكل ما فيها من غضب أو تندر، حتم علينا ملاحقة طرافة الشعارات المكتوبة وحدة الهتافات المدوية في مختلف أرجاء الساحة.


تكتشف وأنت تحاول اجتياز السياج الأمني للساحة أن ضجيج الثورة يبدأ في التشكل بوضوح. تستسلم بابتسامة، لإجراءات التفتيش من قبل أفراد الأمن المركزي، ولا يغادرك شعور قط، بأنك تقف على مشارف معركة. غير أن عبارات الترحيب لصفيين متتاليين من أفراد اللجان الأمنية المدنية التي شكلها الشباب أنفسهم لحماية المعتصمين، والتي تقف بكل نباهة واقتدار على محيط الساحة، تعيدك إلى جادة الطموح.


كل معتصم هو في الأصل ثائر أو زعيم يقود مستقبله، أو هكذا يشعرك المعتصمون بعبارات الترحيب "حيا بهم/ حيا بهم" وأنت تجتاز تجمعاتهم متجهاً إلى قلب الساحة حيث تنتصب المنصة ويفترش الأرض الآلاف.


الانطباعات حول طبيعة الاحتجاج في ساحة التغيير ومشاعر الود والتآزر في وجوه المحتجين وملامح النضال والصمود في شعاراتهم وصيحاتهم لا يمكن أن تختزل في بضع عبارات. لكن ما هو أبعد من ذلك؛ هو أن هناك إيمان كامل بأن الشعب اليمني قرر أن يصنع قدره بنفسه وهاهو يبدو في أول خطوات المستقبل البهيج.


في نزهة النضال هذه، عجز توفيق؛ صديقي الذي يزور المعتصمين لأول مرة، عن إخفاء اندهاشه الكبير بالتنوع الذي تشهده الساحة المكتظة بطموحات التغيير. خيام خاصة بوفود من مختلف المحافظات.. وجوه بملامح بشوشة لأناس بأجسام متباينة/ ملابس ولهجات متنوعة/ ألوان وأجناس وفئات مختلفة؛ يجمعهم فقط، مستقبل اليمن وصوت أيوب طارش.


خمس ساعات ليست كافية بالطبع، لترجمة الانتماء الكامل لهذا الطموح الذي بدأ يتشكل واقعه. لكن لحظات الوقوف بجانب دائرة من البشر تحيط بأطفال تبدو عليهم ملامح البؤس وهم يرددون "ارحل يعني امشي.. امشي يعني برع.. برع يعني رح لك" وغيرها من شعارات المحتجين المطالبة برحيل الرئيس صالح. ليس أثمن من دقائق المرور بجانب الخيام المنتشرة في الساحة وقراءة ما عليها من شعارات أو التمتع بمشاهدة صور طريفة كتلك التي تظهر الرئيس صالح في محل لصناعة الجنابي في باب اليمن بالعاصمة صنعاء، في إشارة إلى أن بإمكانك أن ترحل من السلطة وتذهب لأي عمل خاص يليق بك من الآن فصاعداً.


لا تختلف الشعارات كثيراً عن ما تردد في تونس ومصر إبان ثوراتهم، فمن المؤكد أن موجة الانتفاضة تمضي أيضاً من دولة لأخرى محملة بالأساليب والوسائل.


عبد الرحمن؛ مواطن يمني ينتمي لمدينة رداع بمحافظة البيضاء؛ يبدو أنه حاول أن يبتكر طريقة مميزة في التعبير عن الرفض الكامل لنظام الرئيس صالح. فالشاب الذي قال أنه يعمل مسرحي كان يحمل في أحضانه قطة؛ بسة كما يحلو لبعض اليمنيين تسميتها وعلق على رقبتها لوحة صغيرة مكتوب عليها "ارحل.. حتى البسس سئمتك". لقد أكد عبد الرحمن لـ"الشاهد" أن لديه عدة أفكار معبرة وطريفة لكنه لم يخف تذمره الواضح من موقف اللجان الثقافية والإعلامية المشرفة على ساحة الاعتصام. حيث قال أن بإمكانه أن يشارك من خلال إسكتش معبر في المنصة، لكن لا احد يسمع له فهناك من يسيطر على المنصة ولذا لجأ إلى الشعارات وابتكارات طرق أخرى للاحتجاج. وذلك في أشارة لبعض الاختلالات في اللجان.


(لجنة شباب الإعلام) وهي لوحة علقت فوق خيمة احتضنتنا لساعات، كانت هي الأخرى قد دفعتني للتفكير الجدي فيما إذا كان هناك أخطاء إدارية يجب أن تعالج في الحال. أشرف وهو طالب إعلام وأحد أعضاء اللجنة التي تصدر يومياً نشرة بإمكانات ذاتية بدا كما لو أنه مستاء من تعامل المركز الإعلامي الخاص بالساحة. لكنه لم يكن أكثر حدة من أحد زملائه الذي يطالب بضرورة أخذ موقف مكتوب أو عمل ما يشبه البيان يشجب فيه استحواذ شباب الأحزاب على جهود الآخرين من الشباب المستقلين.


في ذات التوقيت الذي كنا نناقش فيه عدم فرز المحتجين أو تصنيفهم بين متحزب ومتسلق وانتهازي ....الخ. جاء صلاح وهو أحد أعضاء مجموعة أسمت نفسها (شباب بلا أحزاب) ليتعرف على شباب الخيمة ويعرض عليهم تعاون هو الآخر لم يخلوا من محاولة إيجاد حل لذات المشكلة.


وإلى ذلك، كان الأمر قد وصل عبر همهمات من شباب أحزاب أو غيرهم في صنعاء وتعز أو من خلال منشورات الكترونية تفيد بأن شباب حزب الإصلاح يستحوذون بقوة على لجان المعتصمين في الساحات. وهو الأمر الذي لا يجب أن ينتشر ولا يجب أن يستحوذ على الاهتمام بقدر ما يتوجب على الجميع أن يعلموا من أجل هدفهم الوحيد وهو إسقاط النظام.


وأنا أهم بمغادرة الساحة لمتابعة مهامي خارجها، وقفت فجأة أمام العشرات من النساء يحاولن اجتياز صفوف المحتجين بعد أصوات من قبل أحد المواطنين "يا شباب طريق للنسوان الله يخليكم". وقبل أن أغير مساري سرت همهمات من معتصمين اثنين كانوا بجانبي لحظة مرور النساء؛ قال احدهم للآخر: "والله أنا أشوف أنو حضور النساء مش مهم". التفت إليه بالطبع، لكن.. لم اكترث بالرد عليه أو التدقيق في تفاصيل وجهه ما إذا كانت تشير إلى أنه متشدد أم لا.


لا داعي لأي تزمت في أيام ثورية كهذه، لقد سن أخوان مصر لغيرهم سنناً تجيز ما يراه بعض المتشددين جرماً أو لنقل خطأً. فمثلاً سمعت عن أن القرضاوي قال للمحتجين المحتشدين في "جمعة النصر" وسط القاهرة: "اركعوا ولو لظهور بعضكم". أنا أيضاً في ساحة التغيير بصنعاء صليت المغرب وبجانبي أحدهم يصلي بحذائه وآخر يتخطى الصفوف ليكمل الوضوء ويلتحق بالمصليين أو ليتابع مهامه الأخرى. وما إن سلم الإمام معلناً انتهاء الصلاة حتى بادر المصلون بترديد "الشعب يريد إسقاط النظام" كما لو أنه تسبيح.



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك