عقد من تكريس التخلّف، وتنمية الجهل (9).. مدارس تحولت إلى متارس وتلاميذ ثوّار

لمّا كان مسلسل السيطرة الحوثية على المؤسسات قد امتد إلى بعض المؤسسات التربوية، منذ بدء السيطرة المباشرة على مفاصل الدولة في سنة 2014م؛ فقد تحوّل بعضها إلى ثكنات لتخزين الأسلحة الثقيلة، والاختطاف إليها، في العاصمة صنعاء، قبل أن تتحول هذه الحالة إلى ظاهرة عامة، بعد أن بدأت بالسيطرة على مقارّ خمس مدارس حكومية، ظلّت العناصر الحوثية مستحوذة على بعضها لأسابيع، ورغم التوسل والمناشدة سواء من قبل بعض المنظمات كمنظمة (مواطنة)- على سبيل المثال- أم من قبل بعض مديرات المدارس، وبعض المعلمات والطلاب والطالبات، الذين حملوا الورود إلى تلك العناصر المسلّحة، لإخلائها من المدرّعات التي نقلها المسلحون إلى حرم المدرسة؛ لكنهم رفضوا ذلك ([1])، مما أدّى إلى احتجاجات بعض طلبة تلك المدارس ومعلميها ومعلماتها.

وظلت مثل هذه الممارسة في تحويل بعض المدارس إلى متارس سِمة المرحلة الأولى للسيطرة الحوثية على العاصمة وغيرها، وأصبحت المدارس تصوّر كما لو أن تلامذتها باتوا مستسلمين لهيمنة الميليشيات، بما تحمله من ثقافة جديدة سِمتها الشعارات (الإيرانية)، التي عُرِفت بها الحركة الحوثية كذلك، وأبرزها شعار الموت أو ما يسمونه (الصرخة) ضدّ أمريكا وإسرائيل، لكن ذلك لم يتحوّل إلى حالة قبول في الوسط الطلابي، كما كان يظن البعض، بل إلى حالة رفض متزايد، من قِبَل الحركة الطلابية بكل مستوياتها، ومن أبرز شواهد ذلك ما حدث – على سبيل المثال- أثناء زيارة محمّد علي الحوثي، رئيس ما كان يسمّى باللجنة الثورية العليا إلى مدرسة ثانوية الكويت بصنعاء صبيحة 21/11/2015م، يرافقه نائب وزير التربية والتعليم- حينذاك- الدكتور عبد الله الحامدي المكلَّف من قبل الحوثين بقيادة الوزارة (قبل انشقاق الأخير عن حكومتهم في منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول 2018م)، وذلك حين كان بدأ الحوثي يوجّه كلمته إلى الطلبة، بهدف الوقوف في وجه ما يصفونه بـ (العدوان الخارجي)، في إشارة إلى التحالف العربي، الذي تقوده السعودية ضدهم وحليفهم صالح- وقتذاك-، بناء على طلب من الرئيس عبد ربه منصور هادي، وكان تعويل أغلب الشعب، بكل فئاته كبيراً – حينذاك- على التحالف، قبل أن تخيب آمالهم، جرّاء سياساته المدمّرة في اليمن بعد ذلك، وخاصة دولة الإمارات العربية المتحدة، أمّا محمّد علي الحوثي فتبيّن أن الهدف من حرصه على اللقاء بالتلاميذ وتوجيهه كلمة أمامهم؛ كان تهيئتهم للانخراط في صفوف مقاتلي جماعته، غير أن التلاميذ واجهوا كلمته بالمقاطعة بالنشيد الوطني المضاد لصرخة الحوثيين، بعد أن انبرى أحد أتباع الحوثيين لترديد الصرخة، فقاموا بطرد الحوثي ونائب الوزير، ومن يرافقهم، وشيّع بعضهم الأول بحذفه بالحجارة، وسط ترديد النشيد الوطني المدوّي، رغم تهديد بعض المعلَّمين، بل مباشرتهم بعض الطلبة الهاتفين بالنشيد الوطني، بالضرب الفعلي بالعصي وغيرها، في محاولة منهم لإسكات التلاميذ بالقوة، وذلك كما تظهره المشاهد المسجّلة بالصوت والصورة ([2]).

وقامت طالبات مدرسة بلقيس للبنات بأمانة العاصمة (صنعاء)، قبيل ذكرى ثورة الـ26 من سبتمبر عام 2019م، بالتعبير عن رفضهن القوي المتكرّر، لقرار الحوثيين بإقالة مديرة المدرسة- حينذاك- فايزة الصيادي، ووضع بديلة لها، من عناصر الحوثيين، تدعى أمة الكريم المتوكّل، مع وكيلة لها([3]). ويُظهر مقطع فيديو احتجاج طالبات مدرسة بلقيس للبنات على إقالة مديرة المدرسة السابقة، بمديرة من عناصر الحوثيين، ورفعن شعارات مناهضة للحوثيين، وزاد من حدّة الاحتجاج ما تردّد من أن المديرة الجديدة صفعت إحدى الطالبات المطالبات بعودة المديرة السابقة، فاندلعت الاحتجاجات داخل المدرسة بقوة وصخب لافتين([4]).

وكان قد سبق تلك الحالة مشهد آخر مماثل لطالبات مدرسة بلقيس للبنات بمدينة ذمار، في 5/12/2018م، بعد أن تم تعيين مديرة حوثية للمدرسة من قبل الحوثيين، تُدعى أمة القدوس الغرباني، حين قامت بإخراج الطالبات من الحصة الثالثة، يوم الأربعاء 5 ديسمبر /كانون الأول 2018م، أثناء حضور قيادي حوثي، معيّن مديراً لمكتب التربية بالمحافظة، يُدعى عبدالكريم الحبسي، وطالبت المديرة الطالبات بترديد "الصرخة" الحوثية وراءه، بعد أن قام ومرافقوه بترديد الصرخة الطائفية، فما كان من الطالبات إلا أن قاطعنهم بترديد هتافات "بالروح بالدم نفديك يايمن". ونُقِل أن مديرة المدرسة توعّدت بفصل الطالبات اللاتي رددن هتاف "بالروح بالدم نفديك يايمن"، ورفضن ترديد الصرخة الحوثية، كما نُقِل أنها اعتدت بالضرب على إحداهن، وهي ابنة شرهان، في حين تجمَّعت الطالبات متضامنات مع زميلتهن، مما حدا بالمديرة إلى التوقف عن اعتدائها، لكنها ظهرت في حالة "هستيريا" في تصرّفها داخل المدرسة، وفق المصادر التي أوردت الخبر ([5]).

وفي محافظة ذمار كذلك؛ حاول مشرف حوثي يعمل في مكتب التربية والتعليم بالمحافظة، في 11/11/2016م، أن يدفع تلاميذ مدرسة زراجة في مديرية الحداء بالمحافظة، بعد إلقائه كلمة فيهم، لترديد شعار الحوثيين، فأبدى بعض المعلِّمين امتعاضهم، وإذا بالتلاميذ يردّدون هتاف (بالروح بالدمّ نفديك يا يمن)، فحاول المشرف الحوثي أن يرفع صوته أكثر، وإذا بالتلاميذ يستمرون في ترديد الشعار الوطني، مما دفع به ليحطّم (سماعة) الصوت (الميكرفون)، بقوة على سياج المدرسة، وذلك أمام عدسة التصوير المرئي، كما يظهره مقطع الفيديو ([6]).

وفي محافظة حجّة اندلع احتجاج عاصف في مدرسة الصُباح، بمديرية شَرِس بمحافظة حجة، في 23/11/2015م، حين قدم محمد الشطبي، مدير التربية بالمديرية، المعيّن من قبل الحوثيين، ومدير المدرسة زيد طفيان، وبعض المتنفّذين في المديرية إلى المدرسة، ليقيموا فعالية ضدّ ما وصفوه بـ(عدوان دول التحالف)، فاستقبلهم تلاميذ تلك المدرسة بالحجارة والنعال، ولم يسمحوا لهم بإلقاء أيّة كلمة، ثم تركوهم وحيدين، بعد أن غادر التلاميذ المدرسة ([7])، ثم تتالت حالات مماثلة أخرى منها ما نقل عن مدرسة بـ(أفلح اليمن) يوم 24/11/2015م بالمحافظة ذاتها (حَجّة)، عن محاولة مماثلة، من قبل قيادات حوثية، عنوانها (التصدي للعدوان) لكن تلامذة المدرسة واجهوا تلك القيادات بالرفض والنشيد الوطني كذلك، كما أن محاولة حوثية مماثلة جرت في اليوم ذاته 24/11/2015م في وسط مدينة إب، منطقة المعاين، بعد أن نسق أحد مشرفي الحوثيين هناك، مع مديرة مجمع الغيثي بالمنطقة، على ترتيب إذاعة صباحية يحضرها بعض قيادات الحوثيين بالمنطقة، موجّهة ضدّ ما يصفونه بـ(العدوان)، غير أن تلميذات المدرسة المكلَّفة بالإذاعة الصباحية فاجأنهم بإعداد برنامج إذاعي كامل، يتناول موضوع حب الوطن فقط، مما دفع بأحد قيادات الحوثيين ليأخذ سماعة (الميكرفون)، ويلقي كلمة يطالب فيها الطالبات بترديد صرختهم، فتردّ الطالبات بهتاف جماعي واحد لفترة طويلة (بالروح بالدم نفديك يا يمن)، فعاد الحوثيون أدراجهم في وضع لا يحسدون عليه! ومثل ذلك ما حدث في عدد من مدارس مديرية معين بأمانة العاصمة صنعاء في 15/12/2015م، أثناء زيارة قياديين حوثيين لعدد منها كمدرسة الأندلس التي أمرت الطالبات بالاحتشاد في فنائها، وبدأ الهجوم على السعودية ودول التحالف العربي، من قِبل مندوب الوفد الحوثي، غير أنّه لم يهتف بالصرخة الشهيرة كالعادة بل بهتاف بـ(الروح بالدم نفديك يا يمن)، أمّا الطالبات فظللن في حالة صمت مطبق، لكنه حين تطرق لشتم القائدين العسكريين عبد الله السهيان، وسلطان الكتبي اللذين قضيا في اليوم السابق (14/12/2015م)، داعياً عليهما باستحقاق الموت، ثمّ شتم قائد المقاومة الشعبية في تعز الشيخ حمود سعيد المخلافي؛ تحوَّلت المدرسة إلى حالة هرج بالتصفير والهتافات المختلفة المضادة للحوثيين، وانفضَّت جموع الطالبات، فصعد عدد كبير منهن الطابق الثاني، ثم هتفن بصوت جماعي: "منصورة يا تعز منصورة"، ولم يتوقفن، ورغم المحاولات المكثفة من المتحدث الحوثي ومديرة المدرسة وسواهما بإيقاف اعتراض الطالبات، ومحاولة إثارة بعض الخجل فيهن بمناداتهن (أنتُن بنات)؛ فلم تتوقف الاحتجاجات، وتلقّت مديرة المدرسة عدداً من الشتائم، مصحوبة بالتصفير، لموقفها المؤيد للحوثي، والسماح له بدخول المدرسة، حتى اضطر "الوفد الحوثي" للمغادرة تحت ضغط الاحتجاج والهيجان!

وقل مثل ذلك عن طالبات مدرسة بدر الكبرى بأمانة العاصمة، في 22/12/2015م، وطلاب مدرسة الفاروق في مدينة عمران، وغيرهم في أكثر من محافظة ومدينة ومديرية.

أمّا في مدينة تعز فقام من يُعرفون بـ"المتحوثين" هنالك في 17/4/2016م؛ بمحاولة إقامة مهرجان في مدرسة 7 يوليو بالحوبان، في وجهّ ما وصفوه بـ(الصمود ضدّ العدوان) فكان أن أفشل الطلبة مهرجانهم كذلك!

لقد قرئت تلك الردود الطلابية بكونها تعبيراً تلقائياً عفوياً رافضاً لاستمرار تلك السياسات والمسلكيات الحوثية، بدءً من الانقلاب على الشرعية في 21/9/2014م، مروراً بهذه المسلكيات العنيفة، في شتى صورها، تلك التي لم تستثن الطفولة والتلاميذ من الانتهاك. هذا في بيئات كان يظن الحوثيون وغيرهم أن صنعاء أو ذمار أو حجة أو سواهما من المناطق التي كانت تمثل حضوراً تاريخياً لأجدادهم، لاتزال اليوم بمثابة حاضنة اجتماعية لهم، غير أن هذه المواقف من قِبَل التلاميذ الذين يمثّلون (فسيفساء) مجتمعها المصغَّر، تثبت أن للتعليم ولو في حدّه المعقول، ولثقافة المرحلة وطبيعتها، ومنطق العصر وسِمة تحدياته؛ أثراً مضادّا لهم ولو بعد حين!

نعم تمكّن الحوثيون بعد ذلك من توسيع قبضتهم الحديدية على قطاع التربية والتعليم -كما التعليم العالي- وأظهروا عنفاً وقمعاً فوق ما قد يتصوّره من لم يتابع سياساتهم عن كثب، وعمدوا إلى كل أساليب الترغيب والترهيب، في وجه المعلّمين والمعلّمات، والقطاع الطلابي، مما تسبب في إسكات تلك الأصوات الثورية من التلاميذ والتلميذات ظاهرياً، غير أن المراهنة على استمرار الغليان الكامن في أعماقهم لاتزال قائمة، وستندلع في أقرب فرصة تلوح فيها معالم الحرّية للخلاص من حكم الحوثيين وسلطتهم، خاصة مع مضيّهم في انتهاج السياسات الاستعدائية العامة للشعب بكافة فئاته، بطابعها القمعي والتجويعي، وإصرارهم السنوات الطوال، على قطع مرتبات الموظفين- وفي مقدّمتهم المعلمون والمعلمات وأساتذة الجامعات- والتذاكي المكشوف عليهم أخيراً، بما يسمّى "قانون الآلية الاستثنائية للمرتبات"، وسنأتي على كشف زيفه في سياقه المناسب من هذه السلسلة -بعون الله تعالى-!


* (المصدر أونلاين)

أ.د أحمد الدغشي- أستاذ أصول التربية وفلسفتها- جامعة صنعاء

---------------------------------------------------

([1]) صحيفة الشارع، ميليشيات الحوثي تواصل احتلال 5 مدارس في صنعاء، وتمنع الطلاب من العودة إلى الدراسة (تقرير إخباري) 30،سبتمبر/أيلول2015م، العدد (923) ، ص 9.

([2])انظر: مقطع الفيديو على قناة بلقيس https://www.youtube.com/watch?v=RaDEWpEkDJE،طلاب ثانوية الكويت الكبرى يضربون محمد الحوثي بالحجارة(تقرير: وئام الأكحلي)،22/11/2015م (شوهد في 25/11/2015م).

([3]) نيوز يمنhttps://newsyemen.news/new/460...،طالبات ثانوية بلقيس يتظاهرن ضدّ حوثنة المدرسة، ،24/9/2019م (شوهد في 28/9/2019م).

([4]) بوابتيhttps://bawabatii.com/news2498...، صفعتها في وجهها فانتفضت أكبر مدارس صنعاء ضدّ الحوثيين،25/9/2019م (شوهد في 28/9/2019م).

([5]) وكالة خبر https://khabaragency.net/news1...، طالبات مدرسة بلقيس بذمار يرفضن توجيه مدير مكتب التربية والمديرة بترديد " الصرخة" والأخيرة تعتدي عليهن، 5/12/2018م (شوهد في 3/3/2019م).

([6])راجع: تلاميذ مدرسة زراجة بمديرية الحداء، محافظة ذمار يرفضون ترديد الشعار الحوثي(مقطع يوتيوب) http://sahafaah.blogspot.com/2...

([7]) الموقع بوست https://almawqeapost.net/news/314، في ثاني موقف خلال ثلاثة أيام: طلاب مدرسة الصباح بحجّة يرشقون لجنة الميليشيا بالأحذية،23/11/2015م (شوهد في 5/12/2015م).


شارك الخبر


طباعةإرسال