ثلاثة وعشرون عاماً من التجربة الحزبية في اليمن، ضمت عدة أحزاب على رأسها التجمع اليمني للإصلاح الذي حلت ذكرى تأسيسه في 13 سبتمبر، وتجربته جديرة بالبحث كإنجاز يمني له ظروفه المغايرة عن الوطن العربي.
فقد أتيحت للحزب المنبثق عن الإخوان المسلمين في اليمن مساحة من الممارسة السياسية التي تعمل على إنضاجه، ليكون قادراً على تجديد نفسه وإن بخوف، وكانت تجربته محل دراسة من قبل جماعة الإخوان المسلمين في مصر للاستفادة منه في العمل السياسي خاصة بعد سقوط نظام الرئيس حسني مبارك.
أتذكر ما كتبت قبل ثورة التغيير بأيام عن قدرة المشترك على أن يكون هو المشروع السياسي للثورة كبديل منظم وقوي، طالب به الإقليم والعالم فيما بعد، ما يساهم في حفظ بلد كاليمن يعاني من الهشاشة في النظام السياسي والمؤسساتية من التفكك والذهاب إلى المجهول، والرد على تخرصات رأس النظام السابق من عدم وجود بديل له كمبرر للتأبد على كرسي الحكم.
وفي جزء من اللقاء المشترك يحضر التجمع اليمني للإصلاح في ما أنجزه من تحالفات قبلية وعلاقة الشد والجذب استفدنا منها في تفتيت الولاءات القبلية والعصبوية التي تجعل من تهدد الدولة والمدنية التي تعد الحزبية إحدى الوسائل للإبقاء عليها لتبدأ القبيلة مرحلة مرتبطة بالعمل السياسي والحزبي المستمد شرعيته من تشريعات الدولة أكثر من ارتباطها بالشيخ والثقافة المناهضة لفكرة الدولة، وهي الثقافة ذاتها التي حوّلها علي صالح إلى دولة موازية وعمل بها.
وفي مقابل إيمان النظام السابق باستحالة بناء دولة حقيقية في اليمن في ظل ما يؤمن به من أن اليمن كان صاحب حضارة كأنه ينفي نظرية تأثير الإرث الحضاري في بناء الأمم وإمكانية استعادته بل إمكانية بناء حضارة باستدعاء شروطها، كانت الأحزاب ومنها الإصلاح تبني «مداميك السياسة» بحسب تعبير محمد قحطان وتواجه المشكلة السياسة، ومثلت انتخابات 2006 ذروة المواجهة ضد ثقافة اللادولة، ثقافة التخلف التي أصبح لها رئيس يغذيها بكل ما أوتي من قوة.
في مسيرة الإصلاح نلحظ قدرته على النجاة من مأزق التطرف والانغلاق على الآخر، بل قاد الحزب في مراحل مواجهة في الداخل مع شخصيات مثلت المتشددين وعلى رأسها عبدالمجيد الزنداني، وهو ما لمح له الزنداني في أكثر من بيان، وما تحدث به مقربون منه كالصحفي السجين «عبدالإله حيدر شائع» عبر وسائل الإعلام من تخلي الحزب عنه.
وظهر لنا ذلك في انتخابات 2006 حيث وقف الزنداني ضد خيارات حزبه مع الرئيس السابق، ثم ما حدث في جامعة الإيمان التي يديرها الزنداني ومجموعة الطلاب الذين قاموا باحتجاجات بسبب فصل زميلة لهم من الجامعة، ثم فصل نفس الطلاب؛ لأنهم عملوا على تأسيس اتحاد لطلاب الجامعة، ثم الخلاف الذي حدث في المؤتمر الأخير للإصلاح فيما يخص دائرة المرأة التي رفضها الزنداني.
وهذا التيار هو ذاته الذي رفض فكرة التقارب والعمل المشترك مع الأحزاب الأخرى، والمتمثلة بتجربة اللقاء المشترك، لقد وجد هذا التيار نفسه خاسراً ووحيداً أيام الثورات التي أثبتت استراتيجية الإصلاح وذكاءه وتجدده وتطوره.
في اعتقادي أن إنجاز العمل السياسي المشترك واستمراره في كبح التطرف أفادا الإصلاح ذاته في البقاء متماسكاً، وتجنب الصراعات الداخلية ومع الخارج التي قد تقضي عليه، وهما أهم إنجازاته الاستراتيجية.
كما في اعتقادي أن إخفاقاته تكمن في عجزه عن العمل كمشروع ديمقراطي استراتيجي، برؤية علمية شاملة تغطي كل الجوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، يبدأ من الداخل لينعكس بدوره على الوطن.
إنها الفرصة الوحيدة الناجحة والمختلفة عما قبل بوسائلها وأدواتها في زمن مختلف يطل تماماً على الخارج.



شارك برأيك