متلازمة ما بعد صعدة .. طريقة واحدة لحمل البندقيّة!

 "حلمتُ في إحدى الليالي أنني كنتُ مع زوجتي أراقب الطيور. وحين كنّا نلمح طائراً كانت زوجتي ترفع منظارها المكبّر إلى عينيها، في حين كنتُ أرفع بندقيتي وأراقب الطائر عبر المنظار. لم أكن أفكّر في اصطياد الطائر، وإنما مجرد النظر إليه" هكذا يروي ستيفنز، الرائد في الحرس الوطني الأميركي، لطبيبه النفسي بعد عامين من عودته من الرمادي في العراق. في الطرف البعيد: سافر الطفل محمد إلى العاصمة صنعاء عقب انتهاء الحرب الخامسة. لقد انتهت الحربُ في صعدة لكن الطفل لا يزال يرى البنادق في كل مكان. وما إن يسمع أزيز طائرة حتى يهرع إلى لم الأطباق والأواني، وهو يصرخ: هيّا ننزل تحت، بسرعة، الطيران فوقنا. انتهت المعركة بالنسبة لستيفنز، لكن اندماجه في الحياة مرّة أخرى لا يزال محكوماً بتجربته القاسية في الرمادي ولا يبدو أنه سيفلت من هذه التجربة في المدى القريب. أما بالنسبة للطفل محمّد فهي حربٌ لا تنتهي، كما من غير المتوقع أن والديه قد ذكرا له شيئاً عن فترة ما بعد الحرب، عهد السلام الإلهي. إنهما، أعني والدي الطفل محمد، لا يدركان على وجه الدقّة كيف اشتعلت الحرب، وعليه فليس بمقدورِهما تخيل مستقبل هذه النار اليونانية المهولة التي تتوهج كلما غمرتها المياه.

 

تعرّف متلازمة الاضطراب التالي للصدمة PTSD كالتالي: يتعرض الشخص للصدمة إذا توافر عنصران: أن يكون الشخص قد شاهد أو جابه حادثة تتضمن حالة موت فعلي أو أذية خطيرة. وأن تتضمن استجابته تجاهها الخوفَ الشديد أو الهلع، والشعور بفقدان الأمل في المساعدة.


بحسب ديفيد دوبس، المحرر في مجلة ساينتفيك أميركان، فإن ستيفنز العائد من الرمادي يدلّنا على وجود طريقتين لحمل البندقية: أن تصطاد الطائر، أو تراقبه فقط من خلال منظار بندقيتك. هذا لأن الحرب، بالنسبة له، قد تركها خلف ظهره في الرمادي البعيدة، ولم يتبق منها سوى الذاكرة التي تعيق اندماجه في العالم النبيل مرّة أخرى. أما بالنسبة للطفل محمد، الذي لا يعرف أين ترك الحرب على جهة اليقين، فإن هناك طريقة واحدة فقط لحمل البندقية: القتل. عند الطفل محمد لا يوجد سوى تفسير واحد لصوت محركات الطائرة: إشاعة الموت السماوي. وفيما يخص الرائد ستيفنز فهو على ما يبدو يفشل بصورة متكرّرة في إعادة دمج نفسه، إعادة التكيّف، في الحياة الاجتماعية مرّة أخرى. هنا سيلتقي مع الطفل محمد، القادم من صعدة. إن ستيفنز لا يزال يصطحب بندقيته، لكن هذه المرّة لا لكي يطلق الرصاص بل ليشاهد بها جمال الدنيا.

 

يملك الدكتور صالح باصرّة في حوزته قصّة مماثلة: لقد قرّرت وزارة التعليم العالي منح محافظة صعدة 250 منحة دراسية. بيد أن نسبة كبيرة من المتقدّمين للحصول على هذه الفرصة كانوا يتحدثون عن تخصصات " الطيران" و "القيادة والأركان". ستيفنز يراقب الطائر عبر منظار بندقيته، وخريجو الثانوية العامة في صعدة يفكّرون في التصدّي لطائرات جيش بلادهم عبر التخصص في علوم الطيران، والمدفعية. وربما أقل من هذا: لكي يعودوا إلى صعدة في زي أولئك الغزاة الوطنيين، وعلى أجنحة نسورهم المخيفة. يجوز القول: يفكّرون في تخصص "الطيران" على الأقل كي يفهموا الطريقة المعقّدة التي استخدمت في صناعة الموت، وكيف كانت الطائرات ترى البشر من الأعلى قبل أن تخلق لهم الفناء. يدرِك ستيفنز، يقيناً، أنه لن يكون بمقدورِه العودة للخدمة في الرمادي. لقد صنّف في أكثر من مسح طبّي بحسبانه معرّضاً للإصابة بمرض ما بعد الصدمة. أما خرّيجو الثانوية في صعدة فلا يبدو أنهم اطمأنوا إلى أن الحرب الأخيرة أصبحت وراء ظهورِهم. إنهم يشبهون مواطنهم المصاب بمتلازمة ما بعد الصدمة، الطفل محمد. وبالنسبة لهم جميعاً توجد طريقة واحدة لاستخدام البندقية، وغاية قاتلة ووحيدة من أجلها يدور محرّك الطائرة.

 

لا أحد يعرف على وجه التحديد كم نسبة أولئك الذين أصيبوا بمرض ما بعد الصدمة في حرب الست سنوات، وما يمكن أن يجرّه هذا المرض من مشاكل عميقة تتعلق بإمكانية إعادة دمجهم في الحياة العامّة مرّة أخرى، وبالتالي: اعتبارهم جمهوراً مفقوداً، فاقداً للنفع العام. الطرفان على الدرجة نفسها: أبناء صعدة، وأفراد القوّات المسلّحة. يكتمل تعريف هذه المتلازمة عند اجتماع ثلاث مجموعات من الأعراض كحدّ أدنى لتشخيص الاضطراب: ارتجاع مشهد الحادثة، الأرق والعدوانية، ضعف التركيز، اختلال في العلاقات الوظيفية، الخدر، فرط التيقظ، الهيجان، والانسحاب.

 

بالنسبة للجيش الأميركي، يمنح العسكري الذي يشمله تعريف متلازمة ما بعد الصدمة امتيازات صحّية ومالية لافتة: على الأقل سيحصل العسكري على 3 آلاف دولار شهرياً، بخلاف تكاليف العلاج والرعاية الصحية وبرامج إعادة الاندماج في المجتمع. الأمر الذي دفع دراسات كثيرة إلى استنتاج مثير للغاية: منذ انتهاء حرب فيتنام لم يتماثل أحدٌ للشفاء حتى الساعة. أصبحت المتلازمة عنواناً يدرّ الشفقة والمال والامتيازات، فلا داعي إذن لأن يقول المحارب القديم لطبيبه المعالج إن أعراض ما بعد الصدمة قد غادرته وإلى الأبد. إنها الحربُ التي تدرّ مالاً لمن يخطئهم الموت بصورة عفوية، تماماً مثلما تفعل الحرب في صعدة. الفرق بسيط وجوهري: يحصل العسكريون في صعدة على المال مادامت رحى الحرب دائرة، بينما يحصل العسكريون الأميركان على امتيازاتهم عندما يغادرون ساحة الدماء ويتركون الحرب وراء ظهورهم غارقةً في دمائها. ليست هذه الصورة هي اللقطة الوحيدة التي تبدو فيها اليمن كما لو كانت مقلوب العالم. إنها كذلك في لقطات كثيرة أكثر بروداً من صورة الحرب.

 

في خطابه بمناسبة الذكرى العشرين للوحدة اليمنيّة منح السيد الرئيس المصابين، وأسر القتلى، قطعة أرض. لم يتحدّث عن أبناء صعدة، بالرغم من أنهم يمنيّون يمكن تقسيمهم إلى: مصابين، وأسر قتلى. في أكثر من مناسبة تحدّث الرئيس عن نفسه بحسبانه "أفضل من يفهم في الملف اليمني". وباعتبار صعدة جزءاً من هذا الملف، فكيف لم تخطر على بال السيد الرئيس تلك المشكلة الضخمة: متلازمة ما بعد صدمة الحرب. ثمّة خسارة وطنية جسيمة تكمن في الصعيد النفسي للخارجين من هذه الحرب. ففي حال سلّمنا بأحدث الدراسات النفسانية التي تتحدّث عن 4% من المحاربين يعانون من هذه المتلازمة القاسيّة فإننا سنواجه واقعية لعينة. ينظر المجتمع إلى المصابين جسديّاً بوصفهم الخسارة المباشرة للحرب، بالرغم من إشارة الرئيس إلى "حقيقة" أنهم مجرّد أفراد يمكن تعويضهم، في واحد من خطاباته الأخيرة. لا ينظر المجتمع، ولا حتى الساسة، إلى الخسارة الصامتة للحرب، إلى الفاقد عبر التحوّلات النفسية الرهيبة الكابحة للأهلية والكفاءة والفاعلية. وبطرح هؤلاء المصابين جسديّاً من الحساب الكلّي فإن النتيجة الكامنة، غير الصريحة، تقول: يفقد 4% أهليتهم وكفاءتهم العقلية والنفسية، ويجدون صعوبة حادة في إعادة التكيّف مع المجتمع مرّة الأخرى. يتفاقم الأمر حين يصل إلى الانسحاب من المجتمع. فالرائد ستيفنز يقف على الشط ليراقب العالم، البحر والصبايا والطيور، من خلال منظار بندقيته بالرغم من أنه يتلقى علاجاً كثيفاً ورعاية فائقة.

 

هؤلاء الـ 4% (بالمناسبة: هناك دراسات ترفع النسبة إلى 31%) لم يحصلوا على فرصة للرعاية والمتابعة في مراكز تأهيل نفسي، ولا نالتهم قطعة الأرض الرئاسية. ربما سيحصلون على نوط، أو وسام، لكنّ ذلك النوط لن يقدّمَ شيئاً سوى تذكيرهم بتلك اللحظات القاتلة التي فقدوا معها، يوماً ما، الأمل في المساعدة. وفي كل مرّة تقع أعينهم على الوسام الكريم ستقذف بهم الذاكرة إلى أحلك أيام حياتِهم على الإطلاق. فكرة أبي - نواسيّة: وداوني بالتي كانت هي الداءُ!

 

دعونا نفترض أن السيد الرئيس ليس بمقدورِه أن يفهم كل شيء عن " الملف اليمني"، برغم حرصه على تأكيد ذلك. فهو ليس الخضر عليه السلام. وبالمناسبة: حتى الخضر عليه السلام يدركه النعاس، ويغفو أحياناً عن الحقائق. ثمّة دورٌ وطني لأولئك الذين يجلسون على مقربة من السيد الرئيس، أو السيد الوزير، أو أي سيد كبير في البلد: أين هي مراكز التأهيل النفسي، وبرامج إعادة الاندماج في المجتمع، التي يفترض أن تفتح أبوابها لرعاية أبناء القوات المسلّحة وضحايا الساسة الدمويين؟ صدّقوني: إن الفرد العسكري لا ينتظر خطاباً فخماً يصفه بالبسالة، إذ إن كل أولئك الخطباء لم يتخيلوا للحظةٍ واحدة حقيقة ما واجهه الفرد على مقربةٍ من الهلاك. إنه بحاجة إلى الرعاية النفسية، لكي يتمكن من ترك البندقية خلف ظهره عندما يحصل على فرصة للتسوّق أو الاستجمام، ولا يفعل فعلة " الرائد ستيفنز". أليست هذه قضية وطنيّة ملحّة؟
 

المصدر أونلاين



شارك الخبر


طباعةإرسال




شارك برأيك