نقاش حول جدوى امتحانات الثانوية العامة في ظل تفشي الغش ومطالبات باعتماد "ألية بديلة" لضمان جودة المخرجات

نقاش حول جدوى امتحانات الثانوية العامة في ظل تفشي الغش ومطالبات باعتماد "ألية بديلة" لضمان جودة المخرجات


بعد عام دراسي غير مكتمل، وعملية تعليمية لم تعرف الانتظام، وفي ظل ظروف معيشية ومناخية بالغة الصعوبة والسوء، تأتي الامتحانات النهائية لطلاب الثانوية العامة هذا العام، وسط مطالبات واسعة بإلغائها، واعتماد ألية بديلة لضمان تعزيز النزاهة الامتحانية وتقليل فرص الغش.

في عدن والمدن الساحلية، يؤدي طلاب الثانوية العامة الامتحانات النهائية، في ظل مناخ حار وانقطاعات متكررة للتيار الكهربائي ليس فقط في ساعات الاختبارات، بل فيما عداها من الأوقات، ما يجعل من استذكار المنهج المقرر عملية صعبة.

وشكا بعض الطلاب في عدن ومأرب وحضرموت من انقطاع الكهرباء في بعض المراكز واللجان، الأمر الذي أثر على التركيز في أوقات الامتحانات التي تمتد إلى ثلاث ساعات.

وفي لفتة إنسانية تجاه الطلاب، عملت مبادرات شبابية على توزيع المياه المعدنية الباردة على المراكز الامتحانية في العاصمة المؤقتة عدن، ضمن جهود مجتمعية تهدف، كما يقول القائمون عليها، إلى تهيئة الأجواء الملائمة للامتحانات، وتخفيف التوتر والضغوطات.

اصرار وتحدي..

الظروف المعيشية الصعبة والتحديات الاجتماعية والمسؤولية الأسرية، لم تثن المرأة اليمنية عن ملاحقة حلمها وإكمال تعليمها الثانوي.

بعد يوم واحد من وضع مولودها الجديد، حضرت الأم لتأدية امتحانات الثانوية العامة في مركز الزهراء بمدينة الحوطة عاصمة محافظة لحج أمس الثلاثاء، في مشهد اثار اهتمام وتقدير السلطة المحلية بالمحافظة، التي بادرت إلى تكريمها بمليون ريال يمني.

وذكر الإعلام التربوي في خبر نشره الموقع الرسمي لوزارة التربية والتعليم، أن محافظ لحج "مراد الحالمي" وأثناء تفقده امتحانات الثانوية العامة في مركز الزهراء بمدينة الخوطة، تعرف على طالبة حضرت لتأدية الامتحان بعد يوم واحد من ولادتها بطفلها، ووجه بتكريمها بمليون ريال.

وأشاد المحافظ الحالمي بالطالبة، التي قال إنها "جسدت أروع أمثلة التحدي والإصرار"، وأكد حرص السلطة المحلية على دعم وتحفيز التعليم بكافة السبل المتاحة.

المحافظ أيضا، حث الطلاب والطالبات على بذل المزيد من الجهد والمثابرة، مؤكدا أن الارتقاء الحقيقي للوطن رهين التفوق والتميز الدراسي، طبقا للمصادر ذاتها.

أضرار الحرب..

وسجلت السنوات الأخيرة تراجعا كبيرا في مستويات التعليم كما ونوعا، بفعل الحرب المستمرة منذ أعوام، وفي ظل غياب المعالجات الجادة لإصلاح العملية التعليمية وتصحيح مسارها.

الحرب، لم تدمر التعليم كمؤسسة، بل قتلت رغبة التعلم لدى الأجيال، وضاعفت من نسبة الأمية في أوساط الشباب، جراء تسرب ملايين الطلاب من المدارس.

وبحسب تقارير لمنظمتي اليونيسيف واليونسكو، ارتفعت نسبة الأمية جراء الحرب في اليمن إلى 70% بالريف مقابل 40% في المدن، مع تسجيل تدني حاد في مستويات القراءة والكتابة بأوساط المتعلمين.

وطبقا للتقارير الأمية، فقد تسببت الحرب أيضا في حرمان (4.5 مليون طفل) من التعليم، وتضرر نحو ثلاثة آلاف مدرسة، حتى نهاية العام الماضي.

ومنذ بدء الحرب، تم استبعاد اليمن من المؤشرات العالمية لتقييم التعليم وتصنيف الجودة، لاستحالة الوصول إلى بيانات موثوقة عن العملية التعليمية المنقسمة بين صنعاء وعدن.

تحسن ملحوظ..

وخلال الأسبوع الأول لم يسجل رسميا أي اختلالات في العملية الامتحانية التي يشارك فيها أكثر من 93 ألف طالب وطالبة، خلافا للأعوام الماضية، التي شهدت الكثير من الاختلالات، أحيل بعضها إلى الجهات القضائية، واتخذت عقوبات وزارية وصلت حد الفصل والحرمان في بعض مراكز الامتحانات.

ظاهرة الغش الجماعي، وتسريب الامتحانات، كانت أبرز الاختلالات اللي رافقت امتحانات الثانوية العامة في مناطق الحكومة الشرعية خلال السنوات الماضية، طبقا لما أكدته وزارة التربية حينها.

الوزارة كشفت أيضا عن مشاكل لوجستية وإدارية رافقت امتحانات الثانوية خلال الأعوام الماضية، تمثلت في انقطاع الكهرباء داخل بعض اللجان أثناء الامتحان، وتأخر وصول أوراق الأسئلة في مناطق نائية بسبب الوضع الأمني، ونقص في المراقبين المؤهلين، بسبب تأخر رواتب المعلمين وتوقف التأهيل منذ 2015.

وباعتراف وزارة التربية، سجلت أيضا أخطاء في قاعدة البيانات الخاصة باحتساب معدلات النجاح، الأمر الذي دفع الوزارة لإعادة النظر في لائحة الامتحانات والضوابط البرمجية.

وفي مناطق الحكومة الشرعية يتم التعامل مع الاختلالات بشكا علني وإحالة للقضاء، بينما تقارير من صنعاء تتكلم عن "رعاية للغش" وتسهيله لأغراض سياسية، في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي.

الغش أبرز التحديات..

وبرزت ظاهرة الغش، كأهم التحديات التي تواجه العملية التعليمية في اليمن، وانعكست بشكل ملحوظ على نتائج الأعوام الماضية، مع تسجيل معدلات نجاح بنسبة 100%، في سابقة لم تشهدها اليمن من قبل.

ومن الأثار السلبية لظاهرة الغش في الثانوية العامة، نسبة النجاح الكبيرة، والمعدلات المرتفعة، وتزايد أعداد أوائل الجمهورية إلى (42 متفوقا)، وهي أرقام لا تعكس المستوى الحقيقي للتحصيل العلمي، وهو ما أكدته امتحانات المفاضلة للقبول في المنح الدراسية (خارجياً)، وفي الكليات العلمية بالجامعات الحكومية (داخلياً).

وطبقا لمصادر أكاديمية في وزارة التعليم العالي، فإن أغلب المتفوقين في الثانوية العامة خلال الأعوام الماضية، فشلوا في اجتياز امتحانات القبول، في دلالة واضحة على وجود فجوة بين المخرجات والواقع العملي.

ويؤكد المهندس "مختار ناجي الشرجي"، يعمل في مجال تطوير الحاسوب، أن المشكلة الحقيقية لواقع التعليم المختل في اليمن ليست في ظاهرة الغش، وإنما في نظام يترك الطلاب والمعلمين يكافحون بصمت".

وقال المهندس الشرجي، في حديث لـ"المصدر أونلاين"، "إن الغش مجرد عرض لخلل أعمق، ولا يمكن الحديث عنها بعيداً عن حجم التحديات التي يعيشها يوميا الطالب والمعلم على حد سواء".

ولضمان مستقبل تعليمي أفضل للشباب، يشدد "الشرجي" على ضرورة

تقييم واقع التعليم بشكل عام، (المناهج، الموارد، بيئات التعلم، الدعم النفسي والاجتماعي للطلاب، وضمان حياة كريمة للمعلمين)، بدلاً من التركيز على أعراض لا تعالج الجذور، حد وصفه.

وأضاف: "قبل أن نحكم على امتحان، علينا أن نحكم على واقع التعليم الذي أنتج هذا الامتحان، وعلى الشباب الذين يكافحون فيه، وعلى المعلمين الذين يقدّمون أفضل ما لديهم رغم كل الظروف، لننظر إلى الصورة كاملة ولنضع سياسات تعليمية ترتكز على العدالة والفرص لا على العقاب والمظاهر".

إلغاء الامتحانات..

وبالتزامن مع مجريات سير الامتحانات أثير جدل على مواقع التواصل الاجتماعي حول جدوى الامتحانات العامة حيث طالب الصحفي "فتحي بن لزرق"، بإلغاء الامتحانات العامة، واعتماد آلية المعدل التراكمي للثلاثة الأعوام الأخيرة من الثانوية العامة، لضمان تكافؤ الفرص وسلامة المخرجات.

وقال "بن لزرق"، في منشور على منصة فيسبوك، إن "ما يحدث حالياً ليس امتحانات، بل عمليات غش منظمة"، مؤكدا "أن استمرارها بنفس الألية السابقة مهزلة بحق العلم والتعليم".

واثار مقترح "بن لزرق"، ردود فعل متباينة في أوساط رواد التواصل الاجتماعي، بين مؤيد للطرح، ومعارض له.

غير أن الجميع أكد على مسؤولية الحكومة في تدهور العملية التعليمية، نظرا لغياب المعالجات الحقيقية والمراجعات الشاملة لمناهج التعليم وآلية التقييم.

ووصف الصحفي "ماجد الداعري"، اختبارات الثانوية العامة بـ"العبثية"، مشيراً إلى أن "الأغلبية العظمى من المدارس تعتمد على الغش"، وهو ما يجعل الامتحانات "فاقدة للقيمة العلمية"، حد قوله.

ووصف "أسامة فيصل"، امتحانات الثانوية العامة بـ"الكذبة الكبرى" التي قال إنها "لا تعبر عن التقييم الحقيقي، بسبب ظاهرة الغش التي أصبحت سائدة في مراكز الامتحانات".

وخلافا لما سبق، يرى "توهيب الحداد" أن نظام المعدل التراكمي ليس الحل الأفضل. وأكد على ضرورة "تشديد الرقابة على الاختبارات، وضمان انتظام العملية التعليمية".

وقال "الحداد"، "المطلوب ليس فقط تغيير أنظمة الاختبارات، بل تحسين جودة التعليم والانضباط داخل المدارس حتى يحصل الطلاب على تعليم حقيقي ينعكس على مستقبلهم".

ويؤكد "موسى الربيدي" على ضرورة المراجعة الشاملة للسياسة التعليمية، وفق شروط وضوابط تواكب التقدم العلمي والتطور التكنولوجي.

وعلق "نبيل باسم" بالقول، "قبل الحديث عن إلغاء امتحانات الثانوية أو تغيير آلية التقييم، كان الأولى المطالبة بتحسين الكهرباء في عدن وتمكين الطلاب من المذاكرة ليلاً والاستعداد للامتحانات نهاراً في أجواء إنسانية مناسبة".

وتساءل قائلا: "كيف يُطلب المنافسة والتحصيل من طلاب يعانون من انقطاع الكهرباء والحر الشديد وظروف معيشية صعبة".

تعزيز النزاهة..

ومع تزايد التحديات المرتبطة بالغش، أصبح من الضروري تبني حلول حديثة وإجراءات متكاملة تحافظ على مصداقية الامتحانات وتحمي حقوق الطلاب المجتهدين.

واقترح المهندس "مختار الشرجي"، مجموعة من الإجراءات العملية التي قال إنها "ستسهم في تعزيز النزاهة الامتحانية وتقليل فرص الغش".

وأكد "الشرجي"، في تصريح للمصدر أونلاين، أن بناء منظومة امتحانية عادلة وموثوقة "لا يحمي فقط سمعة التعليم، بل يحفظ أيضاً حقوق آلاف الطلاب المجتهدين ويعزز الثقة بمخرجات التعليم الوطني".

ولضمان تحقيق ذلك يقترح "الشرجي"، اعتماد النماذج المتعددة للاختبار، والتوزيع العشوائي للطلاب، وزيادة نسبة الأسئلة المقالية والتحليلية التي تقيس الفهم والاستنتاج بدلاً من الحفظ المباشر.

ولسلامة أجواء الامتحانات وتجنب الفوضى والغش، يشدد المهندس "الشرجي"، على ضرورة الاستعانة بمراقبين من خارج المدارس والمراكز التعليمية، وتركيب كاميرات مراقبة في المراكز الامتحانية، والاحتفاظ بالتسجيلات للرجوع إليها عند الحاجة، والتشديد على منع إدخال الهواتف والساعات الذكية والأجهزة الإلكترونية إلى القاعات، وإنشاء غرفة عمليات مركزية لتلقي البلاغات والتعامل السريع مع أي مخالفات أو تجاوزات.

ومن أجل تعزيز ثقافة النزاهة الأكاديمية والأمانة العلمية، اقترح "الشرجي"، اعتماد برامج توعوية مستمرة، ولوائح عقوبات صارمة لمكافحة الغش، وتعميمها بشكل واضح قبل بدء الامتحانات، إضافة الى تحفيز المدارس والمراكز الملتزمة بمعايير النزاهة من خلال برامج تكريم ومكافآت.

رقابة مشددة...

وبدا لافتا خلال هذا العام، الاهتمام الكبير الذي توليه وزارة التربية والتعليم وبمتابعة شخصية من الوزير الدكتور عادل العبادي، لضمان نزاهة وسلامة العملية الامتحانية لطلاب الثانوية العامة.

الوزير العبادي، وطبقا للتغطية الاخبارية لإعلام الوزارة، يتابع بشكل يومي الاجراءات المتعلقة بسير الامتحانات، عبر التواصل المباشر بمدراء مكاتب التربية بالمحافظات، وباللجان الإشرافية المكلفة بالنزول اليومي لتفقد مراكز الامتحانات، ورفع التقارير أولا بأول.

الاهتمام الوزاري لم يكتف بالرقابة على سير الامتحانات، بل شمل ايضا مرحلة ما بعد الامتحانات، وسلامة عمليات الفرز والتدقيق والرقابة.

وطبقا للإعلام التربوي، فقد عقد الوزير العبادي لقاء عبر (تقنية الاتصال المريء) برؤساء الكنترول في المحافظات، شدد من خلاله على الأهمية القصوى لإنجاح عمل إدارة الكنترول في هذه المرحلة الحساسة، بوصفها ”الركيزة الأساسية وصمام الأمان لضمان سلامة ونزاهة الامتحانات، وحفظ حقوق الطلاب والطالبات وجهودهم المبذولة طوال العام الدراسي دون بخس أو تقصير”.​

ويخوض أكثر 93 ألف طالب وطالب، امتحانات الثانوية العامة هذا العام في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليا.

وطبقا لوزارة التربية والتعليم، بلغ طلاب القسم العلمي في الثانوية العامة لهذا العام (78 ألفاً و727 طالب وطالبة)، بينما بلغ طلاب القسم الادبي (14 ألفاً و438 طالباً وطالبة)، موزعين على (906 مركز امتحاني)،

وتصدرت محافظة تعز المشهد الامتحاني من حيث الكثافة الطلابية، بإجمالي بلغ (25,851) طالبا وطالبة، موزعين على 164 مركزاً اختبارياً في المديريات المحررة.

وجاءت حضرموت في المرتبة الثانية من حيث عدد المشاركين، بإجمالي بلغ 16 الفا و54 طالبا وطالبة. تلتها محافظة لحج، بإجمالي بلغ (11,626 طالبا وطالبة) بالقسمين (العلمي والأدبي)، موزعين على 133 مركزا اختباريا في مختلف مديريات المحافظة.


شارك الخبر


طباعةإرسال