اطلعتُ على مقال وزير الإدارة المحلية بدر محمد باسلمة بشأن ما سمّاه "التفويض التعاقدي المرحلي"، بوصفه طريقاً عملياً لتمكين السلطات المحلية والعبور الآمن نحو اللامركزية. ولا يمكن إنكار أن المقال يلامس أزمة حقيقية في الإدارة اليمنية؛ فالمركزية المفرطة، وتعطل التشريع، وانقسام المؤسسات، وتفاوت قدرات المحافظات، كلها حقائق لا يجوز تجاهلها. غير أن صحة توصيف الأزمة لا تعني بالضرورة سلامة الأداة المقترحة لمعالجتها. فالمشكلة هنا ليست في الحاجة إلى تمكين السلطات المحلية، بل في السؤال القانوني الأهم: هل يجوز للسلطة التنفيذية، في ظل دولة منقسمة وغياب سلطة تشريعية فاعلة، أن تعيد توزيع الاختصاصات العامة بين المركز والمحافظات عبر عقود إدارية؟
إن المدخل الصحيح لهذا النقاش لا يبدأ من جدوى التفويض إدارياً، بل من موقعه داخل البنية الدستورية اليمنية، فالدستور اليمني قرر في مادته الرابعة أن الشعب مالك السلطة ومصدرها، ويمارسها مباشرة بالاستفتاء والانتخابات، وبصورة غير مباشرة عبر الهيئات التشريعية والتنفيذية والقضائية والمجالس المحلية المنتخبة. كما نص في المادة 145 على قيام الوحدات الإدارية على أساس الشخصية الاعتبارية والمجالس المحلية المنتخبة، وممارسة الصلاحيات في حدود القانون. وجاء قانون السلطة المحلية رقم 4 لسنة 2000 ليؤكد أن اللامركزية ليست منحة من المركز، بل تنظيماً قانونياً ودستورياً لتوزيع السلطة داخل الدولة.
بناءً على ذلك، فإن الصلاحيات المحلية ليست مالا خاصاً بيد الحكومة المركزية تمنحه بعقد أو تسحبه بشرط. إنها اختصاصات عامة يحددها الدستور والقانون، ولا يجوز إعادة ترتيبها إلا بأداة قانونية من ذات المرتبة أو قريبة منها. والقاعدة المستقرة في القانون العام أن من لا يملك الاختصاص أصالة لا يملك تفويضه لغيره. فإذا كانت السلطة التنفيذية ذاتها تستمد صلاحياتها من الدستور والقانون، فإنها لا تستطيع أن تنشئ بعقد إداري نظاماً جديداً للحكم المحلي أو أن تعيد هندسة العلاقة بين المركز والمحافظات خارج الإطار التشريعي.
ولا تكتمل مناقشة التفويض التعاقدي دون الوقوف أمام موقع مخرجات مؤتمر الحوار الوطني من هذا النقاش. فقد مثل المؤتمر آخر محاولة وطنية جامعة لإعادة تعريف شكل الدولة اليمنية، وتوزيع السلطة والثروة، ومعالجة القضية الجنوبية، وبناء نظام حكم لا مركزي أو اتحادي قائم على ضمانات دستورية وتشريعية واضحة. غير أن هذه المخرجات، رغم أهميتها السياسية، لم تتحول إلى دستور نافذ أو منظومة قوانين مكتملة. ولذلك لا يجوز استخدامها بصورة انتقائية لتبرير نقل بعض الصلاحيات إلى المحافظات، مع تجاهل السياق الكامل الذي وردت فيه، وهو إعادة تأسيس الدولة عبر دستور جديد ومؤسسات منتخبة وتسوية وطنية شاملة. فاللامركزية التي تحدثت عنها مخرجات الحوار كانت جزءاً من مشروع دولة جديد، لا مجرد ترتيبات تعاقدية بين الحكومة والمحافظات.
كما أن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة الحالية يعملان في إطار شرعية توافقية انتقالية نشأت في ظروف استثنائية فرضتها الحرب وانقسام مؤسسات الدولة وتعطل جزء كبير من البنية الدستورية. وهذه الشرعية التوافقية تمنح السلطة التنفيذية صلاحية إدارة الضرورة والحفاظ على استمرارية المرافق العامة ومنع انهيار الدولة، لكنها لا تمنحها تفويضاً مفتوحاً لإعادة تشكيل بنية النظام السياسي أو إعادة توزيع السلطة والثروة بصورة نهائية. فالإدارة بالتوافق هي آلية لمعالجة الفراغ المؤقت، وليست بديلاً عن الدستور أو البرلمان أو الإرادة الشعبية. ولهذا فإن أي تفويض يمنح في هذه المرحلة يجب أن يبقى مؤقتاً ومحدوداً ومحكوماً بضرورات الإدارة العامة، لا أن يتحول إلى أساس دائم للعلاقة بين المركز والمحافظات.
ومن زاوية الفقه القانوني، فإن نظرية الضرورة التي تستند إليها كثير من السلطات الانتقالية في العالم لا تمنح سلطة مطلقة للحكومة، بل تقيدها بشروط صارمة. فالفقه الدستوري والإداري المقارن يقرر أن التفويض الاستثنائي لا يكون مشروعاً إلا إذا كان مؤقتاً، ومحدداً في نطاقه، وضرورياً لحماية المرفق العام، وخاضعاً للرقابة والمراجعة، وألا يمس جوهر السلطة العامة أو يعيد توزيع الاختصاصات السيادية خارج إطار القانون. فإذا غاب الأجل المحدد، أو اتسع التفويض ليشمل بنية الحكم، أو افتقد الرقابة القضائية والمالية، أو تحول من تدبير مؤقت إلى وضع دائم، فإنه يفقد طابعه الاستثنائي ويتحول إلى التفاف على مبدأ المشروعية. فالضرورة في القانون تُقدّر بقدرها، ولا يجوز أن تتحول إلى مصدر موازٍ للتشريع أو بديلاً عن العقد الدستوري للدولة.
هنا يظهر الخلط الجوهري في فكرة التفويض التعاقدي، فالعقد الإداري، في الفقه المقارن، أداة لإدارة مرفق عام أو تنفيذ مشروع أو تنظيم خدمة عامة. أما توزيع السلطة العامة بين مستويات الدولة فهو شأن دستوري وتشريعي لا تعاقدي. المحافظة ليست شركة خاصة تتعاقد مع الحكومة، وليست طرفا أجنبيا مستقلا يفاوض الدولة على اختصاصاته، بل هي جزء من الدولة ذاتها. ولذلك فإن العلاقة بينها وبين المركز يجب أن تنظم بقواعد عامة ومجردة، لا بعقود تختلف من محافظة إلى أخرى بحسب القوة السياسية أو الموارد أو القرب من مركز القرار.
ويبدو أن المقال يستعير قاعدة "العقد شريعة المتعاقدين" لإضفاء صلابة قانونية على هذا النموذج. غير أن هذه القاعدة، وإن كانت معتبرة في القانون المدني، لا تعمل في القانون العام بالطريقة ذاتها. فالعقد المدني يقوم على مساواة أطرافه، أما العقد الإداري فينشأ بين طرف عام يمتلك امتيازات السلطة العامة وطرف آخر في مركز قانوني أضعف. وحتى في التجارب المقارنة، تملك الإدارة في العقود الإدارية سلطة التعديل والفسخ الانفرادي متى اقتضت المصلحة العامة ذلك. وعليه، فإن تصوير العقد كدرع يحمي المحافظة من مزاجية المركز ليس دقيقاً؛ فقد يتحول العقد نفسه إلى أداة قانونية لإعادة إخضاع المحافظة عبر شروط الأداء والرقابة والفسخ.
ويزداد الأمر تعقيداً في الحالة اليمنية لأن البيئة القانونية والمؤسسية غير مكتملة. فمجلس النواب لا يمارس دوره التشريعي بصورة طبيعية، والقضاء الإداري ضعيف أو معطل في كثير من المناطق، والدولة منقسمة بين سلطات متنافسة، ومجلس القيادة الرئاسي نفسه نشأ في سياق استثنائي بموجب إعلان نقل السلطة في أبريل 2022، لا عبر آلية دستورية مكتملة. وفي مثل هذا السياق، تصبح القرارات التنفيذية والعقود الإدارية أدوات خطرة إذا استخدمت لإنتاج ترتيبات طويلة الأمد في بنية الدولة.
والأخطر أن التفويض التعاقدي قد يؤدي إلى تقنين واقع الحرب بدلاً من تجاوزه. فقد مارست بعض المحافظات، مثل مأرب وحضرموت وعدن، خلال السنوات الماضية صلاحيات واسعة بحكم ضعف المركز وضرورات الحرب. لكن هذه الممارسة لم تنتج دائماً نموذجاً ناجحاً للحكم المحلي، لأنها تمت في ظل غياب الرقابة الشعبية، وتداخل السلطات العسكرية والأمنية، وضعف الشفافية، وتعدد مراكز القرار. وهذا يعني أن المشكلة ليست فقط في نقص الصلاحيات، بل في غياب شروط الحكم الرشيد: الموارد، الرقابة، القضاء، الشفافية، الانتخابات، ووحدة القرار العام.
ومن هنا فإن اللامركزية لا تعني نقل السلطة من مركز وطني إلى مركز محلي جديد. اللامركزية الحقيقية تعني نقل السلطة إلى المواطن عبر مؤسسات محلية منتخبة وخاضعة للمساءلة. أما في اليمن اليوم، فإن المجالس المحلية المنتخبة معطلة أو ضعيفة، والانتخابات المحلية غائبة، وكثير من السلطات المحلية قائمة بالتعيين أو الأمر الواقع. فإذا منحت هذه السلطات صلاحيات واسعة دون رقابة شعبية، فقد نكون أمام إعادة إنتاج للمركزية على مستوى المحافظة، لا أمام لامركزية ديمقراطية.
كما أن فكرة البدء بالمحافظات "الجاهزة" تحمل خطراً جدياً على مبدأ المساواة بين المحافظات. فالمحافظات الغنية أو ذات الموارد والموانئ والمنافذ قد تحصل على تفويضات واسعة، بينما تبقى المحافظات الفقيرة أو المنهكة بالحرب في موقع الانتظار. وهذا قد يؤدي إلى نشوء يمن متعدد السرعات: محافظات تتمتع بموارد وصلاحيات واسعة، وأخرى تبقى تابعة ومهمشة. وبدلاً من أن تكون اللامركزية مدخلاً للعدالة في توزيع السلطة والثروة، قد تصبح أداة لتكريس الفوارق وإضعاف فكرة الدولة الواحدة.
ولا يمكن كذلك عزل التفويض التعاقدي عن الأسئلة السياسية الكبرى التي لم تحسم بعد: ما شكل الدولة اليمنية القادمة؟ هل هي دولة بسيطة بلامركزية موسعة؟ أم دولة اتحادية؟ ما موقع الجنوب؟ ما وضع حضرموت؟ ما العلاقة مع مناطق سيطرة الحوثيين؟ وما مصير مخرجات مؤتمر الحوار الوطني؟ إن أي تفويض واسع للصلاحيات قبل الإجابة عن هذه الأسئلة قد يتحول من إجراء إداري مؤقت إلى تثبيت وقائع سياسية يصعب التراجع عنها في أي تسوية قادمة.
أما الاستناد إلى الدعم الدولي، سواء من الاتحاد الأوروبي أو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فلا يحل المشكلة القانونية. فالدعم الدولي يمكن أن يساعد في بناء القدرات وتطوير الإدارة المحلية، لكنه لا يمنح الشرعية الدستورية لأي ترتيب داخلي. الشرعية في مسائل الحكم وتوزيع السلطة لا تستمد من التمويل الخارجي، بل من الدستور والقانون والتوافق الوطني والمؤسسات التمثيلية.
ومع ذلك، لا يعني هذا رفض أي إصلاح إداري بحجة غياب البرلمان أو استمرار الحرب. فالحاجة إلى تنظيم العلاقة بين المركز والمحافظات قائمة وملحة. لكن الأداة القانونية يجب أن تكون أكثر وضوحاً وضبطاً. فإذا كان لا بد من تفويض مرحلي، فينبغي أن يصدر في صيغة قرار تنظيمي عام أو مرسوم انتقالي ذي طبيعة استثنائية، يحدد بدقة نطاق التفويض ومدته وموارده وآليات الرقابة عليه، لا في صورة عقود متفرقة قابلة للتفاوت والتوظيف السياسي.
والصيغة القانونية الأنسب لليمن يمكن أن تقوم على خمسة ضوابط أساسية: أولا، أن يكون التفويض مؤقتا ومحددا الأجل، ولا ينشئ وضعاً دائما أو حقا دستوريا مكتسبا. ثانيا، أن يقتصر على الخدمات والاختصاصات التشغيلية، ولا يمس الموارد السيادية أو شكل الدولة أو الاختصاصات الأمنية الكبرى إلا بنص تشريعي واضح. ثالثا، أن يرتبط كل اختصاص مفوض بمورد مالي محدد ومضمون، حتى لا يتحول التفويض إلى تحميل للمحافظة مسؤوليات بلا أدوات. رابعا، أن تخضع وثائق التفويض للنشر العلني والرقابة القضائية والمالية والمجتمعية. خامسا، أن تُنشأ لجان رقابة محلية مؤقتة تضم ممثلين عن المجتمع المدني والنقابات والقطاع الخاص والوجهاء المحليين، إلى حين استعادة المجالس المحلية المنتخبة دورها الطبيعي.
بهذا المعنى يمكن قبول التفويض كإجراء ضرورة، لا كنظرية حكم. كأداة انتقالية لضبط الفوضى، لا كبديل عن القانون. كوسيلة لتحسين الخدمات، لا لإعادة رسم بنية الدولة. أما إذا قُدم بوصفه بديلاً عن التشريع والانتخابات والتوافق الوطني، فإنه يتحول إلى التفاف قانوني خطير على اللامركزية ذاتها.
خلاصة القول إن اليمن لا يعاني أزمة إدارية فقط، بل أزمة شرعية وثقة ودولة. ولا يمكن لعقد إداري، مهما بلغت بلاغة صياغته، أن يحل محل العقد الاجتماعي الوطني. فبناء اللامركزية في اليمن يحتاج إلى قانون واضح، ومؤسسات منتخبة، وقضاء فاعل، وتوافق سياسي شامل، لا إلى ترتيبات تنفيذية مؤقتة قد تبدأ بوصفها جسراً نحو اللامركزية وتنتهي كأداة لتثبيت الانقسام.
إن التفويض التعاقدي قد يكون مفيداً إذا بقي في حدوده: تدبيراً انتقالياً محدوداً ومراقباً. لكنه يصبح خطراً إذا ارتدى ثوب القانون وهو ليس قانوناً، أو ادعى بناء الدولة بينما هو يدير فراغها. واليمن، في هذه اللحظة الحرجة، لا يحتاج إلى شرعنة الاستثناء، بل إلى إعادة بناء الشرعية نفسها.
* (المصدر أونلاين)

توفيق الحميدي