الجامعات اليمنية في القبضة الحوثية (2) جامعة القرآن الكريم .. ضحيّة "المسيرة القرآنية"

مع أن كل الأنظار والوسائل الإعلامية ركّزت حديثها - إلى حدّ كبير -على جامعة الإيمان، نظراً إلى جملة عوامل، منها تأثيرها المحلّي والخارجي، وكون ذلك كان أشبه بإعلان مسبق من قبل الحوثيين، تساندهم في ذلك قوى داخلية وإقليمية ودولية – كما سبقت الإشارة في العدد السابق عند الحديث عن جامعة الإيمان- وبسبب بروز قيادتها لاسيما شخصية رئيسها الشيخ الراحل عبد المجيد الزنداني بالخصوص، وتأثيره الواسع، وشهرته على النطاق الخارجي، على نحو يكاد يفوق المحلّي الداخلي؛ بيد أن محنة أخرى - على نحو أقل بطبيعة الحال- ظلّت صامتة – إلى حدّ كبير- تعرّضت لها جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية بصنعاء، وبعض فروعها في المحافظات، بدءً باحتلالها من قبل مسلّحي الحوثي، منذ ما بعد اجتياح صنعاء بأشهر قليلة.

تأسست النواة الأولى للجامعة عام 1994م، باسم "الكلية العليا للقرآن الكريم، وتتبع- في الأصل- الجمعية الخيرية لتعليم القرآن الكريم-، وحين أصبحت جامعة فإنها أصبحت جامعة خيرية غير ربحية. ورغم أن مرافق عديدة لها احتلت من قبل الحوثيين وعُطِّلت وظائفها؛ فإن مبناها الرئيس بصنعاء ظل - من الناحية الشكلية - قائماً تحت إشراف (صوري) لإدارة الجامعة (الأصلية)، وحاولت أن تبقى مؤدية مهامها التدريسية ما أمكن، ولكن تحت إشراف لجان الحوثيين ورقابتهم الصارمة، إلا أن التضييق كان يزداد يوماً بعد آخر، حتى اقتحم الحوثيون ذلك المبنى في 7/ 11/ 2016م، مما اضطر إدارة الجامعة لتقرّر إيقاف الدراسة فيها، إلى أجل غير مسمّى. ووصف بيان صادر عن مجلس أمناء الجامعة ذلك الاقتحام بأنه اقتحام لآخر مباني الجامعة، الذي كان لايزال بيد القائمين عليها. وأشار البيان إلى أن ذلك القرار بالإيقاف يأتي على خلفية " انتحال الحوثيين صفة مالك الجامعة، ومهام مجلس أمناء الجامعة"([1])، وما ترتب على ذلك من تهجم على منتسبي الجامعة، وضرب بعض الطالبات بأعقاب البنادق، وإطلاق الرصاص لتخويف الطلبة([2]).

ونظراً لشحّة البيانات وانعدام الوثائق المنشورة عن الجامعة ومحنتها؛ فقد تواصل الباحث مع قيادة الجامعة؛ فأفاده مشكوراً رئيس الجامعة -حالياً- الأستاذ الدكتور يحيى الصباحي- وهو الذي كان أميناً عاماً للجامعة، حين اقتحم الحوثيون الجامعة في صنعاء، في 2016م، قبل أن يصادروها تماماً، بما حاصله ما يلي:

اقتحام المبنى الرئيس للجامعة واحتلال كامل لمرافقها

أكّد رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور يحيى الصباحي للباحث تعطّل وظائف العديد من مرافق الجامعة، وسلب مقدراتها مبكراً، وأنه لمحاولة تفادي ذلك ما أمكن سعت " إدارة الجامعة جاهدة للحفاظ على استمرار الدراسة، حرصاً على مستقبل طلابها، وأداء لرسالتها، فاستأجرت قاعات دراسية في جامعة آزال، لاستكمال الدراسة بعد سيطرة المليشيا سيطرة كاملة مع بداية عاصفة الحزم في شهر مارس 2015م، لكن فوجئ القائمون على الجامعة باقتحام المليشيا في 7 نوفمبر 2016م، القاعات المستأجرة في مبنى جامعة آزال، بأطقم عسكرية فسحبوا أجهزة الحاسوب المتوفرة في ذلك الوقت، واحتجزوا مدرّسين، قبل أن يفرجوا عنهم، تحت ضغط الطلاب والطالبات على وجه الخصوص، واستخدمت القوات المقتحمة أعقاب البنادق لضرب الطالبات وكذا اطلاق الرصاص "([3]).

وقال الدكتور الصباحي:" انتحل الحوثيون صفة "الجمعية الخيرية لتعليم القرآن الكريم" وهي الشخصية الاعتبارية المؤسسة للجامعة، ومنها دخلت تحت غطائها للاستيلاء على الجامعة، على نحو شامل، فجرى تنصيب هاشم محمد الحوثي رئيساً للجمعية الخيرية لتعليم القرآن الكريم (في نسختها الخاضعة للجماعة)، قبل أن يتم تغييره لاحقاً بتعيين عبد السلام الحوثي (شقيق قائد الجماعة) لإحكام القبضة العائلية على مقدرات وأوقاف الجمعية، ثمّ أُسندت رئاسة الجامعة أولاً لحوثي يدعى محمد محمد شرف الدين، ونظرا للصراع حول الموارد والمناصب داخل الجامعة؛ تم استبداله وتعيين عبد الله الشامي (المسؤول الثقافي للجماعة) بديلاً عنه"([4]).

نقل المركز الرئيس للجامعة إلى حضرموت

نتيجة لهذه التصرفات الهمجية – يضيف رئيس الجامعة- " لم يبق من سبيل لاستمرار الدراسة في صنعاء فمباني الجامعة محتلة، والمبنى المستأجر تم اقتحامه، وقيادة الجامعة ملاحقة، مما اضطر مجلس أمناء الجامعة إلى اتخاذ قرار حاسم بنقل المركز الرئيس إلى فرع الجامعة بمدينة سيئون، بمحافظة حضرموت، وتعليق الدراسة في صنعاء، بوصف ذلك نتيجة اضطرارية، لانعدام طرق استمرارها . خاصة بعد أن قامت الميليشيا الحوثية بمحاولة طمس هويّة الجامعة، وعملية إحلال كادر إداري " حوثي" كامل"، معزّز بقوّة السلاح"([5]).

سيطرة على أصول الممتلكات وسعي لطمس الهويّة

وعند سؤال الأستاذ الدكتور الصباحي: هل تمّ الاقتصار على ما سبق؟ أم حدثت تطوّرات أخرى؟ أجاب:" لم تكتفِ الجماعة بالاستيلاء المادي على ممتلكات الجامعة ومبانيها، بل امتدت يد المصادرة لتشمل كافة أصول "الجمعية الخيرية لتعليم القرآن الكريم" ومبانيها، وهي التي تعد الحاضنة الأساسية لها. وفي خطوة تعكس عمق التجريف الفكري ومحاولة بتر المؤسسة عن جذورها، عُمد إلى تغيير اسم المؤسسة من "جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية" إلى "جامعة القرآن الكريم والعلوم الأكاديمية". وعلّق على ذلك بقوله: إن هذا التحوير الاسمي يمثل انسلاخاً أيديولوجياً يهدف إلى تفريغ المؤسسة من رسالتها الممتدة، وطمس هويتها المعرفية التي عُرفت بها طيلة عقود"([6]).

ماذا عن فروع الجامعة؟

أمّا عند سؤال الباحث: هل اقتصر الأمر على المركز الرئيس بصنعاء، أم حدث قدر من تلك السيطرة الحوثية على أيّ من فروع الجامعة في المحافظات الأخرى الخاضعة لسيطرة الحوثيين؟ فقد أجاب الدكتور الصباحي بالقول: "لم تكن فروع الجامعة في المحافظات بمنأى عن هذا التجريف؛ ففي سنة 2018م، استُكملت السيطرة بالقوة على فرع الجامعة في محافظة إب، حيث جرى الاستيلاء على المبنى الموقوف لصالح الجامعة، ومصادرة أصوله وممتلكاته، وطردت إدارته المؤسسة للفرع، وتمّ تكليف مشرف المحافظة الحوثي المدعو عبدالفتاح غلّاب مديراً لفرع الجامعة التابعة للمليشيا بمسماها الجديد"([7]).

التعبئة الطائفية للموظفين باسم جامعة القرآن

وأضاف الصباحي: "مع بسط الهيمنة الكاملة على المقّرات الرئيسة في صنعاء وإب؛ جرى تحوير الوظيفة التعليمية للمؤسسة بالكامل عبر مسارين:

  • المسار الأول (التعبئة الفكرية): تحويل القاعات والمباني الأكاديمية الوقفية إلى مراكز مغلقة لعقد ما يسمى بـ "الدورات الثقافية الطائفية" التابعة للجماعة.
  • المسار الثاني (تأسيس الكيان الموازي): افتتحت الجماعة في مقرات الجامعة بصنعاء وإب كياناً جديداً تحت مسمى "كلية الإدارة الإسلامية"، وأصدرت قرارات تقضي بإلزام موظفي الدولة في الجهاز الإداري بالالتحاق بهذه الكلية مكرَهين"([8]).

وعن نظام هذه الكلية "المستحدثة" وآلية عملها أفاد الدكتور الصباحي بأن آلية عملها "تعتمد على نظام مكثَّف يمتد لثلاثة أيام، من كل شهر. وتشير التقديرات إلى أن عدد الملتحقين بهذا البرنامج قد بلغ نحو عشرين ألف موظف، تم جلبهم بالكامل من هيكل الجهاز الإداري للدولة، وبتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة. وتأتي هذه الخطوة كجزء من استراتيجية أوسع لربط البقاء في الوظيفة العامة بمدى الانصياع والتلقي الفكري، مما يحوِّل منشأة تعليمية أُسست لخدمة المجتمع، إلى معمل لإنتاج وتأهيل الكوادر الإدارية، وفق ثقافة طائفية أحادية تُفرض بقوة السلطة"([9]).

محنة قيادة الجامعة

وعند سؤال الأستاذ الدكتور الصباحي: هل طال قيادة الجامعة قدر من أذى الحوثيين؟ أم اكتفي بسلب الجامعة ومبانيها ومحتوياتها وتوظيفها لأغراض أيديولوجية طائفية - كما سبق بيانه-؟ فأكّد أن "حملة الاستهداف لم تقف عند حدود السطو على المنشآت والمقدرات الوقفية للجامعة، بل اتخذت طابعاً انتقامياً شخصياً وممنهجاً ضد الكادر الأكاديمي الأصيل في الجامعة. ونتيجة لرفض قيادة الجامعة تسليم وثائق الجامعة، والانصياع لأوامر المغتصبين "الحوثيين"؛ تحول سلوك الجماعة نحو التنكيل الشخصي بالرموز القيادية للجامعة، التي رفضت الانصياع لخطة التجريف؛ فتم إدراج أسماء القائمين على الجامعة، ضمن قوائم المطلوبين "أمنياً"، وجرى وصفهم بالخونة، واتخاذ قرار من قِبل النيابة الجزائية التابعة للحوثي بمصادرة ممتلكاتهم، وعلى ضوء هذا القرار تم اقتحام المنزل الخاص بأمين عام الجامعة، في ذلك الوقت - والذي يشغل منصب رئيس الجامعة الحالي - وبسط السيطرة عليه بالكامل، بقوة السلاح ومصادرة ممتلكاته الشخصية . وعلّق على ذلك بالقول: "تُظهر هذه الواقعة أن الاستهداف لم يكن عفوياً أو محصوراً في نطاق السيطرة المادية، على المرافق، بل كان خطة مبيّتة لتهجير النخب الأكاديمية الصامدة، وتجريدها من أمنها الشخصي والأسري لمعاقبتها على مواقفها المؤسسية والوطنية" ([10]).

وماذا عن الطلبة؟

وأخيراً اختتم الباحث المقابلة بسؤال الدكتور الصباحي: ماذا عن مصير الطلبة في جامعتكم؟ وهل تمكن الحوثيون من التأثير عليهم فأجاب :" في مفارقة تكشف بوضوح عن سقوط الرهان على اختطاف العقول، تجلى الموقف الأنصع لطلاب وطالبات الجامعة. فبحمد الله وفضله، لم يُسجل التحاق أي طالب أو طالبة ممن كانوا منتسبين لـ "جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية" بتلك النسخة المشوهة أو الكيانات المستحدثة فيها.

لقد أثبت الطلاب بوعيهم العميق ومقاطعتهم التامة أن المؤسسات الحقيقية لا تتمثل في الجدران والمقرّات، بل في القيم والمبادئ. ولم يقتصر موقفهم على الرفض فحسب، بل ظلوا أوفياء لجامعتهم، ومحافظين على ارتباطهم الأكاديمي والتعليمي الوثيق بها، لا سيما بعد نجاح إدارة الجامعة في نقل المركز الرئيس للجامعة إلى محافظة حضرموت. لقد كان هذا الانتماء الطلابي والالتفاف حول المركز الجديد بمثابة تصويت حاسم جرّد سلطة الأمر الواقع من أي شرعية أكاديمية أو أخلاقية، وأكد أن السيطرة على المباني لا تعني بحال السيطرة على الإرادة والوجدان"([11]).

وتجدر الإشارة إلى أن جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، رغم تلك المحنة العاصفة التي تعرّضت لها؛ تمكنت من تجاوز معظم التحدّيات، بعد نقل مقرّها الرئيس إلى مدينة سيئون، بمحافظة حضرموت، وحققت قفزة لافتة على مستوى العملية الأكاديمية من مختلف جوانبها ([12]).

* (المصدر أونلاين)

* أ.د أحمد الدغشي- أستاذ أصول التربية وفلسفتها- كلية التربية- جامعة صنعاء

----------------------------------------------------


([1])جامعة القرآن الكريم، صنعاء، بيان صادر عن مجلس أمناء الجامعة، 9/11/2016م (وثيقة منفصلة).

([2]) جامعة القرآن الكريم، صنعاء، بيان صادر عن مجلس أمناء الجامعة، المرجع السابق.

([3]) يحيى الصباحي، رئيس جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية، مقابلة شخصية مع الباحث (عبر الواتسآب)، حول محنة الجامعة وتطوراتها ومآلاتها، تمّت المقابلة في 31/5/2026م.

([4]) يحيى الصباحي، مقابلة شخصية مع الباحث. المرجع السابق.

([5]) يحيى الصباحي، مقابلة شخصية مع الباحث، المرجع نفسه.

([6]) يحيى الصباحي، مقابلة شخصية مع الباحث، نفسه.

([7]) يحيى الصباحي، مقابلة شخصية مع الباحث، نفسه.

([8]) يحيى الصباحي، مقابلة شخصية مع الباحث، نفسه.

([9]) يحيى الصباحي، مقابلة شخصية مع الباحث، نفسه.

([10]) يحيى الصباحي، مقابلة شخصية مع الباحث، نفسه.

([11]) يحيى الصباحي، مقابلة شخصية مع الباحث، نفسه.

([12]) راجع مقطع (فيديو) تعريفي بجامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية 2018م-2025م ، من إعادة البناء إلى صناعة الأثر.


شارك الخبر


طباعةإرسال