عن مقابلة الدكتور علي حسن الأحمدي

في أبريل 1992 تم لقاء عدد من وجهاء البيضاء بالأستاذ محمد حيدرة مسدوس، نائب رئيس الوزراء وقتها، وطلبنا منه ترتيب لقاء مع نائب الرئيس علي سالم البيض، وكان من الحاضرين الشيخ السلطان الرصاص بن حسين، والشيخ سالم عبد القوي الحميقاني، والشيخ عيدروس الثريا، والشيخ عبدربه ناصر الرقابي. وكان الغرض ترتيب لقاء لوجهاء البيضاء مع النائب لطرح مظالم البيضاء الكثيرة والمزمنة.

وتم ترتيب ذلك اللقاء بالفعل في منزل النائب البيض، بالقصر الجمهوري، إلا أن اللقاء صادف وقوع الحادث الذي تعرض له وزير العدل يومذاك، عبدالواسع سلام، في 26 أبريل 1992. وبدا النائب غاضبًا، وكان قد تأخر بعض الوقت عن اللقاء، وعندما دخل علينا سألناه: هل تم القبض على الجناة؟ فرد ضاحكًا بسخرية: “لا… يبدو أن ما أحد يمسك أحد هنا!”

وعند لقائنا بمسدوس قال: سوف يتم تعيين محافظ ممتاز عندكم، هو علي حسن الأحمدي. وأضاف: “قد تلاحظون أنه قصير القامة، لكن يوجد مثل طوله الظاهر طول آخر تحت الأرض.” وكان مسدوس يعرف الأحمدي منذ وجودهما معاً في بلغاريا، حيث كان الأحمدي طالبًا ثم ملحقًا ثقافيًا، وقد تفرقت بهما السبل بعد ذلك بين “الزمرة” و”الطغمة” لكن مسدوس كان ما يزال يشهد للأحمدي بالكفاءة والجدارة.

وعندما عُيِّن الأحمدي محافظًا للبيضاء، كان من أفضل من تولى هذا المنصب فيها. وله سمته الهادئ، وأسلوبه الخاص، لكنه كان صاحب قرار وموقف. ولاحظت ذلك منه في عدد من المرات والمناسبات.

منها موقفه مع قائد اللواء (56) المرحوم محمد القاسمي، الذي أرسل، أثناء تسجيل الناخبين، مئات من أفراد المعسكر الواقع بمحاذاة دائرتي الانتخابية للتسجيل فيها، رغم أنهم خارج نطاقها، وكان الهدف دعم ترشيح ضابط من المعسكر، انتهى به الأمر حوثياََ، وقُتل، سامحه الله. وتم إيقاف تسجيل أفراد المعسكر.

وموقف آخر مع مدير الأمن المرحوم علي العتمي، عندما سُجن أكثر من عشرة أشخاص من قبيلة الظفريين بسبب مطالبة الأمن بعلوي المسوع، الذي اتُّهم، مع بعض أصحابه، بالوقوف وراء تفجير قاطرة نفط في العريف بعد حرب 1994، وكانوا جميعًا من أعضاء الحزب الاشتراكي من قبل الوحدة.

وقد أصدر المحافظ أمرًا بإطلاق سراحهم، ووعد مدير الأمن بالتنفيذ صباح اليوم التالي، لكنني أصريت على أن يتم الإفراج فورًا. وكان الوقت عِشاءََ، وأوعز المحافظ إلى مسؤول كبير آخر لمتابعة الأمن، لكنه تلكأ في التواصل مع مدير الأمن تلك الليلة، فتواصلت من جديد مع المحافظ، فوجه بالتنفيذ على الفور، حوالي العاشرة أو الحادية عشرة ليلا.

وأعني بذلك أنه كان يمارس سلطته بحزم ودون تردد مع القادة العسكريين والأمنيين الموثوقين من صنعاء، بخلاف آخرين كانوا قد يترددون في الحزم مع مثل أولئك القادة.

وبعد سنوات، التقيته عام 2012، وتحدثنا عن وحدة البلاد، فقال: لو تعرضت الوحدة للخطر فسنقاتل دفاعًا عنها، كما فعلنا من قبل. ولا اعتراض على الوحدة، وإنما الاعتراض على ما حدث بعدها.

أما تعيينه رئيسًا لجهاز الأمن القومي فقد كان مستغربًا؛ إذ لم تكن لديه خبرة في هذا المجال، كما أن حالته الصحية، فيما يبدو، لم تعد تسعفه، وكان الأولى به ألا يقبل هذا المنصب.

ومثل ذلك مقابلته في “اليمن بودكاست”. وليس من السهل أن يدلي بشهادة ضد رئيس تربطه به علاقة خاصة جدًا، في هذا الوقت بالذات، مع أهمية طرح الحقائق كما هي، وللتاريخ، في أهم قضية يمنية منذ مئات السنين.

وقد لاحظت أن أحد الأصدقاء علّق على المقابلة منتقدًا الدكتور الأحمدي بشدة وقسوة، فاستغربت ذلك وظننته متحاملًا. وعندما شاهدت المقابلة، وجدت أن الساعة الأولى تعبر عن علي الأحمدي كما عرفناه. ونظرًا لطول المقابلة، التي تجاوزت أربع ساعات، انتقلت مباشرة إلى حديثه عن سقوط صنعاء، فبدا لي أنه غير علي الأحمدي الذي نعرف.

وكرر كلامًا غير صحيح عن دور الرئيس هادي، رحمه الله.

وفي الجزء الذي لم يُنشر بعد من المقابلة التي سُجلت معي في “اليمن بودكاست” في ديسمبر 2025، وكانت بروفايلًا شخصيًا، تحدثت عن واقعتين قد تعبران عن دور الرئيس هادي وموقفه.

الأولى: عندما اتصل بي غاضبًا بسبب حلقة عُرضت في القناة الأولى من برنامج “بشفافية” وكانت مركزة على دور وزير الدفاع محمد ناصر أحمد، وقال لي: “أنا وزير الدفاع، ولن أقاتل الحوثيين.” وكان ذلك قبل سقوط عمران. ولأنني كنت أعرف محمد ناصر أحمد جيدًا، فقد كنت أعلم أنه كان منفذًا فقط.

والثانية: عندما بدأ التلفزيون يعرض حلقات لبعثة أرسلها إلى عمران، عندما كان الحوثيون يحيطون بها، فاتصل سكرتير الرئيس بالتلفزيون، مكلفًا من الرئيس، معترضًا على ما بدأ يُبث. وكانت علاقتي بالرئيس هادي، رحمه الله، قد بلغت آنذاك أقصى درجات "الفتور" قبل إقالتي في 12 يونيو 2014.

وفي اليوم التالي اتصل الرئيس نفسه بالتلفزيون، بحسب ما أخبرني به رئيس قناة اليمن، الأستاذ حسين باسليم، آنذاك. ورغم أنني قلت لرئيس التلفزيون: استمروا، فإن ضغوط الرئاسة على التلفزيون أسفرت، كما تبين لاحقاً، عن التخفيف من المادة، أي حذف ما قد يغضب الحوثيين. ورغم أن التلفزيون استطلع آراء حتى بعض الحوثيين، فإن المقابلة مع قائد اللواء حميد القشيبي لم تُعرض إلا يوم تشييعه إلى مثواه الأخير.

وعندما التقيت الرئيس هادي في الرياض بعد خروجه من اليمن، سلمت عليه، فقال، وهو ينظر إلى الأرض بحزن وأسف ظاهرين: “ما كنا نريد أن تصل الأمور إلى هذا الحد.”

ورغم مسؤولية الرئيس هادي، بحكم منصبه، وما يتوفر له من إمكانات الدولة الكبيرة، فقد كان يسمع أحيانًا إلى أشخاص موتورين وقصيري نظر. وأتذكر أنه في آخر لقاء جمعني به قبل الإقالة، كان يكرر: “قال لي فلان، وقال لي فلان.” وكان ذلك “الفلان” ممن كنا نظنهم كبارًا على مستوى اليمن كله، لكنهم لم يكونوا كذلك، للأسف.

ورغم أن دور الرئيس صالح ، رحمه الله، كان ثانويًا، قياسًا بدور الرئيس هادي في تلك المرحلة، فإن دوره الذي انتهى بالتحالف مع الحوثيين قد يكون مما يصعب على التاريخ تصديقه، وهو الذي حكم اليمن أكثر من ثلاثين عامًا، وقاتل الحوثيين في ستة حروب.

*من حساب الكاتب على منصة فيسبوك


شارك الخبر


طباعةإرسال