من مقصلة المطرفية إلى صكوك غفران الحسينية.. تناقضات وعنصرية التكفير الكهنوتي

بلغت الهادوية الجارودية ذروة حضورها السياسي والعسكري في عهد عبد الله بن حمزة، وفي تلك المرحلة انتقلت عقيدة تكفير المخالفين من المجال النظري إلى التطبيق العملي، فشهدت تلك الحقبة أشهر وقائع الإبادة الجماعية التي استهدفت المخالفين في قضية الإمامة من فرق الزيدية، وفي مقدمتهم المطرفية.

غير أن المفارقة اللافتة أن هذا التشدد لم يُطبَّق بالمعيار نفسه على بعض الفرق التي خرجت عن أصول الدين بإجماع المسلمين ، والتي تزامن ظهورها مع ظهور المطرفية. فقد ظهرت داخل البيت الهادوي فرقة "الحسينية"، أتباع الحسين بن القاسم العناني، سليل الهادي يحيى بن الحسين الرسي، وكان غلو هذه الفرقة أشد بكثير مما نُسب إلى المطرفية؛ فقد كان الحسين العناني يدعي تلقي الوحي الفؤادي والمنامي، وأن كلامه خير من القرآن؛ لأنه – بزعمه – محكم لا متشابه فيه، أما القرآن ففيه المحكم والمتشابه. كما كان يقول إن القرآن صامت لا حجة فيه على العباد، وإن الإمام هو القرآن الناطق وحجة الله في أرضه، ولم يتورع عن القول بأنه خير من الرسول ﷺ. وبعد مصرعه اعتقد أتباعه أنه لم يمت، فهو حي يرزق، وذهبت طائفة منهم إلى القول برجعته.

و قد استنكر المطرفية هذه البدع والانحرافات العقدية الخطيرة لفرقة الحسينية، ومع ذلك لم تتعرض الحسينية لما تعرضت له المطرفية من حرب استئصال، ولا تكفير ولا تفسيق ولا تبديع؛ فقد وجد فقهاء الجارودية مسالك واسعة لتأويل هذه المقولات والدفاع عن أصحابها—باعتبار أعلام الحسنيين هم أعلام الهدى ومصابيح الدجى— و يكفي إيمانهم بالحق السلالي الكهنوتي ليغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم و ما تأخر ، في الوقت الذي بالغوا فيه في تجريم المطرفية بسبب قولهم بأن الإمامة تثبت بالشورى لمن كان صالحاً لها كائنًا من كان. ونسبوا إليهم أقوالًا لم تثبت في كتبهم فقد أدعى عبدالله بن حمزة أنه سمعها منهم في مناظراته، ولم يكتفوا بنسبة أقوال إليهم لم تثبت في كتبهم، فقد تنبهوا لإمكانية تسرب كتب أو أقوال المطرفية الحقيقية إلى الناس فينكشف زيف تكفيرهم لهم ويتضح أن مواقف المطرفية ضد انحرافات الحسينية وموقفهم من الشرط العنصري السلالي للإمامة هما المبرر الأساسي لجرائم الإبادة الجماعية ، فسدوا الطريق أمام كل نص أو قول يمكن أن يظهر مخالفًا للروايات المنسوبة، وزعموا أن كل ما يمكن أن يرد في مؤلفات أو أقوال المطرفية مما يناقض تلك الروايات المنسوبة إليهم إنما كُتب أو قيل على سبيل التقية، وأن المطرفية يستبيحون الكذب للتستر على عقائدهم وكأنهم اطلعوا على سرائرهم، أو نزل عليهم الوحي الذي كان يتنزل على الحسين العناني! فدليلهم الوحيد على ذلك ما قاله خصمهم وخصيمهم يوم القيامة عبد الله بن حمزة أنهم أخبروه بذلك حين ناظرهم. ومن المفارقات أن عبد الله بن حمزة، الذي استبسل في إبادة المطرفية وتعسف في رفض كل تأويل، استبسل كذلك في الدفاع عن هرطقات الحسينية وفي محاولة تأويل أقوالهم المارقة. وما زالت الجارودية تتوارث هذا المنهج في تثبيت مقولات لم تثبت في كتب المطرفية، والتعسف في تأويل أقوال ثبتت في كتب الحسينية. كما يظهر في كتابات و أقوال مجد الدين المؤيدي في تبرير جرائم إبادة المطرفية وتبرير انحرافات الحسينية. ومن زاوية مقارنة، يلفت النظر هنا موقف الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي يُصنفه الخطاب الشيعي ضمن الجماعات التكفيرية؛ فعندما سُئل عن الانحرافات العقدية المنسوبة إلى الفرقة النصيرية في سوريا، أجاب بأنهم يعلنون أنهم لا يؤمنون بتلك المقولات، وأن الحكم إنما يكون على الظاهر. وتبرز هذه المقارنة الفارق بين منهجين في التعامل مع دعاوى الانحراف العقدي؛ أحدهما يقف عند الظاهر ولا يتجاوز ما يعلنه أصحابه، والآخر يتوسع في نسبة المعتقدات إلى الخصوم، ثم يرفض كل نص يصدر عنهم إذا خالف الرواية المسبقة، بدعوى التقية أو إضمار العقيدة الحقيقية.

محمد بن إبراهيم يكشف ازدواجية المعايير

وقد أشار الإمام محمد بن إبراهيم الوزير، مؤسس مدرسة الاجتهاد اليمنية، إلى هذه الازدواجية في تشدد الهادوية مع مخالفيهم في شرط الإمامة السلالي ولو كانوا من فرق الزيدية، وتساهلهم مع المبتدعة من داخل المذهب الذين فضلوا إمامهم على الرسول و كتبهم على القرآن، فقال:

«قد صحّ عنهم من البدع ما هو شرّ من ذلك. وكذلك الحسينية قد صحّ التواتر أنّهم يفضّلون الحسين بن القاسم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهم من فرق الزّيديّة» (الروض الباسم، ج1، ص 241)

وقال عن الحسينية أيضاً في "إيثار الحق": وعن تفضيلهم كتبهم على القرآن

«ولكن المبتدعة يرون تصانيفهم أهدى منه- أي من القرآن- ، لبيانهم فيها -على زعمهم- المحكم من المتشابه، فمنهم من صرح بذلك وقال: إن كلامه أنفع من كلام الله تعالى، وكتبه أهدى من كتب الله، وهم الحسينية أصحاب الحسين بن القاسم العناني، وقد حمله الإمام المطهر بن يحيى على الحنون.» (إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات، ص 94)

ويكشف هذا التناقض أن المشروع السلالي الكهنوتي يختزل الدين في الحق السلالي بالسلطة، ويجعل هذا الحق المدعى أصل الدين وركنه الركين، حتى يغدو الموقف من الإمامة مقدماً على سلامة العقيدة واستقامة السلوك.

عزالدين بن الحسين شاهدًا على الإنحراف القيمي

ولم يكن هذا الخلل خافيًا على العقلاء و المنصفين من علماء الزيدية؛ فقد تصدى له الإمام عز الدين بن الحسن في مقدمة رسالته الغراء في أحكام مثبت الإمامة ونافيها"، وقدم وصفًا بالغ الدقة للانحراف الذي أصاب منظومة القيم داخل الأوساط الهادوية الجارودية. ويجدر إيراد نصه بتمامه؛ لما له من قيمة تاريخية وعلمية، إذ يقول:

«فإن من أعظم حوادث هذا الزمن، ما ظهر فيه من إحياء البدع وإماتة السنن، حتى عاد الدين غريباً كما بدأ، وذهبت القواعد الكلية لعدم البناء عليه سدى، وكثر التناحر على الدنيا والتشاجر، وقل التعاون على التقوى والتناصر، واجترأ اللئيم على الكريم، وأقدم الجهول السفيه على تضليل الحليم العليم، وتجاسر الناس على التكفير والتفسيق، خبطًا وجزافًا واعتسافًا عن غير تحقيق.

ومن أعظم ذلك: التزاحم على الزعامة، والاختلاف في أمر الإمامة، حتى أفضت الحال إلى أن صار الموافق فيها- أي الإمامة وشروطها- معظماً مقبولاً، وإن كان من أخس الناس، والمخالف في عقيدتها ملومًا مذمومًا وإن كان من أبلغ الأكياس.

ويضيف : شاهدنا كثيرًا من المتدينين في هذا الزمان، والمتسمين بسمة الفضل وقوة الإيمان، يتلقون كثيرًا من قطاع الصلوات، والمدمنين على الخمر في أكثر الأوقات، والمجترئين على قتل النفوس المحرمات، بالبشاشة والاستبشار، وخفض الجناح ومجانبة الإنكار، إذا أنسوا منهم الانقياد إلى مذهبهم في هذا الشأن، والاعتماد على ما قد بنوا عليه من ذلك والاتكال، ويعاملون أهل المعرفة الصحيحة، والأديان القومية الصريحة، المخالفين لهم في العقيدة، وإن صدرت المخالفة عن قاعدة أكيدة، بالمجانبة والمهاجمة وعدم المحاسنة والملاطفة، حتى كأنه لم يشرع من الدين ولا بعث سيد المرسلين إلا لهذه المسألة- الإمامة وشرطها السلالي- وأما بقية الأركان فمغفلة مهملة، وقد يقع منهم الإفراط في التشنيع بالحكم على المخالف بالتكفير، و من ذلك ما وقفت عليه لبعض الكبراء في كتاب له بخط يده يتضمن ما معناه وأكثر ألفاظه: من أحب خصام الإمام فقد انسلخ عن الإسلام، وصارت زوجته معه في حيز الحرام.» (الرسالة الغراء في أحكام مثبت الإمامة ونافيها، ضمن: مجموع الرسائل، ص 284–285)

ويمثل هذا النص إحدى أهم الشهادات الداخلية في التراث الزيدي لكيفية تحول الإمامة وشرطها العنصري إلى معيار الولاء يتفوق على كافة كليات الدين وأصوله، وهذا النقد لم يصدر عن خصم للمذهب، ولا عن ناقد من خارجه، وإنما عن أحد كبار أئمته، وهو أيضاً من سلالة الهادي يحيى بن الحسين، مما يضفي على شهادته قيمة استثنائية. ويكشف النص أن المشكلة التي رصدها لم تكن مجرد خلاف فقهي حول الإمامة، بقدر ما كانت انقلابًا في سلم الأولويات الدينية؛ إذ أصبح الموقف من الإمام معيار القبول والرفض، بينما تراجعت الكبائر العملية ــ حتى شرب الخمر، وترك الصلاة، وسفك الدماء ــ إلى مرتبة ثانوية إذا اقترنت بالولاء للإمامة. وفي المقابل، غدت مخالفة الرأي في الإمامة سبباً للمهاجرة والمقاطعة، و قد تفضي إلى التكفير واستباحة الدماء والأموال وسائر الحقوق.

وهكذا تتكامل شهادة عز الدين بن الحسن مع الوقائع التاريخية التي تفسر لماذا حوربت المطرفية بكل تلك القسوة، في حين لم يُعامل غلو الحسينية بالمنهج نفسه، رغم ما نُسب إليها من مقولات أشد انحرافاً في باب العقيدة. ويعزز ذلك أن معيار الولاء للإمامة غلب في التطبيق على معيار الانحراف العقدي، وأن الحق الكهنوتي السلالي الإمامي تحول – في الممارسة الجارودية المتطرفة – إلى الميزان الذي أُعيد على أساسه ترتيب الدين نفسه.

* (المصدر أونلاين)


شارك الخبر


طباعةإرسال