المصدر أونلاين – خاص
في توقيت حساس يفيض بالتعقيدات الجيوسياسية، تبرز رحلة الطيران الإيرانية المباشرة وغير المنسقة إلى مطار صنعاء الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي كحدث يتجاوز أبعاده اللوجستية ليصبح رسالة سياسية وعسكرية بالغة الدلالة.
وفجر الجمعة هبطت طائرة إيرانية تابعة لشركة "ماهان إير" في مطار صنعاء قادمة من طهران، في خطوة اعتبرتها الحكومة اليمنية والتحالف العربي خرقًا للحظر الجوي وانتهاكًا لسيادة اليمن.
ونقلت تلك الطائرة، التي تعد الأولى من نوعها منذ 2015، وفداً من الجماعة إلى إيران للمشاركة في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، في رحلة اعتبرها مراقبون انتهاكاً لسيادة اليمن ورسالة تحدٍّ للدور السعودي الذي ما يزال يشرف عسكرياً على المجالين الجوي والبحري اليمنيين في إطار عمليات التحالف العربي المستندة إلى طلب الحكومة اليمنية وقرار مجلس الأمن رقم 2216.
وتكمن خطورة هذا الحدث في كونه أول اختراق جوي مباشر للأجواء اليمنية منذ عام 2015 دون تنسيق مع الحكومة الشرعية أو التحالف العربي، يليه إعلان الحوثيين أن هذه الرحلة تمثل تدشيناً لـ "جسر جوي مستدام" يربط صنعاء بطهران.
ويمثل فتح إيران لممر أو جسر جوي غير منسق ومباشر بين طهران وصنعاء تحولاً جيوسياسياً وعسكرياً بالغ الخطورة يهدد بانهيار جهود التهدئة الإقليمية. وتتنوع هذه المخاطر وتتداخل لتشمل تهديدات مباشرة لسيادة اليمن، وأمن المملكة العربية السعودية، والاستقرار الاستراتيجي لمنظومة دول الخليج العربي
وبناء على التحذيرات الصارمة لبيان "تحالف دعم الشرعية" ومجلس القيادة الرئاسي، فإن استمرار هذا المسار دون آليات رادعة ومساءلة دولية حقيقية يضع شبه الجزيرة العربية على حافة تصعيد عسكري غير مسبوق.
ويرى محللون في حديثهم لـ "المصدر أونلاين" أن هذا التصعيد المفاجئ، الذي أعقبه إعلان الحوثيين تدشين جسر جوي مستدام بين طهران وصنعاء وإطلاقهم تهديدات على السعودية، يضع المجتمع الدولي والإقليمي أمام تساؤلات جوهرية ومصيرية حول أبعاد هذه الخطوة وخلفياتها التكتيكية.
تطور خطير
وفي السياق ذاته، يقول الباحث السياسي نبيل البكيري، إن "هبوط طائرة إيرانية في مطار صنعاء دون إذن جوي مسبق من الحكومة اليمنية والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، يمثل تطوراً خطيراً واختراقاً عسكرياً وسياسياً غير مسبوق".
من خلال حديثه لـ "المصدر أونلاين" اعتبر البكيري أن هذه الخطوة، رسالة إيرانية واضحة ومباشرة تهدف إلى صياغة واقع جديد لما بعد الحرب الأخيرة (بين إيران وأمريكا). مشيرا إلى أن طهران تحاول عبر هذا الجسر الجوي إرسال بشائر نفوذها وتوجيه رسائل تحول استراتيجية في السياسة الدولية والإقليمية.
ويرى أن خطورة هذا الوضع تكمن في كونه يؤسس لمرحلة جديدة وفرض أمر واقع تسعى فيه إيران إلى مأسسة وجودها وتثبيت مخالبها ونفوذها في المنطقة بهذا الشكل.
وقال البكيري إن "هذه الحادثة تمثل لحظة فارقة واختباراً حقيقياً؛ وإن لم تدفع الأطراف المعنية -وفي مقدمتها دول الخليج والمملكة العربية السعودية تحديداً- إلى إعادة تقييم شاملة وجذرية لسياساتها وآليات الردع في المنطقة، فإن القادم سيكون قاتماً، وسينحرف مسار السياسة والأمن الإقليمي نحو مستويات من التهديد المباشر غير قابلة للسيطرة".
وزاد إن "خطوة تشغيل الجسر الجوي بين طهران وصنعاء تتجاوز الأبعاد الإنسانية المزعومة (مثل نقل الجرحى والمشاركين في التشييع)، لتشكل اختبارا عمليا لخطوط المنطقة الحمراء ومحاولة إيرانية لفرض واقع جيوسياسي جديد".
ابتزاز إقليمي
وبشأن مخاطر فتح إيران ممر جوي غير منسق فوق الأجواء اليمنية، سواء على اليمن أو السعودية ودول الخليج، يقول المحلل السياسي، ياسين التميمي، إن فتح هذا الخط فسوف يضمن مسارا مستدام للدعم العسكري واللوجستي وتدفق التمويلات وزيادة فرص إيران في التحكم بالمشهد اليمني.
وأضاف التميمي في تصريح لـ "المصدر أونلاين" أن "كل هذه العوامل من شأنها أن تعزز الموقف العسكري والسياسي والاستراتيجي لصالح الانقلابيين الحوثيين، لأن هذا المسار ببساطة سيقوض القوة الإلزامية لقرارات الشرعية الدولية التي تهدف أصلا لمنع الانقلابيين من الحصول على التسليح وفرض سلطة غير مقيدة، وتعظيم فرصهم في الانسحاب الكامل من مسار التسوية".
وحول التوقيت والدوافع الإيرانية وراء هذه الخطوة، يوضح التميمي أن طهران تسعى إلى تحقيق حزمة من الأهداف السياسية والعسكرية، وقال "إيران تريد بوضوح ربط اليمن بالمسار التفاوضي الإيراني الأمريكي، وضمان استحداث مترتبات على الانخراط الرمزي للحوثيين في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ومنحهم الفرصة للتحلل من استحقاقات التسوية ومسار السلام اليمني الذي ترعاه الأمم المتحدة".
وأشار إلى أن إيران ترغب في فرض قواعد اشتباك إقليمية جديدة تتيح لها المجال للانخراط العسكري في الحروب الداخلية لأذرعها في اليمن والمنطقة.
وفي تحليله لطبيعة الخطوة وسياقها الإقليمي، يؤكد التميمي أن الرحلة الجوية الأخيرة لا تعكس رغبة في مواجهة عسكرية مباشرة بقدر ما هي خطوة مدروسة.
ويرى أن هذه الخطوة "مغامرة محسوبة" جرت في توقيت لا تبدو فيه الأطراف مستعدة لضغط الزناد، وهي تجسيد لسياسة "الابتزاز الإقليمي" المدفوعة بحالة اليأس الإيراني، لفرض هذه الخيارات الخطرة على دول الجوار ويمعن في توظيف الأذرع لممارسة أقصى مستويات الضغط لتحييد القوى الإقليمية في المعركة المفتوحة مع أمريكا.
وختم التميمي حديثه بالقول "إيران تخطط بالتأكيد لنقل مستوى النقاش فيما يخص اليمن من التزام الحوثيين بمسار السلام إلى الحديث عن استحقاق فتح الأجواء أمام الطيران الإيراني، وهو توجه يضرب السيادة اليمنية في الصميم ويحيد التحالف الذي يمارس دورا أساسيا في حراسة الأجواء اليمنية والمياه الإقليمية والبر وفقا لقرارات مجلس الأمن".
فرض قواعد اشتباك جديدة
وامتدادا لهذا التطور المدفوع بالدعم الإيراني، شنت وزارة الخارجية في حكومة الحوثيين (غير المعترف بها)، الأحد، هجوماً حاداً على السعودية، ردا على بيان التحالف العربي الرافض للحادثة، وجاء الموقف الحوثي متسقاً مع الرغبة الإيرانية في التصعيد من خلال فرض معادلة الأجواء كـ "حق سيادي"، واستهداف المنشآت الاقتصادية للسعودية، متهمة الأخيرة بالتحرك برعاية أمريكية لخدمة إسرائيل.
وتُثبت مجريات الأحداث أن اختراق الأجواء اليمنية بواسطة الطائرة الإيرانية لم يكن مجرد رحلة عابرة، بل خطوة عملية من طهران لفرض قواعد اشتباك جديدة وتوفير غطاء جوي وسياسي مباشر لحلفائها في صنعاء.
وجاء البيان الحوثي العنيف والمهدد لمنشآت الطاقة والبورصة السعودية ليعكس بوضوح التأثير الفوري لهذا الاختراق الجوي، حيث تحولت جماعة الحوثي من موقع المناورة السياسية إلى موقع الهجوم والابتزاز الاقتصادي الإقليمي، مستندة إلى الخط الجوي الجديد الذي يسعى –كما أشار التميمي– إلى إخراج الجماعة من استحقاقات السلام اليمني، وتحويل الأجواء والسيادة اليمنية إلى كرت تفاوضي بيد إيران في صراعها المفتوح مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة.
في المحصلة، يضع هذا التصعيد الجوي والسياسي غير المسبوق الأزمة اليمنية أمام منعطف هو الأخطر منذ بدء جهود التهدئة، فتحويل الأجواء اليمنية إلى مسار مفتوح للدعم الإيراني، بالتزامن مع لغة التهديد الحوثية المباشرة للاقتصاد الخليجي، يعكس بوضوح سعي طهران وحلفائها لفرض واقع ميداني وسياسي جديد يتجاوز المرجعيات الدولية.
وأمام هذا التطورات، تظل الأيام المقبلة مرهونة بطبيعة ردود الفعل الدولية ومدى قدرة القوى الإقليمية على إعادة ضبط معادلة الردع لحماية أمن المنطقة وسواحلها من تداعيات هذا الاختراق.
اختراق إيران أجواء اليمن وتلويح الحوثيين باستهداف السعودية.. مغامرة محسوبة أم ابتزاز إقليمي؟





