كرة الضمير

كنا زمان نقتنع بمنطق بعض المثقفين الذين يرددون بأن الرياضة لعبة متحررة من قيود السياسة، وأن عقلية المؤامرة عندنا نحن العرب هي من تحكم قراراتنا.

بعد غزة، أُخرِج المخبوء من المواقف والتفاصيل.. وظهرت كرة القدم بنظافتها وقذارتها معًا، وظهر اليمين المتطرف الغربي بوجهه الفج.. ومن المفارقات أن هذا التيار، الذي تمتدّ جذوره إلى معاداة السامية التي أنتجت المحرقة، بات كثير من رموزه اليوم من أشدّ المدافعين عن إسرائيل، بعد أن أزاح عداءه التاريخي نحو المسلمين والعرب والمهاجرين.

كلما كبر اليمين المتطرف كبرت معه الأسئلة، فصار لزامًا على الرياضي أن يتحرر من قيود الصمت، وكان على عدد من الرياضيين أن يكونوا بالمرصاد لهؤلاء، وفي مقدمتهم "كيليان مبابي".

نعم، هذا الشاب الصغير أشعل صناديق انتخابات فرنسا ضد اليمين المتطرف، ومثله عثمان ديمبيليه، الذي وقف ضد اليمين المتعصب أولًا، ثم ضد ما يحدث في غزة.

أثبت ديمبيليه ومبابي أن اللاعب يستطيع أن يقف في المكان المناسب من أمكنة التاريخ.

وفي قلب فرنسا أيضًا دعا "ماركوس تورام" لاعب "إنتر" مباشرةً لمنع وصول التجمع الوطني اليميني للحكم، ومثله "جول كوندي" لاعب برشلونة و"إبراهيما كوناتي".

وفي إنجلترا وقف "ماركوس راشفورد" ضد الحملات العنصرية التي يعززها اليمين المتطرف، و"رحيم سترلينغ" الذي فضح العنصرية في الإعلام البريطاني التي تتغذى على شعبوية هذا اليمين.

وفي هولندا عبّر "ممفيس ديباي" عن هويته ومواقفه المناهضة للعنصرية ورفض خطاب زعيم اليمين المتطرف "خيرت فيلدرز".. فيلدرز الذي نشر صورة لاعبي منتخب المغرب ساجدين وكتب ...... (عبارة مسيئة لله).

وفي إسبانيا حالات كثيرة أيضًا.. ولا ننسى فريق أتلتيك بلباو بكل تلك المواقف الداعمة لفلسطين، وأيضًا الموقف الشهير للامين يامال الذي رفع علم فلسطين أثناء احتفال برشلونة بكأس الدوري الأخيرة.

في مقابل ذلك.. استخدم اليمين البرتغالي كريستيانو رونالدو بشكلٍ أو بآخر في الدعاية له، بينما استخدم فوز ليونيل ميسي في كأس العالم كمنجَز لليمين في الأرجنتين.. وكلاهما -ميسي ورونالدو- زارا إسرائيل وشاركا فيها بزيارات ومباريات وإعلانات تجارية، وهناك منشور يتيم لميسي في 2014 مع اليونيسف يدعو فيه لحماية الأطفال أثناء قصف غزة حينها.

اليوم يظهر رئيس الأرجنتين ويقول أنا الأكثر صهيونية في العالم.. هكذا بالحرف، فيرد عليه مسؤول إسرائيلي بما معناه أن عليكم أن تأخذوا كأس العالم القادمة.

لم أعد مقتنعًا بفكرة التشجيع لأجل منتخبي المفضل، بل لأجل ما يقوله الضمير أولًا وأخيرًا.. لم يعد عليّ أن أصدق أن كرة القدم هي لعبة للمتعة فقط.


شارك الخبر


طباعةإرسال