من أكثر القضايا التي أجد نفسي أعود إليها كلما علّقت على حدث سياسي أو اجتماعي أو إعلامي قضيتان أعتقد أن غيابهما هو أحد أهم أسباب اضطراب الوعي اليوم. الأولى: التمييز بين الموقف المعرفي والموقف الأخلاقي، والثانية: الحريات وحدودها. وأحسب أن كثيرًا من الانقسامات التي تمزق مجتمعاتنا، إنما تنشأ من الخلط بين هذين المجالين، حتى أصبحنا نكرر الأخطاء نفسها، ونلدغ من الجحر نفسه مرة بعد أخرى.
وما يثير الانتباه أن هاتين القضيتين، على أهميتهما، لا تحظيان بما تستحقانه من حضور في خطابنا الفكري، ولا في مناهج التعليم، ولا في الإعلام العربي. بينما نجد أممًا أخرى قطعت شوطًا معتبرًا في بناء هذا الوعي، فاستطاعت –ولو نسبيًا– أن تحدد حدود الحرية، وأن تميز بين ما هو محل نقاش فكري، وما هو محل إدانة أخلاقية، فخففت بذلك كثيرًا من جراحها وصراعاتها.
وقد أعادت إلى ذهني هذه الفكرة مناسبة الحديث عن شاعر كرّس موهبته أو كتب كثيراً من قصائده لمدح طاغية مجرم. ولأن النقاش في مثل هذه القضايا كثيرًا ما يختلط، رأيت أن أقف عند ثلاث مسائل أراها ضرورية لفهم الموضوع.
أولى هذه المسائل أن نفرق بوضوح بين الموقف المعرفي والموقف الأخلاقي. فليس كل من خالفنا في الدين أو المذهب أو الفكر يتحول تلقائيًا إلى خصم أخلاقي. قد يكون الإنسان مسلمًا أو غير مسلم، مؤمنًا أو ملحدًا، لكن ذلك وحده لا يخرجه من دائرة البر والقسط ما دام مسالمًا، لا يعتدي على أحد، ولا يحارب الناس في حقوقهم وحرياتهم. فالخلاف هنا يبقى خلافًا معرفيًا، يعالج بالحوار، والجدل، والبرهان، والإقناع، لا بالإقصاء ولا بالعداء.
فإن تجاوز هذا الإنسان مرحلة الاختلاف الفكري إلى السخرية والاستهزاء بالعقائد، انتقلنا إلى مستوى آخر من التعامل، يقتضي رفض هذا السلوك ومقاطعته، كما أرشد القرآن إلى الإعراض عن مجالس الاستهزاء حتى يخوض أصحابها في حديث غيره. وللمجتمع أن ينظم، عبر مؤسساته التشريعية، من القوانين ما يحفظ السلم المجتمعي ويصون الحقوق، دون أن يمس أصل حرية الاعتقاد والاختلاف الفكري.
أما إذا بلغ الأمر حد البغي والعدوان، أو المشاركة في الظلم، أو التحريض عليه، أو تبريره، فإن القضية لم تعد قضية رأي وفكر، بل أصبحت قضية أخلاق وعدالة. وهنا لا يعود الحديث عن اختلاف في الاجتهاد، وإنما عن انحياز إلى الجريمة. ولذلك يكون الموقف موقف مفاصلة وبراءة، لا لأن صاحبه خالفنا في الفكر، وإنما لأنه اعتدى على قيم العدل والحرية والكرامة الإنسانية.
وهذا التفريق في غاية الأهمية؛ لأنه يمنعنا من الوقوع في طرفين متقابلين: فلا نحول كل خلاف فكري إلى معركة أخلاقية، ولا نحول كل جريمة أخلاقية إلى مجرد اختلاف في وجهات النظر.
وقد يثار هنا سؤال: إذا كان هذا هو المعيار الذي نحاكم به الشخصيات والأحداث في حاضرنا، فهل يصح أن نطبقه كذلك على شخصيات التاريخ وأحداثه؟
والجواب أن التعامل مع التاريخ ليس كالتعامل مع الحاضر. فالحاضر نراه بأعيننا، وتتوفر فيه من وسائل التوثيق ما يجعل كثيرًا من وقائعه يقينية أو قريبة من اليقين. أما التاريخ، فكثير من أخباره وصلتنا بطريق الظن، وكتبه المنتصرون، وتداخلت فيه الأهواء السياسية، والمصالح، والانتماءات، ولذلك لا يصح أن نتعامل مع كل رواية تاريخية كما نتعامل مع مشهد موثق نعيشه اليوم.
ولهذا ينبغي أن يكون تعاملنا مع الشخصيات التاريخية أكثر مرونة، وأكثر وعيًا بدرجات الثبوت. فما ثبت يقينًا نتعامل معه كما نتعامل مع وقائع الحاضر، وما بقي في دائرة الاحتمال أو الظن فلا يجوز أن نبني عليه أحكامًا قطعية.
وهناك معيارٌ آخر ينبغي مراعاته في بناء الموقف الأخلاقي، وهو حجم الجريمة وخطورتها؛ فليس من الحكمة أن نُسوِّي بين خطأٍ سياسي، أو جريمةٍ محدودة، وجريمةِ إبادةٍ جماعية. فالإبادة تمثل أقصى درجات الانهيار الأخلاقي؛ لأنها تستهدف شعبًا كاملًا وتسعى إلى استئصاله. ولذلك لا يستوي من أيّد مجرمًا ارتكب جريمةً محدودة، مع من أيّد طاغيةً ارتكب إبادةً بحق شعبٍ بأكمله؛ فالمسؤولية الأخلاقية تتفاوت بتفاوت حجم الجريمة.
ولهذا لا يمكن أن نتعامل مع ما جرى في غزة أو في سوريا كما لو كان مجرد خلاف سياسي بين أطراف متنازعة. إننا نتحدث عن مذابح موثقة، وعن قتل وتشريد وتعذيب شاهده العالم لحظة بلحظة. ومن أخطر المغالطات التي مارستها بعض الدعايات السياسية أنها حاولت أن تصور إحدى هاتين الإبادتين وكأنها محل خلاف مجتمعي، بينما الأخرى محل إجماع، لتوهم الناس أن الحقيقة نسبية، وأن الجريمة يمكن أن تتحول إلى وجهة نظر. وهذا قلب للحقائق. فوجود من يبرر الجريمة لا يجعلها محل نقاش، كما أن وجود من ينكر الشمس لا يجعل طلوعها موضع تصويت.
ثم نصل إلى القضية التي أثارت أصلًا هذا النقاش، وهي الفصل بين الإبداع والموقف الأخلاقي. وهنا ينبغي أن نكون دقيقين. فقد يقدم مفكر فكرة صحيحة في مجال معين، ثم يكون له في حياته موقف أخلاقي خاطئ. في هذه الحالة لا مانع من أن نحكم للفكرة بالصواب، ونحكم على الموقف الأخلاقي بالخطأ؛ لأن موضوع الحكمين مختلف.
أما إذا كانت الفكرة نفسها تخدم الظلم، أو كانت القصيدة نفسها كتبت لتمجيد الطغيان، أو كان المشروع الأدبي أو الفكري كله مسخرًا لتبرير الاستبداد والإجرام، فإن الحديث عن الفصل بين الإبداع وصاحبه يصبح حديثًا مضللًا.
فالشعر هنا ليس منفصلًا عن الجريمة، بل هو أحد أدواتها. والبلاغة ليست وصفًا محايدًا، بل وسيلة لتجميل القبح. والفن لم يعد قائمًا بذاته، وإنما أصبح جزءًا من ماكينة الدعاية التي تمنح القاتل شرعية، وتكسو الطغيان ثوب البطولة. ولهذا أستغرب حين يقول بعضهم: "لكن، وللإنصاف، كان شاعرًا عظيمًا".
وأتساءل: إنصاف لمن؟ وفي أي مقام؟ إن لكل مقام مقالًا، ولكل سياق أولوياته. فحين يكون الحديث عن شاعر جعل موهبته كلها في خدمة طاغية، فإن استحضار شاعريته في تلك اللحظة ليس إنصافًا، وإنما تشويش على الموقف الأخلاقي، وصرف للأنظار عن جوهر القضية. إنه يشبه تمامًا أن يقف إنسان أمام قناص قتل طفلًا بريئًا، ثم يقول: "للإنصاف ينبغي أن نعترف بأنه كان قناصًا محترفًا"!
قد يكون الوصف صحيحًا من الناحية الفنية، لكنه في هذا المقام فاقد للحكمة، لأنه ينقل مركز الاهتمام من الجريمة إلى المهارة. ولو أن خطيبًا بليغًا أفنى عمره في التحريض على ذبح شعب كامل، فهل يكون من الإنصاف أن نقول: "لكن خطبته كانت رائعة بليغة"؟
قطعًا لا. فالقدرة ليست قيمةً في ذاتها، وإنما تكتسب قيمتها من الغاية التي سُخِّرت لها. والموهبة التي تتحول إلى أداة لتبرير الظلم لا تستحق الاحتفاء في لحظة محاكمة الظلم؛ لأن الأولوية حينئذ ليست للإبداع، وإنما للعدالة. أما الانشغال بالإشادة بالإبداع في ذلك المقام، فإنه لا يخدم إلا تبرير الموقف الخاطئ أو التهوين من فداحته.

د. عبدالله القيسي