الجامعات اليمنية في القبضة الحوثية (5).. الولاء كمعيار لتعيين رؤساء الجامعات

ربما بدأت تجربة إحلال العناصر الحوثية أو حلفائها، في المواقع العليا لجامعة صنعاء، المشار إليها في العدد السابق، تمضي في موازاة ما يجري في الجامعات الحكومية الأخرى، مثل جامعات الحديدة وإب وذمار وعمران والبيضاء، إذ وضع الحوثيون بعض الأسماء الجديدة في رئاسة تلك الجامعات، من شخصيات لا تربط بعضهم علاقة ظاهرة بالحوثيين، ولا سيما من حيث الرابط السلالي، وإنما مع حزب حليفهم- حينذاك- المؤتمر الشعبي العام (جناح الرئيس السابق علي عبد الله صالح)، وذلك في بداية سياسة الإحلال تلك، ولكن الأمور لم تسر باتجاه واحد، كما سنرى من خلال الاستعراض التالي:

جامعة الحديدة.. أزمة القيادات الأكاديمية بين الحوثية والتحوّث

في 25/ 6/ 2015، صدر قرار رئيس اللجنة الثورية العليا، محمد علي الحوثي، بتعيين الدكتور حسن عمر المطري، رئيساً لجامعة الحديدة، مع نائبين له، الأول الدكتور أحمد محمّد دغّار(ت: 21/ 5/ 2020)، لشؤون الطلاب، والآخر الدكتور محمد حمد بلغيث، للدراسات العليا([1])، في إشارة إلى عدم اشتراط أن يكون الولاء المباشر للحوثيين واضحاً، أو الانتماء السلالي معياراً لذلك، بيد أنه لم تمر سوى 5 أشهر على تعيين الدكتور المطري، حتى دعا رئيس اللجنة الثورية العليا محمد علي الحوثي، إلى عقد اجتماع بصنعاء مع أعضاء المجلس الأعلى للجامعات اليمنية في 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2015م، ليكون واحد من أجندته البارزة إبلاغ الدكتور المطري إقالته من منصبه في جامعة الحديدة، وتكليف الدكتور إسماعيل المحاقري، أحد المنتسبين إلى عضوية هيئة التدريس بكلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء؛ برئاسة جامعة الحديدة خلفاً له، وهو ما قرئ – من قِبَل متابعين- على أنه بدء استنفاد لما كانوا قد أبدوه من سياسة المرونة، في عدم اشتراط الحصر السلالي أو الانتماء المباشر لجماعتهم، وإنما سعي عاجل منهم نحو إحلال كل من يمكن إحلاله من العناصر مضمونة الولاء لهم، بل المنتمية سلالياً أحياناً إلى مايُعرف بـ(الهاشمية السياسية)، أو أنه اضطراب في اتخاذ القرار، أكثر مما هو دافع عنصري محض، ومما رجّح الاحتمال الآخر، أي الاضطراب الإداري؛ أن ذلك القرار لم يدم كذلك سوى بضعة أشهر، أي إلى منتصف شهر مايو/ أيار 2016م، حتى عيّن نائب رئيس الجامعة لشؤون الطلاب الدكتور أحمد دغّار خلفاً للدكتور المحاقري، في رئاسة جامعة الحديدة، ولم يدم ذلك طويلا كذلك، إذ تم نقل دغّار في 1/ 1/ 2018م إلى صنعاء، ولكن ليصبح رئيساً لجامعتها، في حين نُقِل في التاريخ نفسه الدكتور عبد الله الشامي من موقعه نائباً لوزارة التعليم العالي إلى رئاسة جامعة الحديدة، ولكن لم يقبل الشامي بتسلم مهامه فعلياً، لأسباب غير معلنة، ربما لأنه كان يرى في ذلك تقليلاً من شأنه، بعد منصبه الرفيع السابق، الذي كان يسيطر فيه على تعيين رؤساء الجامعات ونوابهم، في مناطق سيطرة الحوثيين -بطبيعة الحال- خاصة إذا تذكّرنا أن وزير التعليم العالي – حينذاك- كان الأستاذ حسين حازب؛ المصنّف على حزب المؤتمر الشعبي (جناح صالح)، وكان حازب في صراع دائم علني مع نائبه الشامي، وشكوى مستمرة منه، بسبب سلب حازب صلاحياته الإدارية، وتدخّل الشامي في قراراته، ولم يتوقف حازب عن ذلك المسلك في التذمّر والشكوى؛ إلا بعد مقتل رئيس المؤتمر الشعبي علي عبد الله صالح، على أيدي الحوثيين، في 4/ 12/ 2017. وبسبب عدم قبول الشامي بمنصب رئاسة جامعة الحديدة؛ فقد تمّ تكليف أستاذ مساعد من قسم المحاسبة بكلية التجارة والاقتصاد، من جامعة الحديدة، في 3/ 1/ 2018، يُدعى الدكتور محمد أحمد أمين الأهدل، بدلا عنه، ليصدر له قرار تعيين رئيساً لجامعة الحديدة (بدلاً من التكليف) في 17/ 3/ 2018([2])، وكل ذلك بعيداً عن الالتزام بمعايير التعيين في مثل ذلك الموقع، إذ لا يتوافر الحدّ الأدنى من شروط المهنة الأكاديمية، على شاغلي ذلك الموقع، بالنظر إلى الرتبة العلمية التي يشترط قانون الجامعات اليمنية، أن لاتقل عن رتبة أستاذ مشارك، ولكل ذلك دلالاته في ظل سياسة ممنهجة للحوثيين، تعتمد تحطيم تلك المعايير، إذا كانت ستقف عائقاً أمام وضع عناصرهم (الفعلية)، أو تلك (المستأجرة مؤقتاً).

ويمثّل غياب الالتزام بأدنى قواعد التقاليد الإدارية الأكاديمية أبرز ما يميّز الحياة الأكاديمية في الحقبة الحوثية ، في إدارة التعليم العالي على نحو أخصّ. ويلاحظ أن الأهدل لايزال رئيساً للجامعة حتى لحظة كتابة هذه السطور في 14/ 7/ 2026.

أمّا الدكتور أحمد دغّار الذي نُقِل من رئاسة جامعة الحديدة، ليُعيّن في رئاسة جامعة صنعاء؛ فمن اللافت أن ذلك جاء بعد شهر واحد فقط، من مقتل الرئيس السابق، رئيس المؤتمر الشعبي العام علي عبد الله صالح، في 4/ 12/ 2017، على أيدي الحوثيين، فعلى حين أُلقي بعدد غير قليل من القيادات المؤتمرية في غياهب السجون، أو طوردوا وشرّدوا وأبعد بعضهم من موقعه؛ تم ترقية دغّار إلى ذلك الموقع المرموق، في رئاسة أكبر الجامعات اليمنية وأقدمها! وهنا يُشار إلى أن الحوثيين كانوا قد عينوا (دغّار) في وقت سابق، قبل تعيينه في رئاسة جامعة الحديدة؛ رئيساً للجنة الثورية بالجامعة ذاتها، مع أنه ينتمي - في الأصل- إلى المؤتمر الشعبي العام (جناح صالح)، وليس مصنّفاً – في الأصل- على جماعة الحوثي، ولا أنه من ضمن من ينتسبون إلى ما يسمّى بـ"الهاشمية السياسية"، إذ ليس هاشمياً من الأساس، لكنه ممن كان يُظهر إخلاصاً منقطع النظير للحوثيين- بحسب إفادة بعض المطّلعين من أبناء منطقته للباحث- ولذلك رُشّح لرئاسة ذلك الموقع في اللجنة الثورية بالجامعة، وأخيراً في رئاسة جامعة صنعاء، رغم كل ذلك الأذى والهَلَع الذي لحق بآخرين من قيادات المؤتمر الشعبي العام (جناح صالح) وأعضائه، لكن بدا من الملاحظ– أنه رغم كل ما بذله الدكتور دغّار معهم داخل الجامعة وخارجها، بما في ذلك تعاونه الكبير وبعض أفراد أسرته في مسقط رأسه بمديرية كُشر، بمنطقة حجور محافظة حجّة، أثناء مواجهات الحوثيين مع أبناء المنطقة، في مطلع يناير/كانون الثاني 2019م، مما أدّى إلى إخضاعها بعنف بالغ لسيطرتهم بعد تدميرها، قبل أشهر قليلة من قرار عزله؛ فلم يقنعهم كل ذلك ببقائه في رئاسة جامعة صنعاء طويلاً، إذ صدر قرار إبعاده منها إلى وزارة التخطيط، نائباً للوزير في 5/ 5/ 2019م، وجاء ذلك أقرب إلى محاولة تسليته شكلياً– وفق مراقبين- ليخلفه في اليوم ذاته في رئاسة الجامعة: الدكتور القاسم محمد عباس شرف الدّين، من كلية طب الأسنان بجامعة صنعاء ذاتها، وهو الذي ظل فيها منذ ذلك التاريخ حتى 16/ 4/ 2025م، حيث نُقِل مباشرة لرئاسة جامعة العلوم والتكنولوجيا (الأهلية)، ليخلفه في رئاسة جامعة صنعاء؛ الدكتور محمد أحمد البخيتي من كلية الهندسة!

وهنا يُشار إلى أنه قبل ذلك القرار بتغيير دغّار وإحلال شرف الدّين بديلاً عنه؛ كان التغيير قد طال في المرحلة السابقة ثلاثة رؤساء لجامعة الحديدة، في أقل من سنة، في تأكيد على مدى الاضطراب الذي غدا يطبع صناعة القرار الأكاديمي في الحقبة الحوثية. وربما جاء ذلك التغيير السريع للمحاقري (صدر قرار لاحق للمحاقري وزيراً للشؤون القانونية في 5/ 5/ 2019م)، بسبب حنق حليف الحوثيين- حينذاك- المؤتمر الشعبي (جناح صالح)، بعد أن رأى حليفه الحوثي يمضى في سياسة (تطهير) المؤسسات الأكاديمية من عناصر المؤتمر، واحداً بعد آخر، ليحلّ الحوثي عناصره محلها، فعمد الحوثيون إلى مراضاته بوضع شخصية مزدوجة الولاء (أحمد دغّار). وهنا يعود الباحث ليؤكّد أنه لا مجال للبحث في المعايير الأكاديمية المنضبطة، سواء في شروط المنصب، من حيث توافر الرتبة الأكاديمية، أم من حيث بقية المواصفات والشروط والمؤهلات الأساسية لشغل المهنة، وعمّا إذا كان ثمّة من تنطبق عليه تلك المعايير قبل هؤلاء، بل يرى المتابعون لمسار العمل الأكاديمي في البلاد في ظل سلطة الحوثين – بوجه أخص- أن معيار الولاء والانتماء والانتساب غالباً إلى سلالتهم، أو التأكّد من الولاء المطلق لهم؛ هو المعتمد قبل أيّ معيار آخر.

رؤساء جامعات إب وذمار وعمران والبيضاء ونوابهم: سباق الولاء للحوثيين؟:

لم تخرج بقية الجامعات الحكومية الأخرى عن دوامة ذلك الصراع، في محاولة إثبات قياداتها الولاء أكثر للحوثيين، ففي 3/ 7/ 2015 أصدر رئيس اللجنة الثورية العليا، محمد علي الحوثي قرارات بتعيين رؤساء لكل من جامعات إب وذمار وعمران والبيضاء، حيث تم تعيين الدكتور طارق أحمد المنصوب، رئيساً لجامعة إب، والدكتور محمد يحيى الرفيق، رئيساً لجامعة ذمار، والدكتور محمد ضيف الله القطابري ، رئيساً لجامعة عمران، والدكتور حمود مطهر العزّاني، رئيساً لجامعة البيضاء([3])، في حين صدر قرار ثان في اليوم ذاته، من قبل رئيس اللجنة الثورية العليا ذاته، بتعيين ثلاثة نواب لرئاسة جامعة ذمار، وهم الدكتور طالب طاهر النهاري، نائباً للشؤون الأكاديمية، والدكتور نصر محمد الحجيلي نائباً لشؤون الطلاب، والدكتور عبد الكريم إسماعيل زبيبة، نائباً للدراسات العليا والبحث العلمي([4])، كما صدر في اليوم ذاته قرار ثالث بتعيين ثلاثة نواب لرئيس جامعة عمران، وهم الدكتور محمد لطف السقاف، نائباً للشؤون الأكاديمية، والدكتور سامح سيف حانوني، نائباً لشؤون الطلاب، والدكتور عبد الخالق هادي طواف، نائبا للدراسات العليا والبحث العلمي([5]).

ومع أنه بات لكل جامعة مشكلاتها الخاصة بعد إصدار تلك القرارات؛ فقد حدث قدر من الثبات الطويل في مواقع بعضهم، في حين عاجل بعضهم التغيير السريع، في إطار صراع الحليفين – حينذاك- (الحوثيون والمؤتمر الشعبي- جناح صالح)، وقد ظل الدكتور طارق المنصوب- على سبيل المثال- على رأس منصبه، في جامعة إب، حتى أواخر شهر مايو/أيار 2023م، حيث أقيل، وتمّ استبداله بالدكتور نصر الحجيلي، الذي كان يشغل عميداً لمركز الجودة ونائباً لرئيس جامعة ذمار، وقيل إن ذلك جاء على خلفية الصراع المحتدم بين الحوثيين ومن لايزال مصنّفاً على عناصر المؤتمر الشعبي العام، وربما أن لا علاقة لذلك بخلفية الصراع، خاصة بعد تلك المدّة الطويلة نسبياً في موقعه.

أمّا في جامعة ذمار، فلم لم تكد تمر سوى 10 أشهر على تعيين اللجنة الثورية العليا الدكتور محمد الرفيق رئيساً للجامعة، وهو المصنف كذلك على حلفاء الحوثيين- حينذاك- أي المؤتمر الشعبي العام (جناح صالح)؛ حتى اشتكى من تضييق يُمارس عليه للحيلولة دون مضيّه في أداء مهامه الإدارية والأكاديمية، من قبل نائبه للشؤون الأكاديمية الدكتور طالب النهاري، على وجه التحديد. ويصنّف هذا الأخير على شريحة (الهاشمية السياسية)، مما اضطر الرفيق لتقديم شكوى به إلى رئيس اللجنة الثورية العليا محمد علي الحوثي، في إبريل/نيسان2016م، نظراً لما وصفه بحجم الفساد المستشري في مفاصل الجامعة، وقد نحا فيه باللائمة على نائبه الأكاديمي، وأمين عام الجامعة عبد الرؤوف الفلاحي ([6]). لعل الدكتور الرفيق لم يكن يتوقّع أن استجابة الحوثي لطلب استقالته ستكون بتلك السرعة، وكأنها الفرصة التي طالما انتظرها الحوثيون، ليحلّوا محلّه أحد عناصرهم الخالصة، وهو نائبه النهاري ذاته، أي الذي اشتكى منه الرفيق، ليتحلّلوا بذلك من عبء الشراكة مع المؤتمر الشعبي العام، في قيادة الجامعة، واحداً بعد الآخر، كما دلّت تطورات الأحداث لاحقاً، في مختلف المؤسسات والدوائر، إلا ممن أيقن الحوثيون أو غلب على ظنهم؛ أن تحوّث بعض "المؤتمريين" بات يغالب في تطرّفه الحوثيين " الأصليين" أنفسهم.

ظل الدكتور طالب النهاري في موقعه رئيساً لجامعة ذمار، حتى 31 مايو/أيار 2023، حيث أقيل، وتمّ تعيين الدكتور محمد محمد الحيفي خلفاً له، بالتزامن مع إصدار قرار بتغيير رئيس جامعة إب، كما سبقت الإشارة آنفاً ([7]).

(يتبع بإذن الله في العدد القادم) .

* (المصدر أونلاين)

أ.د أحمد الدغشي- أستاذ أصول التربية وفلسفتها- كلية التربية- جامعة صنعاء

-------------------------------------------------------------

([1]) صحيفة الثورة (الرسمية التي بات الحوثيون مسيطرين عليها في صنعاء) https://althawrah.ye/archives/116318، قراران بتعيين رئيس لجامعة الحديدة ونائبين، 25/6/2015 (شوهد في 7/7/2015).

([2]) انظر: موقع منصة يمن أكاديميك https://yemenacademic.net/arch...، محمد أحمد أمين الأهدل، بطاقة أكاديمية (السيرة الذاتية )، د.ت.

([3]) صحيفة الثورة (الرسمية التي بات الحوثيون مسيطرين عليها في صنعاء)، وهو متاح على الرابط https://2u.pw/2c27F9 ،قرار (31) بشأن تعيين رؤساء جامعات، قرار اللجنة الثورية العليا بتعيين رؤساء لجامعات إب وذمار وعمران والبيضاء، 3/7/2015 (شوهد في 7/ 7/ 2015).

([4]) صحيفة الثورة (الرسمية التي بات الحوثيون مسيطرين عليها في صنعاء)، وهو متاح على الرابط https://2u.pw/2c27F9 ، قرار (33) بشأن تعيين نواب لرئيس جامعة ذمار، 3/ 7/ 2015 (شوهد في 7/ 7/ 2015).

([5]) صحيفة الثورة (الرسمية التي بات الحوثيون مسيطرين عليها في صنعاء)، وهو متاح على الرابط https://2u.pw/2c27F9 ، قرار (34) بشأن تعيين نواب لرئيس جامعة عمران، 3/ 7/ 2015 (شوهد في 7/ 7/ 2015).

([6]) راجع: محمد يحيى الرفيق، نص خطاب استقالة رئيس جامعة ذمار إلى رئيس اللجنة العليا محمّد على الحوثي، 11/ 4/ 2016 (وثيقة منفصلة)

([7]) وزارة الشؤون القانونية (الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء)، قرار جمهوري لسنة 1444هـ/2023م رقم (60) بتعيين رئيس لجامعة ذمار، (وثيقة منفصلة) .


شارك الخبر


طباعةإرسال