الشركة التي رافقت حروب الحرس الثوري الإيراني من دمشق إلى صنعاء.. من هي "ماهان إير"؟

الشركة التي رافقت حروب الحرس الثوري الإيراني من دمشق إلى صنعاء.. من هي "ماهان إير"؟

عادت شركة "ماهان إير" الإيرانية إلى واجهة الأحداث في اليمن بعد أحد عشر عاماً من أول ظهور لها، لكن هذه المرة وسط واحدة من أكثر الأزمات حساسية منذ اندلاع الحرب، إثر نقل طائرة تابعة للشركة وفد الحوثيين من طهران إلى صنعاء في 3 يوليو، ومحاولة إعادتها في 13 من الشهر، والتي انتهت باستهداف مدرج مطار صنعاء، وإجبار الرحلة على تحويل مسارها إلى مطار الحديدة المهجور منذ 11 عاماً، واجتماعات طارئة للرئاسة والحكومة، ثم جلسة خاصة لمجلس الأمن الدولي.

في ظاهرها، بدت الأزمة خلافاً حول رحلة جوية، أما الوقائع التي سبقتها، فتشير إلى صراع يدور حول السيادة على الأجواء اليمنية، وهوية الجهة التي تملك حق تشغيل الرحلات الدولية من وإلى مطار صنعاء.

الحكومة اليمنية أعلنت استعدادها لتأمين عودة وفد الحوثيين عبر الخطوط الجوية اليمنية، باعتبارها الناقل الوطني المخول قانوناً، وأكدت استعدادها لاستئناف الرحلات المدنية وفق الترتيبات المتفق عليها، إلا أن هذا العرض قوبل بتعنت جماعة الحوثي وإيران اللتين أصرتا على تسيير الرحلتين عبر "ماهان إير"، مع إعلان استمرار خط (طهران–صنعاء)، في محاولة لفرض مسار جوي جديد خارج مؤسسات الدولة.

هذا الإصرار وضعنا أمام سؤال: لماذا "ماهان إير"، ولماذا تصر إيران التي تمتلك أكثر من أربع وعشرين شركة طيران مدنية حكومية وشبه خاصة وخاصة، بينها الناقل الوطني "إيران إير"، إلى جانب شركات أخرى قادرة على تشغيل الرحلات الدولية، عل اختيار هذه الشركة؟!

وفي الجواب، نجد أن "ماهان إير" شركة ارتبط اسمها طوال خمسة عشر عاماً بملفات الحرس الثوري الإيراني، والعقوبات الأمريكية والأوروبية، والجسور الجوية التي رافقت حروب إيران الإقليمية، كما أن هذه لم تكن المرة الأولى التي تظهر فيها في الملف اليمني.

ففي أواخر فبراير 2015، وبعد أشهر من سيطرة الحوثيين على صنعاء، وقعت سلطات الطيران الخاضعة للجماعة اتفاقاً مع إيران لتسيير 28 رحلة مباشرة بين صنعاء وطهران بواقع أربع عشرة رحلة أسبوعياً لكل طرف، وبعد يومين فقط، هبطت أول طائرة للشركة في مطار صنعاء، معلنة افتتاح أول جسر جوي مباشر بين طهران وصنعاء، قبل أن تتوقف تلك الرحلات مع انطلاق عملية عاصفة الحزم وإغلاق المجال الجوي اليمني.

ومؤخراً، عاد الاسم ذاته إلى المشهد، في 3 يوليو 2026 حين أقلعت طائرة تابعة لـ"ماهان إير" من مطار صنعاء ناقلة وفداً من جماعة الحوثي إلى طهران للمشاركة في مراسم تشييع علي خامنئي.

وأدانت الحكومة اليمنية الرحلة، وحذرت من تحويلها إلى مقدمة لخط جوي دائم بين العاصمتين، وطرحت بديلا يقضي بإعادة الوفد عبر الخطوط الجوية اليمنية.

ويوم أمس في 13 يوليو حاولت طائرة ثانية للشركة إعادة الوفد إلى صنعاء، ومع اقترابها من الأجواء اليمنية، تعرض مدرج مطار صنعاء لقصف جوي أعلن الجيش التابع للحكومة الشرعية أنه نفذ العملية، وتعذر هبوط الطائرة قبل أن تغير مسارها إلى مطار الحديدة.

ناقل الملفات الحساسة

تأسست "ماهان إير" عام 1991 في مدينة كرمان جنوب شرقي إيران، كأول شركة طيران خاصة تحصل على ترخيص للعمل بعد ثورة الخميني، وخلال سنوات قليلة توسعت رحلاتها داخل إيران وخارجها، حتى أصبحت واحدة من أكبر شركات الطيران الخاصة في البلاد، بأسطول يضم عشرات الطائرات وشبكة وجهات امتدت إلى آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.

وتزامن نمو الشركة مع مسار آخر أكثر حساسية، فمع اتساع نشاط فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، بدأ اسم "ماهان إير" يتكرر في تقارير استخباراتية غربية بوصفها إحدى الشركات التي يعتمد عليها الفيلق في نقل الأفراد والمعدات إلى مناطق النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

وفي الثاني عشر من أكتوبر 2011، انتقلت تلك الاتهامات إلى مستوى رسمي، عندما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على الشركة، متهمة إياها بتقديم دعم مالي ولوجستي وتقني لفيلق القدس، والمشاركة في نقل عناصره وتجهيزاته إلى خارج إيران.

وقالت الوزارة إن الشركة وضعت طائراتها وخدماتها تحت تصرف فيلق القدس، وساهمت في نقل أفراد ومعدات مرتبطة بعملياته الخارجية، وهو ما جعلها جزءً من شبكة الدعم اللوجستي التابعة للحرس الثوري.

مثّل ذلك القرار بداية مرحلة جديدة في تاريخ "ماهان إير"،

وارتبط اسم الشركة بالعقوبات الدولية منذ ذلك الوقت، أكثر من ارتباطه بقطاع الطيران المدني.

وفي مايو 2013، وسعت واشنطن إجراءاتها بفرض عقوبات على رئيس مجلس إدارتها ومديرها التنفيذي حميد عرب نجاد، متهمة إياه بالإشراف على إدارة الشبكات التي حافظت على نشاط الشركة، وساعدتها على الإلتفاف على القيود المفروضة عليها.

وخلال الأعوام التالية، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات متتالية استهدفت شركات ووسطاء في الإمارات وتركيا وتايلاند ودول أخرى، قالت إنهم وفروا لـ"ماهان إير" طائرات وقطع غيار وخدمات صيانة وتمويلاً، ما مكنها من مواصلة تشغيل أسطولها رغم العقوبات.

في الوقت نفسه، كانت الشركة توسع حضورها في أكثر ساحات النفوذ الإيراني اشتعالاً، فقد أصبحت رحلاتها إلى دمشق جزءً من الجسر الجوي الذي اعتمدت عليه طهران لدعم نظام بشار الأسد، وربطت تقارير أمريكية وأوروبية بين الشركة وعمليات نقل مستشارين عسكريين، وعناصر من الحرس الثوري، ومقاتلين ومعدات إلى سوريا.

كما ظهر اسم الشركة في العراق ولبنان ضمن مسارات النقل الجوي المرتبطة بشبكة النفوذ الإيراني في المنطقة.

ومع اتساع نشاط "ماهان إير" خارج إيران، بدأت الحكومات الأوروبية تتعامل مع الشركة باعتبارها أكثر من مجرد ناقل مدني، وكانت ألمانيا أول من اتخذ خطوة مباشرة، عندما سحبت في يناير 2019 ترخيص الشركة لتسيير رحلاتها إلى أراضيها، استناداً إلى معلومات أمنية ربطت رحلاتها بدعم عمليات الحرس الثوري في سوريا.

ولم تمض سوى أسابيع حتى أعلنت فرنسا وقف رحلات الشركة إلى مطاراتها، ثم لحقت بها إيطاليا في نهاية العام نفسه، لتفقد "ماهان إير" أهم وجهاتها الأوروبية، في وقت كانت فيه العقوبات الأمريكية تتوسع بوتيرة متسارعة.

وخلال تلك الفترة، لم يقتصر نشاط الشركة على المشرق العربي، ففي عام 2020، لفتت رحلاتها المنتظمة إلى فنزويلا اهتماماً واسعاً، بعدما كشفت تقارير دولية، من بينها تحقيقات نشرتها وكالة "بلومبرغ"، عن استخدام طائرات "ماهان إير" في نقل الذهب الفنزويلي إلى إيران مقابل مساعدات وخبرات في قطاع الطاقة. وأعادت تلك الرحلات اسم الشركة إلى واجهة الجدل الدولي، بوصفها أداة تعتمد عليها طهران في إدارة ملفاتها الأكثر حساسية، حتى في ظل العقوبات.

ومع اندلاع الحرب في أوكرانيا، عاد اسم "ماهان إير" إلى قوائم العقوبات مرة أخرى، ففي 14 أكتوبر 2024، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على الشركة، إلى جانب "إيران إير" و"ساها"، بعد اتهامها بالمشاركة في نقل صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة ومعدات عسكرية من إيران إلى روسيا، لتصبح الشركة تواجه منظومتين من العقوبات؛ أمريكية بدأت عام 2011، وأوروبية توسعت لاحقاً مع تنامي دورها في الملفات الإقليمية والدولية.

وخلال أكثر من عقد، بقيت "ماهان إير" حاضرة في معظم الأزمات التي اتسع فيها النفوذ الإيراني، من دمشق إلى بغداد وبيروت، ثم إلى كاراكاس، ارتبط اسمها بخطوط الإمداد والرحلات التي أحاطتها الشبهات والاتهامات، حتى أصبحت واحدة من أكثر شركات الطيران إثارة للجدل في العالم.

هذا السجل الطويل يفسر جانباً من الطريقة التي تعاملت بها الحكومة اليمنية مع الرحلتين الأخيرتين، وفي كلمته أمام مجلس الأمن، ركز مندوب اليمن الدائم عبدالله السعدي على واقعة دخول الطائرة إلى الأجواء اليمنية، وتوقف عند هوية الناقل الجوي، مشيراً إلى أن "ماهان إير" شركة ارتبط اسمها بدعم الحرس الثوري وخضعت لعقوبات دولية بسبب أنشطتها.

وأعلن السعدي أن الحكومة تحتفظ بمعلومات وأدلة ستقدمها إلى لجنة الجزاءات وفريق الخبراء الدوليين للتحقيق فيما إذا كانت الرحلتان قد تضمنتا نقل أفراد أو معدات أو تقنيات تخضع لحظر السلاح المفروض على الحوثيين.


شارك الخبر


طباعةإرسال