حضور رسمي وشعبي واسع.. حضرموت تشيّع مفتيها الشيخ علي بن سالم بكير في موكب مهيب بتريم

حضور رسمي وشعبي واسع.. حضرموت تشيّع مفتيها الشيخ علي بن سالم بكير في موكب مهيب بتريم

المصدر أونلاين - حضرموت

شيّعت مدينة تريم بمحافظة حضرموت، شرقي اليمن، اليوم الأربعاء، جثمان الشيخ العلامة علي بن سالم سعيد بكير باغيثان، أحد أبرز المرجعيات الدينية والعلمية في المحافظة، الذي توفي أمس الثلاثاء عن عمر ناهز 84 عاماً، بعد حياة حافلة بالتدريس والإفتاء والدعوة والإصلاح الاجتماعي والعمل الوطني.

وتوافدت جموع المشيعين منذ ساعات الصباح الأولى إلى مدينة تريم، قادمةً من مختلف مديريات حضرموت وعدد من المناطق، للمشاركة في تشييع الفقيد، وسط حضور رسمي وشعبي وعلمي واسع، قبل أن تُقام الصلاة على جثمانه في جبانة تريم، ثم يُوارى الثرى في مقبرة الفريط بالمدينة.

وشارك في مراسم التشييع عدد من الوزراء ووكلاء الوزارات والسلطات المحلية ومديري العموم والقيادات الحزبية والشخصيات الاجتماعية والوطنية، إلى جانب علماء ودعاة وأكاديميين وطلاب علم ووجهاء وأعيان، وجموع غفيرة من المواطنين.

وعكس الحضور الكبير المكانة العلمية والدعوية والاجتماعية التي حظي بها الشيخ باغيثان، والأثر الذي تركه في المجتمع الحضرمي خلال عقود من التدريس والإفتاء والإصلاح بين الناس ومعالجة النزاعات والقضايا الاجتماعية والأسرية.

وكان الشيخ علي بن سالم بكير قد توفي، الثلاثاء، في حضرموت، بعد مسيرة طويلة في خدمة العلم الشرعي والمجتمع، ونعته السلطات المحلية وقيادات سياسية وعلمية، معتبرةً رحيله خسارةً لحضرموت واليمن وأحد أبرز علمائها ورجالاتها.

وُلد الفقيد في مدينة تريم عام 1361هـ، الموافق 1942م، في أسرة علمية، وتلقى علومه الأولى على يد والده، العالم سالم بن سعيد بكير، قبل أن يواصل دراسته على عدد من علماء وفقهاء حضرموت وفي المعهد الفقهي بمدينة تريم.

وبدأ الشيخ باغيثان التدريس وهو في العشرين من عمره، وكرّس جانباً كبيراً من حياته لتعليم الفقه والفرائض والعلوم الشرعية، وعُرف بذاكرته العلمية الواسعة وحضوره المستمر في مجالس العلم صباحاً ومساءً، وتخرّج على يديه عدد كبير من طلاب العلم.

وتولى الفقيد العمل في مكتبة الأحقاف للمخطوطات بمدينة تريم، وأسهم في حفظ وفهرسة تراثها، وله عدد من المؤلفات والرسائل والحواشي والتعليقات العلمية على كتب كان يدرسها، من بينها "الياقوت النفيس" و"متن أبي شجاع" و"التنبيه" للشيرازي و"المنهاج" للنووي و"شرح الرحبية"، إلى جانب فهرس مكتبة الأحقاف وكتابات تاريخية وتراجم لعدد من أعلام اليمن.

وعُرف الشيخ باغيثان بتمكنه في الفقه الشافعي وعلم الفرائض، وبقدرته على معالجة المسائل والنوازل الفقهية، كما عُرف باستقلاله العلمي واهتمامه بكتب عدد من علماء اليمن، من بينهم محمد بن إبراهيم الوزير وصالح بن مهدي المقبلي ومحمد بن علي الشوكاني ومحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني.

وامتد نشاطه العلمي خارج اليمن، إذ شارك في مؤتمرات وملتقيات علمية ودعوية، وأقام خلال زيارة علاجية إلى مدينة برمنغهام البريطانية عام 2000 دروساً في شرح علم الفرائض، ومنح عدداً من طلاب العلم إجازات علمية.

وإلى جانب نشاطه العلمي، اضطلع الشيخ باغيثان بأدوار اجتماعية واسعة، وكان مرجعاً في الفتوى وقضايا الناس، وأسهم في إصلاح ذات البين وحل النزاعات، وعُرف بقربه من المواطنين ومتابعته احتياجاتهم وقضاياهم لدى الجهات المختصة.

كما كان للفقيد حضور في الشأن العام والعمل الوطني والسياسي، إذ شغل عضوية مجلس الشورى اليمني، وعضوية هيئة علماء اليمن، وترأس مجلس علماء وادي حضرموت، كما كان عضواً في مجلس شورى التجمع اليمني للإصلاح، والرئيس الأسبق لهيئة الشورى المحلية للحزب في حضرموت، وترشح لعضوية مجلس النواب في دورتين انتخابيتين.

وقال التجمع اليمني للإصلاح في حضرموت، في بيان نعي، إن الفقيد جمع بين "العلم الشرعي الراسخ، والفقه والإفتاء، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبين الحضور السياسي المسؤول، والدور الاجتماعي المؤثر".

وأضاف أن الشيخ باغيثان كان مرجعاً في الفتوى وقضايا الناس، وأسهم في نشر العلم الشرعي وتعزيز قيم الوسطية والاعتدال، وكرّس جهوده لخدمة المجتمع والإصلاح بين أبنائه، حتى أصبح من أبرز الشخصيات العلمية والاجتماعية التي حظيت بمحبة واحترام واسعين في حضرموت واليمن.

من جانبه، قال الأمين العام للتجمع اليمني للإصلاح عبد الوهاب الآنسي إن اليمن فقدت برحيل الشيخ باغيثان "قامة علمية ودعوية ووطنية مرموقة"، مشيراً إلى إسهاماته في نشر العلم الشرعي والدعوة والتربية والإفتاء والإصلاح الاجتماعي.

وأكد الآنسي أن الفقيد كان شخصيةً وطنيةً منحازةً لقضايا الشعب والوطن وثوابته ومصالحه، وأسهم من خلال عضويته في مجلس الشورى ونشاطه السياسي والاجتماعي في خدمة القضايا الوطنية وترسيخ العمل العام.

ونعى علماء ودعاة وأكاديميون الشيخ باغيثان، مستذكرين علمه وحكمته وتواضعه واستقلاله العلمي، ودوره في إدارة الخلافات الفقهية والاجتماعية، وحرصه على جمع الكلمة والحفاظ على السلم الاجتماعي.

وأشار عدد من تلامذته ومعاصريه إلى أن الفقيد جمع بين رسوخ العلم وحسن الخلق والبساطة، وكان حريصاً على أداء واجبه في الإفتاء والتعليم والإصلاح دون محاباة، مع احترام المخالفين والتمييز بين مقام الفتوى ومقام الإصلاح والتربية.

وبرحيل الشيخ علي بن سالم سعيد بكير باغيثان، تفقد حضرموت واليمن أحد أبرز علمائها وفقهائها، بعد مسيرة امتدت لأكثر من ستة عقود في التدريس والدعوة والإفتاء والعمل الاجتماعي والوطني، خلّف خلالها إرثاً علمياً وتلاميذ وطلاباً وذكراً واسعاً في المجتمع.


شارك الخبر


طباعةإرسال